أبرز المفاوضين “النوويين”.. علي باقري كني من ظل جليلي إلى صانع قرارات دبلوماسية (بروفايل)

لسنوات، كان علي باقري كني إلى جانب سعيد جليلي، وكان يُعرف باسمه، لكن سرعان ما افترقا واتجها في اتجاهين متعاكسين، ظل جليلي على ما هو عليه، وأصبح باقري شخصا مختلفا في مواقفه وتصريحاته، في خطوة أثارت انتباه الأوساط السياسية، عُيّن الدبلوماسي المخضرم علي باقري كني، الذي شغل منصب القائم بأعمال وزير الخارجية سابقا، نائبا للشؤون الدولية في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بقرار من علي لاريجاني في 30 أغسطس/آب 2025.

هذا التعيين لم يكن مجرد تغيير إداري، بل عكس مسيرة طويلة ومعقدة لدبلوماسي ارتبط اسمه بتحولات سياسية ودبلوماسية كبرى، خاصة في الملف النووي.. علي باقري كني، الذي شهد صعودا وهبوطا في مسيرته السياسية، انتقل من كونه ظلّ المرشح الرئاسي المخضرم سعيد جليلي إلى شخصية مستقلة تحمل رؤية دبلوماسية متطورة، مما جعله محط أنظار المتابعين.

ويُعد باقري من أبرز الشخصيات الدبلوماسية المرتبطة بالملف النووي والمفاوضات مع الغرب، إذ تولى سابقا مسؤولية فريق التفاوض النووي في عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، كما لعب دورا محوريا في جولات الحوار الأخيرة مع القوى الغربية بشأن إحياء الاتفاق النووي، وهو نجل محمد باقر باقري كني، العضو السابق في مجلس الخبراء وشقيقه مصباح الهدى باقري كني، المعروف باسم داماد آغا والمتزوج من ابنة المرشد الإيراني علي خامنئي.

النشأة والتعليم

وُلِد علي باقري كني عام 1967 ثم درس الدراسات الإسلامية والاقتصاد في جامعة الإمام الصادق كما عمل في تدريس الاقتصاد فيها، وهو ابن محمد باقري كني، العضو السابق في مجلس خبراء القيادة وعضو مجلس أمناء مؤسسة جامعة الصادق. وهو أيضا ابن شقيق محمد رضا مهدوي كني.

بدأ عمله في وزارة الخارجية عام 1994 بعد فترة قصيرة قضاها في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، من عام 2007 إلى عام 2013 كان عضوا في الفريق النووي الإيراني في حكومة محمود أحمدي نجاد، وعمل إلى جانب سعيد جليلي في المفاوضات النووية، وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2013 ترأس باقري كني مقر حملة سعيد جليلي الانتخابية، وشغل منصب نائبه في المجلس الأعلى للأمن القومي، عُيّن نائبا لوزير الشؤون الدولية ورئيسا لهيئة حقوق الإنسان التابعة للسلطة القضائية.

وفي العام 2019، بموجب مرسوم رئاسي من إبراهيم رئيسي، أعلن غلام حسين إسماعيلي، المتحدث باسم السلطة القضائية، تعيين علي باقري كني نائبا للشؤون الدولية في السلطة القضائية وأمينا لهيئة حقوق الإنسان، جاء تعيين علي باقري في هذا المنصب في السلطة القضائية في وقت دخلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة من العقوبات ضد إيران، وأُنشئت هيئة حقوق الإنسان التابعة للسلطة القضائية في عهد رئاسة الراحل هاشمي شاهرودي وبموافقة المرشد علي خامنئي عام 2005، وتلعب دور الجهاز الدبلوماسي للقضاء، وهي مسؤولة عن اتهامات انتهاكات حقوق الإنسان في إيران في المحافل الدولية، قبل باقري كني، ترأس محمد جواد لاريجاني هيئة حقوق الإنسان التابعة للسلطة القضائية لمدة 14 عاما.

وشغل باقري منصب نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية في الوزارة منذ سبتمبر/أيلول 2021، وقاد المفاوضات النووية مع القوى الغربية لإحياء الاتفاق النووي المبرم العام 2015 لكن الجهود فشلت في هذا الإطار، كما تولى منصب نائب رئيس السلطة القضائية للشؤون الدولية وأمينا لهيئة حقوق الإنسان في السلطة.

وتولى منصب نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني للشؤون الدولية في عهد سعيد جليلي أثناء حكومة أحمدي نجاد، كما شارك باقري كني في المفاوضات النووية من العام 2007 إلى 2013، كذلك ترأس الحملة الرئاسية لسعيد جليلي في الانتخابات الرئاسية التي جرت العام 2013، كما أن لديه خلفية في تدريس الاقتصاد في الجامعة، ودرس في الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية وجامعة الإمام الصادق في طهران عندما كان جليلي نائبا لرئيس شؤون أوروبا وأمريكا في وزارة الخارجية الإيرانية.

وكان باقري كني مساعدا لكبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي، أحد منتقدي المفاوضات النووية في حكومة الرئيس السابق حسن روحاني، وانتقد محتوى المفاوضات النووية.

بدايات الصعود مع جليلي وأحمدي نجاد

علي باقري كني، بدأ مسيرته المهنية في وزارة الخارجية عام 1994 كخبير في إدارة الشؤون العربية والأفريقية، تخرج من جامعة الإمام الصادق بدرجة في الاقتصاد، لكنه لم يبرز على الساحة السياسية حتى عام 2005، عندما عاد سعيد جليلي إلى وزارة الخارجية كنائب للشؤون الأوروبية والأمريكية في تلك الفترة، عُيّن باقري مديرا عاما لشؤون أوروبا الوسطى والشمالية، وهي الخطوة التي مهدت لصعوده السياسي.

في عام 2007، وبعد استقالة علي لاريجاني من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أصدر الرئيس محمود أحمدي نجاد قرارا بتعيين جليلي خلفا له، مع انتقال جليلي إلى الأمانة العامة، رافقه باقري كنائب بالوكالة، ثم تولى منصب نائب الشؤون الدولية رسميا، بشكل لافت، كرر التاريخ نفسه في عام 2025، عندما أعاد لاريجاني تعيين باقري في المنصب ذاته، لكن هذه المرة بقرار مباشر منه.

كبير المفاوضين في الملف النووي

بين عامي 2007 و2013، كان باقري نائبا لسعيد جليلي وكبير المفاوضين في الفريق المسؤول عن الملف النووي الإيراني، حيث شهدت هذه الفترة تصعيدا كبيرا في التوترات حول البرنامج النووي، حيث تطورت القضية إلى أزمة أمنية دولية، ولعب دورا مباشرا في جهود المجلس الأعلى للأمن القومي غير الناجحة في المفاوضات النووية وإقرار قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد إيران.

قال باقري، مستذكرا سنواته الخمس كعضو رئيسي في فريق التفاوض النووي، وموقف الفصائل المعارضة للتفاوض آنذاك: “في العلاقات بين الدول، كما في العلاقات بين الأفراد، يشكّل انطباعك عن الآخر سلوكك تجاهه. إذا اعتقدتُ أنك خبير كبير في الملف النووي، قد أتردد في مناقشتك، لشعوري بأنك تتفوق عليّ. لكن إذا دخلتُ النقاش معك، فهذا يعني أنني أظن أن معرفتي قد تكون أوسع، حتى لو كنتُ مخطئا، الدول تتصرف بنفس الطريقة؛ فهي تبني سياساتها وتحدد خطواتها بناء على تقديراتها، سواء كانت صحيحة أم لا”.

قرار مجلس الأمن رقم 1803 في مارس/آذار 2007، وقرار 1929 في يونيو/حزيران 2010، والذي اعتُبر أقسى حزمة عقوبات دولية على إيران، كانا من أبرز محطات هذه الفترة، خلال هذه السنوات، ظل باقري في ظل جليلي، دون أن يُنظر إليه كشخصية مستقلة، لكنه لم يكن مجرد مساعد إداري لجليلي، ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2013 كان مسؤولا عن حملة جليلي الانتخابية وممثله في البرامج التلفزيونية.

انتخابات عام 2013 شكلت نقطة تحول حاسمة، ترشح جليلي للرئاسة، وعُيّن باقري رئيسا لحملته الانتخابية، لكن فوز حسن روحاني أنهى دور فريق جليلي في المجلس الأعلى للأمن القومي، ونُقل الملف النووي إلى وزارة الخارجية بقيادة محمد جواد ظريف، مما أبعدهما عن مركز القرار، ومع وصول ظريف، ترك باقري وزارة الخارجية وظلّ صريحا في معارضته للمفاوضات والاتفاق النووي خلال سنوات حكومة روحاني.

معارضة الاتفاق النووي

بين عامي 2013 و2020، لم يتضح المنصب الرسمي الذي شغله باقري، لكنه ظل نشطا إلى جانب جليلي في انتقاد خطة العمل الشاملة المشتركة، كان دور باقري في مهاجمة الاتفاق النووي بارزا للغاية؛ فبعد اتفاقية جنيف، التي مهدت الطريق لخطة العمل الشاملة المشتركة، ظهر في البرلمان وانتقد محتوى المفاوضات والاتفاقيات في لجنة عُرفت باسم “لجنة خطة العمل الشاملة المشتركة” برئاسة علي رضا زاكاني. 

لماذا افترق باقري كني عن جليلي؟

كما كان له حضور دائم على الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين، منتقدا أداء فريق السياسة الخارجية للحكومة آنذاك، وشارك في جلسات البرلمان عام 2015 لمراجعة الاتفاق النووي، وألقى خطابات وتصريحات حادة ضد سياسات التفاوض، من أبرز تصريحاته: في عام 2013، خلال خطاب انتخابي: “كلما ناقشنا العقوبات، قالوا إن علينا تنفيذ قرارات مجلس الأمن، رغم أننا نعتبرها غير قانونية”، وفي خريف عام 2023، تحديدا في سبتمبر/أيلول، شهدت العلاقة الوثيقة بين علي باقري كني وسعيد جليلي تصدعا مفاجئا، وعلى عكس العديد من الشخصيات الأخرى في دائرة جليلي، ينحدر باقري كني من عائلة قوية سياسيا، وهو ابن محمد باقري كني- عضو سابق في مجلس الخبراء وعضو في مجلس أمناء جمعية الصادق- وابن شقيق محمد رضا مهدوي كني، وهما رجلا دين مؤثران في الصفوف الأولى من القادة الإيرانيين وبوفاتهما، أتيحت فرصة الظهور والظهور لأبناء هاتين العائلتين أكثر من أي وقت مضى. 

إضافة إلى ذلك، فإن مصباح الهدى، شقيق علي باقري كني، هو صهر خامنئي، هذه الخلفية العائلية، إلى جانب تخرجه في جامعة الإمام الصادق وارتباطاته بطبقات مختلفة من السلطة، تمنح باقري كني الانضباط الذي لم يجعل استمرار حياته السياسية يعتمد على قربه من جليلي، إذ اتخذ باقري موقفا جريئا بدفاعه العلني عن مبدأ التفاوض، في الحادي عشر من الشهر ذاته، ألقى باقري كلمة في جامعة فرهنكيان أمام جمعٍ من الأكاديميين، أكد فيها أن “من يسعون، تحت ستار الدفاع عن القيم، لتصوير التفاوض كتنازلٍ عن المبادئ، يهدفون في الحقيقة إلى تجريد النظام من أداةٍ حيوية لتحقيق المصالح الوطنية”.

وفي لحظةٍ تخللتها نبرةٌ ساخرة، وجه باقري كلامه إلى رفاقه القدامى قائلا: “السياسة الخارجية ليست ميدانا للمبادئ الجامدة، بل فضاء يجمع بين الإيمان العميق والعقلانية المتقدة والدهاء الاستراتيجي”، وفي عام 2017، بجامعة شريف: “على الرغم من تدمير بعض الإنجازات النووية، فإن دماء الشهداء النوويين لا تزال تدفع الشباب الإيراني نحو التقدم”.

في العام نفسه، بجامعة مشهد: “وصف الاتفاق النووي بالضرر المحض هو أدق توصيف لإنجاز حكومة الحكمة والأمل”.. هذه التصريحات عكست موقفا متشددا، لكنها مهدت لتحول لاحق في نهج علي باقري كني.

بخصوص هذا التغيير في النهج، صرّح أمير حسين ثابتي، عضو مجلس الشورى الإسلامي، مؤخرا: “علي باقري شخصية محترمة، ولم أرَ فيه أي سوء قط. لقد تغيّر رأي علي باقري كثيرا في قضية الاتفاق النووي. كان هناك خلاف بين علي باقري وجليلي حول الاتفاق. في إحدى المرات، اضطررتُ للتحدث مع باقري لثلاث أو أربع ساعات بسبب تغيير رأيه بشأن الاتفاق. لا أعتبر علي باقري شخصا راقٍ وروحانيا”.

كيف أصبح علي باقري كني دبلوماسيٌّ منتقدٌ للاتفاق النووي المفاوضَ الرئيسيّ لإحيائه؟ لماذا كان علي باقري في السابق إلى جانب جليلي، ويدافع اليوم عن الاتفاق؟ ما التقلبات في مسيرته السياسية؟ في هذا الفيديو، تفاصيل أكثر وإجابات على هذه الأسئلة.

مفاوضات إحياء الاتفاق النووي

في عام 2019، تولى باقري منصب مدير إدارة حقوق الإنسان والشؤون الدولية في السلطة القضائية حتى عام 2021، بعد فوز إبراهيم رئيسي بالرئاسة، أشرف باقري على انتقال إدارة وزارة الخارجية إلى الحكومة الجديدة، ثم عُيّن نائبا سياسيا لوزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، تولى قيادة مفاوضات إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، التي سلمها له عباس عراقجي. نجح الفريق في الاقتراب من توقيع الاتفاق مرتين في عامي 2022 و2023، وأجرى مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة في عُمان بين ربيع 2023 ومايو/آيار 2024.

تحول نحو الواقعية

على الرغم من انتقادات حلفائه السابقين، بدا باقري أكثر واقعية في مواقفه لاحقا، بعد رفضه السابق لسياسة خفض التصعيد ومعارضته للاتفاق النووي بين عامي 2013 و2019، تبنى نهجا أكثر مرونة عندما تولى مسؤولية المفاوضات بنفسه، في أغسطس/آب 2024، قال: “خطة العمل الشاملة المشتركة كانت مبادرة متعددة الأطراف لرفع العقوبات، ومبدأها صحيح، ولا أعتقد أن أحدا سيعارضها، النقاش هو حول قدرتها على ضمان مصالحنا”.

بعد تحطم مروحية الرئيس إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2024، عُيّن باقري كني وزيرا للخارجية بالوكالة، وفي 16 يوليو/تموز 2024، ألقى كلمة في مجلس الأمن الدولي، واصفا الاتفاق النووي بأنه “دليل على رؤية إيران للتعددية”، وأضاف: “الاتفاق عالج قلقا مصطنعا حول البرنامج النووي الإيراني، لكن انسحاب الولايات المتحدة الأحادي أضر بجميع الأطراف”.

مسيرة علي باقري كني تعكس تحولات السياسة الإيرانية، من دبلوماسي في ظل جليلي إلى مفاوض بارز وصانع قرارات، أظهر قدرة على التكيف مع التحديات. 

تعيينه الأخير في سبتمبر/أيلول 2025 يعكس ثقة المؤسسات الإيرانية في خبرته، لكنه يثير تساؤلات حول كيفية توازنه بين الواقعية والمبادئ الثورية التي بدأ بها مسيرته.