واشنطن وطهران على حافة الاتفاق… مفاوضات معقدة في زمن التصعيد

منذ دخول وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ في 8 أبريل/ نيسان 2026 بوساطة إقليمية ودولية، لم تهدأ وتيرة التوتر بالكامل، بل انتقلت المواجهة من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات المعقدة. فعلى امتداد الأسابيع الماضية، تخللت الهدنة سلسلة من الاحتكاكات العسكرية غير المباشرة، والتصعيدات المتقطعة في مضيق هرمز ولبنان، إلى جانب تبادل الاتهامات بشأن خرق التفاهمات الأولية واستمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية.

 في المقابل، شهدت الفترة نفسها تكثيفا ملحوظا للاتصالات السياسية والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، وسط حديث متزايد عن قرب التوصل إلى تفاهم مؤقت يمهد لاتفاق أوسع بين الجانبين. ورغم استمرار الخلافات حول ملفات رئيسية، أبرزها العقوبات والبرنامج النووي والأموال الإيرانية المجمدة، فإن المؤشرات السياسية والتصريحات الأخيرة الصادرة من واشنطن وطهران تعكس اقتراب المفاوضات من مرحلة مفصلية قد تفتح الباب أمام انفراجه سياسية خلال الفترة المقبلة.

مفاوضات، ولكن… تحت ضغط الحرب والتناقضات السياسية

خلال الأيام الأخيرة، بدا واضحا أن ملف التفاهم المحتمل بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة حساسة، تتقاطع فيها المؤشرات الإيجابية مع رسائل التهديد والضغوط السياسية والعسكرية، فقد تحدثت وسائل إعلام أمريكية وإيرانية عن تقدم ملموس في مسار الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين، وعن وجود مسودة تفاهم أولي يجري التفاوض على تفاصيله النهائية، إلا أن هذا المناخ الإيجابي اصطدم سريعا بسلسلة من التصريحات المتناقضة الصادرة عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان في قلب هذه التناقضات، بعدما نشر سلسلة تصريحات عبر منصة تروث سوشيال، السبت 30 مايو/ آيار 2026، أعلن فيها أن الولايات المتحدة بصدد رفع الحصار البحري المفروض على إيران، وأن السفن العالقة في مضيق هرمز يمكنها العودة إلى مساراتها الطبيعية، كما تحدث عن تنسيق أمريكي إيراني صيني لإخراج المواد النووية المخصبة المدفونة في منشآت تحت الأرض وتدميرها. غير أن ترامب عاد في الوقت نفسه ليؤكد أن أي أموال لن تدفع لإيران حتى إشعار آخر، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حقيقة الموقف الأمريكي وما إذا كانت واشنطن تتجه فعلا نحو تسوية سياسية أم أنها تستخدم سياسة الضغط الإعلامي لتحسين شروط التفاوض.

Image

في السياق نفسه، كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير لها أن ترامب قد عقد اجتماعا استمر قرابة ساعتين في غرفة العمليات بالبيت الأبيض مع كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، من بينهم نائب الرئيس، جي دي فانس، ووزير الخارجية، ماركو روبيو، لبحث مستقبل التفاهم مع إيران، إلا أن الاجتماع انتهى من دون اتخاذ قرار نهائي، وأكدت تقارير أمريكية لاحقة أن الإدارة الأمريكية ما تزال منقسمة حول طبيعة الاتفاق الممكن مع طهران، وأن الخلافات الأساسية لم تحل بعد، وفي مقدمتها ملف اليورانيوم المخصب، وآلية رفع العقوبات، ومصير الأموال الإيرانية المجمدة.

Image

في المقابل، حرصت طهران على توجيه رسائل حذرة تعكس استمرار الشكوك تجاه النوايا الأمريكية، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن تبادل الرسائل لا يزال مستمرا، وأن التفاهم النهائي “لم ينجز بعد”، مشددا على أن إيران، بصبغتها الإسلامية، “ودعت لغة الإملاءات منذ 47 عاما”، وأنها لن تقبل بأي صيغة تفاوضية تقوم على فرض الشروط. كما نفى بقائي وجود أي نقاش حالي حول مصير مخزون اليورانيوم المخصب، معتبرا أن الحديث الأمريكي عن تفكيك البرنامج النووي لا يعكس الواقع الفعلي للمفاوضات.

Image

أما وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، فقد ربط الوصول إلى اتفاق نهائي بتخلي الولايات المتحدة عن مطالبها المبالغ فيها ووقف ما وصفه بالمواقف المتناقضة، في إشارة إلى استمرار سياسة العصا والجزرة الأمريكية. كما نقلت قناة الجزيرة عن مسؤول إيراني قوله إن فريق التفاوض الأمريكي يفتقر إلى إطار مهني وأخلاقي واضح، وإنه يغير مطالبه باستمرار، وهو ما يعقد إمكانية الوصول إلى تفاهم مستقر.

Image
Image

هذه الأجواء دفعت العديد من المحللين الإيرانيين إلى التشكيك في حقيقة النوايا الأمريكية. الكاتب والمحلل صابر كل عنبري اعتبر أن التصريحات الأمريكية الأخيرة قد تكون جزءا من خدعة سياسية واقتصادية تهدف إلى خفض أسعار النفط وتهيئة الظروف لتصعيد جديد في المنطقة إذا اقتضت الضرورة، مشيرا إلى أن نشر أجواء التفاؤل في الأسواق العالمية ساهم بالفعل في خفض أسعار النفط نسبيا، وهو ما قد يمنح واشنطن هامشا أوسع للتحرك عسكريا دون التسبب بصدمة كبرى في أسواق الطاقة العالمية.

Image

العقوبات والأموال المجمدة… جوهر الخلاف الحقيقي

رغم الحديث المتزايد عن احتمال التوصل إلى تفاهم مؤقت، فإن جوهر الأزمة بين إيران والولايات المتحدة لا يزال يتمحور حول العقوبات الاقتصادية والأموال الإيرانية المجمدة وآلية تخفيف الضغوط المالية المفروضة على طهران.

في هذا السياق، كشفت تقارير أمريكية أن أحد أبرز بنود التفاهم الجاري التفاوض بشأنه يتعلق بالإفراج التدريجي عن ست مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لدى قطر، ووفقا لما نقلته صحيفة واشنطن بوست، فإن هذه الأموال لن تحول مباشرة إلى إيران، بل ستستخدم لشراء مواد غذائية ومعدات طبية ترسل لاحقا إلى الداخل الإيراني، في محاولة لطمأنة الأطراف الأمريكية والإسرائيلية المعارضة لأي تخفيف واسع للعقوبات.

Image

كما أشارت الصحيفة إلى أن الإفراج عن هذه الأموال سيكون مشروطا بالتزام إيران بسلسلة من المعايير، من بينها ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز والمشاركة في عمليات إزالة الألغام البحرية. ووصفت مصادر أمريكية هذه المرحلة بأنها الأقرب التي وصل إليها الطرفان نحو التوصل إلى اتفاق منذ سنوات.

لكن في المقابل، واصلت واشنطن سياسة الضغط الاقتصادي، ما أظهر حجم التناقض داخل الإدارة الأمريكية نفسها. فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أن أي تخفيف للعقوبات على إيران سيتم ببطء وبشكل تدريجي، مؤكدا في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة صادرت نحو مليار دولار من الأصول الرقمية المرتبطة بإيران ضمن الحملة الاقتصادية ضدها.

Image

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية بالتزامن فرض عقوبات جديدة على أفراد وكيانات إيرانية، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة مزدوجة تعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على أدوات الضغط حتى أثناء التفاوض.

Image

هذا التناقض الأمريكي دفع مسؤولين إيرانيين إلى التشكيك في جدية واشنطن. فطهران ترى أن الولايات المتحدة تسعى للحصول على تنازلات استراتيجية مرتبطة بالبرنامج النووي والممرات البحرية دون تقديم ضمانات حقيقية بشأن رفع العقوبات أو احترام أي اتفاق مستقبلي.

ويبدو أن ملف اليورانيوم المخصب يشكل العقدة الأكبر في المفاوضات الحالية. فقد تحدثت تقارير عن مقترحات لنقل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دول مثل الصين أو روسيا أو حتى باكستان وتركيا، بينما اقترحت أطراف أخرى تخفيف نسبة التخصيب داخل إيران نفسها. غير أن طهران لم تبد حتى الآن أي موافقة واضحة على هذه الطروحات، خصوصا أنها تنظر إلى البرنامج النووي باعتباره جزءا من توازن الردع الاستراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

تداعيات إقليمية ودولية… بين هرمز ولبنان وأسواق الطاقة

لا تنفصل المفاوضات الإيرانية الأمريكية عن المشهد الإقليمي المتوتر، إذ بات واضحا أن أي تفاهم محتمل بين الطرفين يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الأمن الإقليمي، وخصوصا في مضيق هرمز ولبنان والخليج العربي. فالتطورات المرتبطة بمضيق هرمز ما تزال تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية، وقد أعلنت قطر أن التوترات الأخيرة أدت إلى تراجع حركة الملاحة في المضيق بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، مؤكدة في الوقت ذاته رفضها لأي إجراءات تمس بحرية الملاحة الدولية.

Image

كما قال نائب رئيس الوزراء القطري إن بلاده تعارض فرض رسوم دائمة على عبور المضيق، لكنها قد تقبل برسوم مؤقتة إذا ساهمت في إعادة الاستقرار إلى هذا الممر البحري الحيوي. وفي المقابل، تؤكد إيران أن أمن مضيق هرمز يجب أن يبقى تحت إشراف الدول الساحلية، أي إيران وسلطنة عمان، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تراعي المصالح الأمنية والسيادية للطرفين.

أما على الجبهة اللبنانية، فتتواصل المواجهات بين حزب الله وإسرائيل رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، فقد أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت دبابات ميركافا وقواعد عسكرية إسرائيلية باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، بينما واصل الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية على جنوب لبنان، مع تزايد الأصوات داخل إسرائيل المطالبة بإنهاء “الحرب العبثية” في لبنان.

Image

وفي الوقت نفسه، أظهرت تقارير إسرائيلية وجود مخاوف لدى تل أبيب من أن تمارس واشنطن ضغوطا عليها لوقف العمليات العسكرية إذا ما تم التوصل إلى تفاهم مع إيران، وهو ما يفسر استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية محتملة.

على المستوى الدولي، باتت الحرب والتفاوض مع إيران جزءا من صراع أوسع يشمل الصين وروسيا أيضا، فقد حذر وزير الحرب الأمريكي، بيت هيجست، من تنامي النفوذ العسكري الصيني، معتبرا أن تحركات بكين في المحيط الهادئ ومناطق أخرى تمثل تهديدا استراتيجيا للولايات المتحدة وحلفائها.

Image

كما ربطت تقارير غربية بين أزمة مضيق هرمز ومحاولات روسيا تعزيز نفوذها في الممرات البحرية القطبية، في ظل تقارب متزايد بين موسكو وبكين وطهران حول قضايا الملاحة والطاقة والعقوبات الغربية.

وفي ظل كل هذه التعقيدات، يبدو أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية تقف عند مفترق حساس؛ فهناك إدراك متبادل لدى الطرفين بأن استمرار التصعيد قد يقود إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها، لكن في المقابل ما تزال فجوة انعدام الثقة، وتضارب المصالح، وضغوط الداخل السياسي في واشنطن وطهران، تمنع الوصول إلى اتفاق شامل ومستقر.

وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا في المرحلة الحالية، حسب محللين، قد يتمثل في تفاهم مؤقت أو هدنة سياسية محدودة، تهدف إلى إدارة الأزمة وليس حلها جذريا. أما الوصول إلى تسوية نهائية تنهي عقودا من الصراع بين البلدين، فما يزال يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الحسابات الاستراتيجية المعقدة التي تحكم العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

كلمات مفتاحية: