- زاد إيران - المحرر
- 74 Views
كتب: الترجمان
تحولات دراماتيكية تشهدها أروقة صناعة القرار في إيران، حيث لم تعد الخلافات السياسية تُدار خلف الأبواب المغلقة كما جرت العادة في البيئة الأمنية الصارمة للجمهورية الإسلامية. فجأة، تحول المجلس الأعلى للأمن القومي إلى هدف مباشر لسهام النقد والهجوم العلني من قِبل الأقلية المتشددة البرلمان. هذا المشهد المستجد يعكس رغبة واضحة لدى التيار المتشدد في إعادة صياغة موازين القوى، متجاوزا الأعراف التقليدية التي طالما اعتبرت قرارات المجلس الأعلى خطا أحمر لا يقبل الجدال، لكونها تحظى بمصادقة مباشرة من المرشد الأعلى.
تتجاوز هذه المواجهة مجرد التباين العادي في وجهات النظر السياسية؛ إنها تعبر عن استراتيجية ممنهجة يقودها “الحشد الصلب” للتيار المتشدد بهدف فرض إرادته على المؤسسات السيادية. ولعل المفارقة تكمن في أن هذا الهجوم لا يرتبط بهوية الشخص الذي يدير أمانة المجلس، فالمستهدف الحقيقي هو مرجعية النهج الحاكم وصلاحياته الفوقية. يسعى المتشددون من خلال هذا التصعيد إلى تحجيم دور المجلس وتفكيك قدرته على اتخاذ قرارات براغماتية تهدئ من روع الأزمات الخارجية أو الداخلية، في محاولة لفرض رؤية أحادية الجانب ترى في المساومات السياسية أو التهدئة العسكرية ضربا من الاستسلام.
السيطرة على تدوير النفوذ: حسابات الـمنبر والانتخابات البرلمانية
ترتبط حدة الهجمات المتشددة بجدول زمني محلي بالغ الحساسية، وهو انتخابات هيئة رئاسة البرلمان. يعيش التيار المتشدد (المعروف بجبهة بايداري) حالة من الإحباط السياسي بعد فشل مخططاته الهادفة لإزاحة محمد باقر قاليباف عن كرسي الرئاسة، وتصنيفه كأحد وجوه المحافظين التقليديين. ومع التغيرات الميدانية التي عززت موقع قاليباف كشخصية تنفيذية وأمنية وازنة في توازن القوى الحاكم، وجد المتشددون في قرارات مجلس الأمن القومي ثغرة مناسبة للهجوم على إدارة البرلمان وتشويه صورتها أمام القاعدة الاجتماعية البسيطة، متخذين من الخطاب الحماسي وسيلة لإعادة التموقع الداخلي.
تُشير الوقائع الميدانية إلى أن غياب المنابر والخطابات الحية داخل قبة البرلمان يحرم هذا التيار من وقوده الانتخابي والدعائي الأساسي. ومن هنا، يصبح الإصرار على فتح صحن البرلمان، رغم التحذيرات الأمنية الصارمة، محاولة مكشوفة لاستعادة المنصة الإعلامية التي تتيح لهم مهاجمة الخصوم وتجييش الشارع. إنها معركة على النفوذ والأدوار يبحث فيها الأصوليون المتشددون عن سبل تثبيت حضورهم الرقمي والسياسي، حتى لو كان الثمن الطعن في صدقية وتماسك المؤسسات الأمنية العليا للدولة في توقيت إقليمي حرج للغاية.

تعطيل البرلمان الاحترازي: الهروب من المظلة الأمنية في زمن الحرب
أثارت الرسالة الموجهة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى هيئة رئاسة البرلمان، والتي طالبت بتعليق الجلسات العلنية تفاديا لاستهداف المقار الرسمية وحماية للشخصيات القيادية بعد تصاعد التهديدات الخارجية، موجة عارمة من التشكيك والرفض من جانب نواب جبهة بايداري والتطرف. قاد النائب حميد رسائي هذا التوجه مقتحما الصحن الفارغ ليبث فيديوهات يصف فيها القرار بـ “المشبوه”، ويدعي زورا عدم وجود مصادقة رسمية عليه، متناسيا الطابع الاستثنائي للمرحلة الراهنة ومحاولا مقارنتها بالحرب العراقية الإيرانية أو المواجهات السابقة التي اختلفت طبيعتها ووسائلها التقنية كلياً عن الحرب التركيبية الحالية.
يمثل هذا الرفض المتشنج رغبة ضمنية من المتشددين في التحرر من المظلة الأمنية الجماعية للدولة عندما تتقاطع مع مصالحهم الشخصية. إنهم يسعون إلى إظهار المجلس الأعلى للأمن القومي وكأنه أداة لـ “قمع” العمل البرلماني أو إغلاق مجلس الشعب، مستخدمين أدوات السفسطة السياسية لإيهام الرأي العام بأن هناك مؤامرة لعزل النواب. هذا السلوك يعكس قصر نظر واضح في التعامل مع معطيات الأمن القومي الجسيمة، ويقدم مصالح الدعاية الانتخابية على الحسابات اللوجستية والعسكرية التي تفرضها أجهزة الاستخبارات وحماية الشخصيات في البلاد.
عقدة الاتفاقيات الدولية: الفيتو المتشدد ضد الوكالة الذرية والدبلوماسية
لا تتوقف طموحات الجناح المتشدد عند حدود الترتيبات الداخلية، بل تمتد لتشمل فرض وصاية كاملة على ملفات السياسة الخارجية الحيوية، وعلى رأسها المفاوضات النووية والعلاقات مع الغرب والمنظمات الدولية. تجسد هذا بوضوح في الهجوم الشرس الذي شنه نواب مثل أمير حسين ثابتي على الاتفاقيات المبرمة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية (مثل اتفاق القاهرة)، والتلويح المستمر باستجواب وزير الخارجية عباس عراقجي، فضلا عن السخرية العلنية من تصريحات الدبلوماسيين المكلفين بإدارة الأزمات الدولية وإطلاق شعارات تحريضية في الشوارع ضدهم.
يريد المتشددون من وراء هذا الضغط حرمان الدولة الإيرانية من أي مرونة دبلوماسية، وفرض “فيتو” شعبوي على أي مسار تفاوضي قد يقوده المجلس الأعلى للأمن القومي بالتنسيق مع الحكومة. يدعي هؤلاء النواب أن تعليق جلسات البرلمان يستهدف منعهم من توجيه الإنذارات وإفساد مسار المفاوضات الجارية، وهو ادعاء يعكس رغبتهم في احتكار قرار الحرب والسلام، وتأزيم القنوات الدبلوماسية عبر استغلال مشاعر الشارع المحبط، متجاهلين أن السياسة الخارجية تخضع لإشراف لجان عليا مشتركة تضم كافة أركان الحاكمية ولا تنفرد بها جهة دون أخرى.

قانون الحجاب كأداة للضغط: تسييس الملفات الاجتماعية لضرب الحكومة
لم يسلم الملف الاجتماعي الحساس من توظيف المتشددين لمواجهة مجلس الأمن القومي، وتحديدا ما جرى بخصوص “قانون الحجاب”. ففي الوقت الذي رأت فيه الأجهزة السيادية العليا والدراسات الاستخباراتية ضرورة تأجيل تنفيذ القانون تفاديا لتأجيج الشارع وحفاظا على السلم الأهلي، خرج عضو في المجلس لينفي وجود قرار رسمي بالتعجيل أو التأجيل، مما أعطى الضوء الأخضر للمجموعات المتشددة للنزول إلى الشوارع وتنظيم اعتصامات حاشدة ضد رئيس الجمهورية ومجلسه التنفيذي.
يكشف هذا السلوك عن رغبة المتشددين في استخدام القضايا العقائدية والاجتماعية كأوراق ضغط سياسية لابتزاز حكومة مسعود بزشكيان والمجلس الأعلى للأمن القومي على حد سواء. بالنسبة لهؤلاء، فإن التراجع التكتيكي أو مراعاة الظروف الأمنية الداخلية يُعد “مساومة وتراجعا عن قيم الثورة”، وهم يسعون عبر هذا التحريض الصريح إلى إحراج قيادة المجلس وإظهارها بمظهر المقصر في حماية الهوية الدينية، بهدف كسب ود القواعد المتطرفة وضمان ولائها، دون أي اكتراث بالتبعات الأمنية الخطيرة التي قد تنجم عن الصدام المباشر بين قوى الأمن والمواطنين.

المعايير المزدوجة لـ “الأمن”: من قداسة حجب الإنترنت إلى تمرد الحصانة
تتجلى الانتهازية السياسية للأقلية المتشددة في البرلمان الإيراني من خلال التناقض الصارخ والمعايير المزدوجة التي تتعامل بها مع مفهوم “الأمن القومي”. فهذا التيار نفسه الذي طالما دافع باستماتة عن قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي عندما تعلقت بفرض قيود صارمة على الفضاء الافتراضي وحجب شبكة الإنترنت وقمع الاحتجاجات، معتبرا تلك القرارات واجبا شرعيا ووطنيا لا يجوز نقاشه، هو نفسه اليوم الذي يثور ويتمرّد على ذات المجلس عندما أصدر توصية لحماية أرواح النواب والمسؤولين عبر تعليق الجلسات الحضورية للبرلمان.
يؤكد هذا التضاد أن مفهوم الأمن في أدبيات المتشددين ليس أصلا وطنيا ثابتا، بل أداة نفعية ومطاطية يُعاد تشكيلها حسب المصالح الحزبية؛ فإذا كان القرار يسهم في محاصرة المجتمع المدني أو إلغاء المنافسين، فهو قرار مقدس وفصل الخطاب، أما إذا مس بامتيازاتهم الشخصية وحرمهم من الظهور التلفزيوني المباشر في البرلمان، فإنه يتحول فجأة إلى “إجراء غير قانوني يفتقر للمشروعية”. هذا السلوك يفقدهم المصداقية أمام الرأي العام ويوضح أن دغدغة مشاعر الجماهير هي الهدف الأساسي، وليس الصالح العام للدولة.
استراتيجية “تخريب خنادق النظام”: من فتح السناجر إلى تفكيك المرجعيات
يرى مراقبو الشؤون الإيرانية والسياسية في طهران، مثل سعيد آجورلو، أن الهجمات المركزة الحالية ضد المجلس الأعلى للأمن القومي تمثل تحولا خطيرا في استراتيجية المتشددين؛ فبينما كانت التيارات السياسية في أواخر التسعينيات تسعى وراء فكرة “فتح خندق تلو الآخر” للاستحواذ على السلطة من داخل البنية القانونية، يعتمد المتشددون اليوم استراتيجية “تخريب الخنادق” وتفكيك المؤسسات المرجعية التي تحظى بثقة النظام وحاضنته الشعبية. لقد طالت هجماتهم سابقاً مؤسسات عسكرية ومكاتب سيادية، والآن يقع المجلس الأعلى للأمن القومي تحت مقصلة هذا التدمير الممنهج.
تستهدف هذه الاستراتيجية قطع قنوات الاتصال الطبيعية والمؤسسية بين رأس الحاكمية والقاعدة الاجتماعية، بهدف إحلال جماعات الضغط الصغيرة والمتطرفة محل المؤسسات الرسمية للدولة. يريد المتشددون خلق حالة من الشلل السياسي عبر الترويج لأكاذيب تفيد بأن المجلس ينفرد بالقرارات ويسلب صلاحيات القيادة العليا أو يتماهى بالكامل مع توجهات الحكومة الإصلاحية والمعتدلة. إن محاولات شيطنة المجلس الأعلى والتشكيك في نزاهة أمينه العام وأعضائه العسكريين والسياسيين تعكس رغبة عارمة في صناعة مرجعية موازية ومجتزأة تتغذى على الأزمات المستمرة وترفض أي مظهر من مظاهر الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية التي يحرص المجلس على صيانتها.
صراع الوجود وفرض الوصاية
يُظهر هذا التصعيد الممنهج من قِبل التيار المتشدد أن “معركة الكراسي وكسر العظام” ليست مجرد خلاف عابر على الصلاحيات، بل هي محاولة انقلابية ناعمة على قواعد اللعبة السياسية والأمنية المستقرة داخل النظام الإيراني؛ إذ يسعى هذا الجناح إلى تفكيك مرجعية المجلس الأعلى للأمن القومي وتحجيم مرونته البراغماتية لصالح أجندات انتخابية وشعبوية ضيقة.
ومن خلال توظيف الملفات الحساسة كالاتفاقيات الدولية وقانون الحجاب، وممارسة سياسة المعايير المزدوجة تجاه مفهوم الأمن، يغامر المتشددون بخلخلة التماسك الداخلي للدولة وتخريب مؤسساتها السيادية في توقيت إقليمي حرج، رغبة منهم في فرض وصاية أحادية ترفض التهدئة وتقتات على صناعة الأزمات المستمرة، حتى لو كان الثمن إضعاف قدرة النظام على المناورة وحماية أمنه القومي الجسيم.

