صيدليات إيران تُعرض في «سوق المزاد».. عندما يبيع الصيادلة عقاراتهم وذهب زوجاتهم لإنقاذ المرضى

كتب: الترجمان

تواجه الصيدليات الخاصة في إيران أزمة نقدية حادة وغير مسبوقة، صُنفت بأنها دخلت «مرحلة طارئة» باتت تهدد بقاء هذه المراكز الطبية واستمرارها في تقديم خدماتها الحيوية للمواطنين. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تعمل الصيدليات كمنشآت اقتصادية وطبية مستقرة، تحولت اليوم إلى كيانات مستنزفة ماليًا بسبب غياب السيولة وتراكم الديون الحكومية. 

هذا الواقع المرير لم يعد يهدد الأرباح أو القدرة التنافسية لفئة الصيادلة فحسب، بل تحول إلى معركة يومية يخوضها أصحاب الصيدليات بهدف الحفاظ على أبواب منشآتهم مفتوحة أمام المرضى، وتفادي الدخول في “القائمة السوداء” لشركات توزيع الأدوية التي باتت تفرض شروطًا نقدية قاسية لبيع منتجاتها وعقاقيرها.

الملاذ الأخير: بيع المنازل والذهب لتسديد الشيكات

لم يعد صمود الصيدليات الخاصة في إيران قائما على الدعم الحكومي أو على التسهيلات البنكية، بل أصبح معتمدا بشكل كامل على التضحيات المالية الشخصية لأصحابها. وفي هذا السياق، كشف مسؤولون برلمانيون وممثلون عن قطاع الصيدلة أن العديد من الصيادلة اضطروا، مرغمين، إلى بيع أصولهم وعقاراتهم ومنازلهم الشخصية، بل وحتى المصاغ الذهبي الخاص بعائلاتهم، من أجل توفير السيولة العاجلة لتسديد الشيكات المستحقة لشركات توزيع الدواء. 

ويأتي هذا السلوك الاضطراري مدفوعا بخوف الصيادلة من تسييل شيكاتهم بدون رصيد، مما يعني حرمانهم التلقائي من الحصول على طلبيات دواء جديدة ودخولهم في دوامة الملاحقات القضائية، وهو ما دفع قطاع الصيدلة إلى حافة استنزاف المدخرات الشخصية التي لا يمكن أن تستمر كحل مستدام للأزمة.

Image

الأرقام الصادمة: 360 تريليون ريال ديون معلقة في ذمة التأمين

تتجلى الجذور العميقة لهذه الأزمة المالية في التقرير الإحصائي الصادم الذي نشرته نقابة الصيادلة الإيرانيين، والذي يوضح حجم المبالغ الضخمة المحتجزة لدى منظومة التأمين الاجتماعي وصندوق استهداف الدعم الحكومي. ووفقًا للبيانات الرسمية المقسمة بدقة، فإن إجمالي الديون المعلقة المستحقة للصيدليات الخاصة المتنقلة قد بلغ قرابة 360 تريليون ريال.

وينقسم هذا العجز الهائل إلى شقين؛ الأول يخص حصة دعم العملة المخصصة للأدوية بينما يمثل الشق الثاني حصة منظمات التأمين الأساسية (مثل التأمين الاجتماعي، وسلامت إيران، والقوات المسلحة) مما يعكس عمق الفجوة التمويلية التي بات يتحملها القطاع الخاص بمفرده.

مشروع “دارويار”: أحلام الإصلاح التي تحولت إلى عبء

كان الهدف الأساسي من إطلاق المشروع الوطني المعروف باسم “دارويار” هو إعادة توجيه الدعم المالي الحكومي للأدوية من المستوردين والمصنعين إلى المستهلك النهائي عبر مظلة التأمين الصحي، وضمان عدم تأثر المواطن بارتفاع أسعار الدواء. 

لكن الواقع التنفيذي للمشروع جاء مخيبا لآمال القطاع الصيدلاني؛ حيث عجزت الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المالية وتأخرت في تحويل ميزانيات الدعم المخصصة للمشروع ولخطة استهداف الدعم. 

هذا التعثر التنظيمي حول المشروع من أداة لحماية الأمن الدوائي إلى عبء مالي ثقيل قيد حركة الصيدليات، وجعلها شريكة في تحمل الفاتورة نيابة عن الصناديق الحكومية المفلسة التي تعاني من الروتين والبيروقراطية.

Image

شركات التوزيع والشروط النقدية: تضييق الخناق على الصيدلي

تأثرت شركات إنتاج وتوزيع الأدوية بدورها من هذه الحلقة المالية المفرغة، حيث تسبب غياب السيولة في إحجام نصف الشركات تقريبًا عن سحب الحصص الدولارية المخصصة للاستيراد والإنتاج؛ إذ من أصل 570مليون دولار مخصصة للقطاع الدوائي، تقدمت شركات محدودة للاستفادة منها لعدم امتلاكها النقد الكافي.

وكنتيجة مباشرة لهذا العجز، غيرت شركات التوزيع سياستها التجارية مع الصيدليات، حيث ألغت أنظمة البيع الآجل أو التسهيلات الائتمانية، وباتت تطالب بدفع قيمة الشحنات نقدا وفورا. هذا الإجراء القاسي وضع الصيدليات بين فكي كماشة: تأخر طويل الأجل في تحصيل مستحقاتها من التأمين يمتد لشهور، وضغط فوري من الشركات لدفع قيمة الأدوية نقدا.

المناطق الحدودية والنائية: “تربت جام” كنموذج للمأساة

لا تظهر آثار الأزمة بشكل متساوٍ في جميع أنحاء البلاد، بل تبدو أكثر قسوة وإيلاما في المناطق الحدودية والأقل حرمانا، مثل مدينة “تربت جام”. فقد أدى تجميد أموال الصيادلة لأكثر من عشرة أشهر من قبل هيئات التأمين في هذه المنطقة إلى تآكل كامل وبنية متداعية لسلسلة توريد الأدوية. 

وفي ظل هذه الظروف، يجد صيادلة المناطق النائية أنفسهم أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية مضاعفة، تمنعهم من إغلاق صيدلياتهم بسبب الفقر أو البُعد الجغرافي للمرضى عن مراكز المحافظات الكبرى، مما يجبرهم على استهلاك كل ما يملكون من سيولة مدخرة لإبقاء الدواء متاحا محليا.

Image

تحذيرات برلمانية: انهيار وشيك للجودة وإغلاق جماعي

أطلق أعضاء في لجنة الصحة والعلاج البرلمانية تحذيرات شديدة اللهجة من استمرار هذا الوضع المالي المتردي، واصفين الدورة المالية الحالية بأنها “منظومة معيبة ومقعدة” للإنتاج والتأمين. 

وأكد البرلمانيون أن تضحيات القطاع الخاص من خلال بيع العقارات والمصاغ الذهبي ليست عملية قابلة للاستمرار أو التكرار على المدى الطويل، وأن الطاقة المالية للصيادلة قاربت على النفاد التام. 

وحذرت اللجنة من أن تداعي هذا الوضع سيؤدي حتما إلى هبوط حاد في جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، وسينتهي بإغلاق جماعي وقسري للعديد من المراكز الطبية والصيدليات الخاصة، مما ينقل الأزمة من قطاع المال إلى قطاع الأمن الصحي العام.

غياب الرقابة الحكومية على شركات التوزيع والإنتاج

تشير أصوات من داخل معاونيات الغذاء والدواء إلى وجود خلل رقابي واضح من قبل منظمة الغذاء والدواء الإيرانية؛ إذ يرى مراقبون أن الجهات الحكومية التي تمنح رخص التشغيل لشركات التوزيع الكبرى، تملك الصلاحية القانونية لإجبار هذه الشركات على مراعاة المصلحة العامة في أوقات الأزمات. 

ومع ذلك، تُركت الصيدليات وحدها لمواجهة الشروط النقدية التعجيزية للشركات دون تدخل حكومي يحمي الصيدلي أو يفرض معادلة متوازنة لتوزيع الأعباء المالية، مما يعكس غياب التنسيق بين السياسات الحمائية للمواطن والسياسات التجارية للشركات الكبرى.

وفي محاولة للالتفاف على العجز المالي الخانق وضمان وصول الدواء إلى يد المريض، لجأت بعض المديريات الطبية والمستشفيات الحكومية والصيدليات الخاصة إلى نظام تكافلي مرن يعتمد على تبادل المخزون الدوائي. 

وفي حالات العجز، عندما تعجز المستشفيات الحكومية عن تأمين دواء معين بسبب البيروقراطية، يتم تحويل المريض إلى الصيدليات الخاصة التي أمنته من حر مال أصحابها، والعكس صحيح؛ حيث تتدخل المستشفيات الحكومية لإقراض الصيدليات الخاصة المتعثرة ماليا بعض الشحنات الدوائية الطارئة. ورغم نجاح هذا النظام المؤقت في منع اختفاء الأدوية الحيوية حتى الآن، إلا أنه يظل مناورة قصيرة الأجل لا تعوض غياب الاستقرار المالي المستدام.

Image

صرخة الإنذار الأخيرة: حتمية الإنقاذ السيادي للأمن الصحي

في نهاية المطاف، يجب على صُناع القرار في إيران إدراك أن الدواء ليس سلعة استهلاكية عادية يمكن إخضاعها لتقلبات السوق العشوائية وتأجيل دفع مستحقاتها، بل هو عصب الأمن الاجتماعي واستقرار حياة المواطنين. إن المشهد السريالي الحالي، الذي يتحول فيه الصيدلي من مقدم خدمة طبية مؤهل إلى راهنٍ لأملاكه وعقاراته ومضحٍّ بمصاغ عائلته لضمان استمرار تدفق الأدوية، يمثل صرخة إنذار أخيرة وصارخة؛ فالتضحيات الشخصية، مهما بلغت آفاقها الإنسانية والأخلاقية، تظل حلولا مؤقتة وقاصرة عن سد فجوات منظومة اقتصادية متهالكة قيدتها بيروقراطية مشروع ولا يمكن لهذه المدخرات الشخصية بأي حال من الأحوال أن تشكل بديلا مستداما لسياسات الدولة أو خط دفاع دائم يحمي القطاع الصحي من الانهيار.

أمام هذا الواقع المرير، ومؤشرات العجز الخانق التي دفعت بنصف شركات الإنتاج والتوزيع إلى الإحجام عن سحب حصصها الدولارية وتضييق الخناق بالشروط النقدية الفورية، لا سيما في المناطق الحدودية والنائية يصبح التدخل السيادي العاجل ضرورة حتمية لا تحتمل المماطلة أو المسكنات الروتينية. إن إنقاذ هذا القطاع يتطلب خطوة فورية وحاسمة من منظمة البرنامج والموازنة والبنك المركزي لتسديد مبلغ الـ 360 تريليون ريال المستحقة، وضخ السيولة فوراً في عروق الصيدليات الخاصة؛ لتفادي سيناريو مظلم يصحو فيه المجتمع على إغلاق جماعي وقسري لخط الدفاع الصحي الأول في البلاد، ليدفع المواطن الإيراني البسيط من صحته وحياته الثمن الأغلى لسقوط آخر حصون الرعاية الطبية.

كلمات مفتاحية: