- زاد إيران - المحرر
- 13 Views
كتب: الترجمان
في لحظة سياسية فارقة تتسم بذروة المواجهة البحرية بين طهران وواشنطن، فجرت صحيفة “كيهان” الإيرانية مفاجأة من العيار الثقيل بفتحها النار على الأداء الإعلامي والمواقف الأخيرة للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري. هذا النقد لم يكن مجرد وجهة نظر عابرة، بل كشف عن عمق التباين في الرؤى داخل “جبهة المقاومة” حول كيفية إدارة أهم شريان طاقة في العالم.
وبينما كانت القوات البحرية تحاول تقديم صورة “القوة المسيطرة والمسؤولة”، رأت “كيهان” في تلك التحركات “فخا” قد يؤدي إلى تبديد المنجزات الميدانية وتقديم تنازلات مجانية للعدو في وقت لا يزال فيه الحصار التجاري الأمريكي يطبق خناقه على البلاد.
التناقض القاتل.. لماذا اعتبرت “كيهان” بيانات البحرية “امتيازا مجانيا”؟
تتمحور نقطة الارتكاز في نقد “كيهان” حول البيان الصادر عن القوات البحرية للحرس الثوري، والذي أعلن فيه أن السفن يمكنها العبور بأمان من مضيق هرمز مع استعداد القوات لتأمين احتياجاتها من الوقود. بالنسبة للصحيفة، كان هذا الموقف “سقطة استراتيجية” لا تغتفر.
ففي الوقت الذي يهدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتشديد الحصار الملاحي ويصنف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، جاء بيان البحرية ليعطي انطباعا بالمرونة الزائدة.
ترى “كيهان” أن هذا الخطاب “الوحدوي” والمهادن يبعث برسائل خاطئة للدوائر الاستخباراتية في واشنطن، مفادها أن إيران مستعدة لضمان تدفق النفط العالمي حتى وهي محرومة من تصدير نفطها، وهو ما اعتبرته الصحيفة “نشاطا دعائيا يخدم استقرار السوق الذي يريده العدو” أكثر مما يخدم مصالح الأمن القومي الإيراني.

فخ التوقيت.. غياب الانسجام في ذروة “المسرحية الأمريكية”
يرى الكاتب سعد الله زارعي في مقالته بصحيفة “كيهان” أن توقيت بيان البحرية كان “كارثيا” من الناحية التكتيكية. فقد جاء البيان مباشرة بعد ما وصفته الصحيفة بفشل “المسرحية العسكرية الأمريكية” وتراجع القطع البحرية التابعة لـ (سنتكام) بعد تلقيها ضربات موجعة. وهنا تطرح الصحيفة سؤالا استنكاريا حادا: “لماذا نعلن عن فتح المضيق وتأمين الوقود بينما لم يكسر العدو محاصرته لنا؟”.
إن نقد “كيهان” يذهب إلى أبعد من مجرد كلمات؛ إنه يتهم القوات البحرية بتبني “رد فعل إيجابي” في لحظة كانت تتطلب “هجوما سياسيا وقانونيا”. هذا الخلل في الانسجام بين ما يتحقق في الميدان من صمود وما يصدر عن المكاتب الإعلامية من بيانات، تراه الصحيفة “آفة” تهدد ركائز القوة الإيرانية وتجعل الانتصارات العسكرية تبدو وكأنها تنازلات دبلوماسية قسرية.

التراخي في تثبيت “النظام القانوني الجديد” لمضيق هرمز
لا يتوقف نقد “كيهان” عند البيانات الصحفية، بل يمتد ليشمل “البطء التشريعي والقانوني” في إدارة المضيق. تنتقد الصحيفة ما تسميه “التسويف” تحت ذريعة إعداد “قانون شامل وجامع”. وترى أن هذا التأخير يمنح الخصوم فرصة لتدويل الأزمة وتحويل مضيق هرمز إلى بند دائم على أجندة مجلس الأمن الدولي. بالنسبة لـ “كيهان”، كان على القوات البحرية والجهات المعنية إعلان “قواعد إدارة جديدة” فوراً وبشكل حاسم لوضع العالم أمام “أمر واقع قانوني”.
هذا الانتقاد يوجه سهام الملامة للقوات البحرية لكونها لم تضغط باتجاه استصدار “قانون المادة الواحدة” من مجلس الشورى، والذي كان سيمنح تحركاتها في المضيق غطاء قانونيا سياديا بدلا من الاعتماد على التحركات التكتيكية التي يمكن للعدو تفسيرها خارج سياق السيادة الوطنية.
مواجهة “وهم الرد المحدود” ومراجعة العقيدة العسكرية
تتبنى “كيهان” رؤية نقدية جذرية تجاه استراتيجية “الرد المتناسب” التي يبدو أن القوات البحرية تلتزم بها. الصحيفة تجادل بأن أمريكا تعتمد “نمط سلوكي” يقوم على تنفيذ ضربات صغيرة ومتكررة (مثل استهداف ناقلات النفط) لاعتقادها بأن إيران “لا تريد الحرب الكبرى”. وهنا تنقد “كيهان” ضمنياً اكتفاء القوات البحرية بردود فعل محدودة، داعية إلى ضرورة تغيير “النمط الردعي”.
ترى الصحيفة أن استمرار البحرية في إرسال رسائل طمأنة للسفن الدولية يعزز من جرأة واشنطن على مواصلة “حربها المحدودة”. النقد هنا يوجه للقيادات العسكرية بضرورة الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “تغيير قواعد اللعبة”، بحيث يدرك العدو أن أي تحرش صغير سيقابله رد واسع وشامل، وهو ما يتناقض تماماً مع نبرة “الاستعداد لتأمين الوقود” التي ظهرت في بيانات البحرية الأخيرة.

مضيق هرمز كـ “قنبلة موقوتة” إيرانية وضياع الفرصة الاستراتيجية
في مقارنة مثيرة، صرح محمد مخبر، مستشار المرشد الأعلى، واصفا المضيق بأنه “بمثابة قنبلة ذرية” من حيث القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، تنتقد “كيهان” القوات البحرية لعدم استخدام هذا “السلاح الفائق” بالسرعة والقوة المطلوبتين. ترى الصحيفة أن القوات البحرية، ببياناتها “المرنة”، قد أضاعت فرصة فرض “شروط إيرانية” على الملاحة الدولية في لحظة ضعف أمريكية مشهودة.
النقد يتلخص في أن الحرس الثوري يمتلك “المفتاح” ولكنه يرفض استخدامه للضغط الحقيقي، مفضلاً بدلاً من ذلك تقديم نفسه كـ “شرطي مسؤول” في الممر المائي، وهو ما تعتبره الصحيفة “إدارة غير مثمرة” لأقوى الأوراق التي تمتلكها إيران في صراعها مع القوى العظمى.
مأزق “الإدارة المزدوجة” وتأثيرها على الأمن القومي
يصل نقد “كيهان” إلى ذروته بالتحذير من أن “التأخير في إعلان الموقف القانوني الموحد” يلحق خسائر فادحة بالبلاد. الصحيفة ترى أن وجود لغتين داخل المؤسسة العسكرية (لغة التهديد الصاروخي ولغة الترحيب بالسفن وتزويدها بالوقود) يخلق حالة من “الارتباك الاستراتيجي”. هذا الارتباك، بحسب الصحيفة، هو ما يسمح لترامب وفريقه السياسي بالادعاء بأن ضغوطهم بدأت تؤتي ثمارها.
إن “كيهان” تضع القوات البحرية أمام مسؤوليتها التاريخية، مطالبة إياها بالكف عن اتخاذ مواقف يمكن أن تُفهم كـ “تنازلات أحادية الجانب”، والتركيز بدلا من ذلك على تثبيت “نظام إدارة هرمز الجديد” الذي يجعل من عبور أي سفينة اعترافاً ضمنياً بسيادة إيران المطلقة وفشل سياسة العقوبات الأمريكية.

آفاق المستقبل.. هل تصحح البحرية مسار خطابها الإعلامي؟
بناء على هذا التحليل المعمق لخلفيات الصراع والسجال الداخلي المحتدم، يمكن القول إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي أو نقطة جيوسياسية على الخريطة، بل تحول إلى اختبار إرادة وطني يضع التناغم بين الميدان العسكري والخطاب السياسي على المحك.
إن النقد الذي وجهته صحيفة “كيهان” للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري يعكس في جوهره قلقاً وجودياً من تحويل “أوراق القوة” إلى “أدوات تفاوضية” قبل أوانها؛ فالصحيفة ترى أن أي ليونة في الخطاب أو مبادرة لتأمين الوقود للسفن العابرة في ظل الحصار، هي بمثابة منح صمام أمان مجاني لنظام عالمي يسعى لخنق إيران اقتصاديا.
هذا الانقسام في الرؤى يطرح تساؤلا جوهريا حول مستقبل استراتيجية “الردع الذكي”: هل تنجح إيران في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الظهور كقوة مسؤولة تضمن أمن الملاحة الدولية، وبين كونها قوة متمردة على القواعد التي تفرضها واشنطن؟
المرحلة القادمة تتطلب صياغة “رؤية موحدة” تتجاوز العتبات العسكرية لتصل إلى أروقة التشريع والقانون الدولي، حيث لا يكفي التلويح بالصواريخ والزوارق السريعة إذا لم تكن مدعومة بمنظومة قانونية صلبة تفرضها طهران كأمر واقع، وتجبر العالم على الاعتراف بأن أمن المضيق ليس خدمة مجانية، بل هو انعكاس للاحترام المتبادل للسيادة الإيرانية.
فإذا استمرت الفجوة بين الفعل العسكري الصارم والخطاب الإعلامي “المرن”، فإن ذلك قد يغري الخصوم بمواصلة سياسة “العمليات المحدودة” والمناورات الاستفزازية، ظنا منهم أن طهران لم تحسم قرارها بعد في استخدام “خيارها النووي” الجيوسياسي.
لذا، فإن استيعاب دروس هذا السجال الداخلي يفرض على القوات البحرية ومراكز القرار السياسي الانتقال من مرحلة “إدارة التوتر” إلى مرحلة “فرض القواعد”، لتظل مياه هرمز هادئة فقط لأولئك الذين يحترمون المصالح الوطنية الإيرانية، وعاصفة مدمرة لكل من يحاول تحويل هذا الممر السيادي إلى منصة لتضييق الخناق على الشعب الإيراني.

