زيارة عراقجي إلى الصين… دبلوماسية على حافة التصعيد بين هرمز وواشنطن

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية، تتحرك العواصم الكبرى لإعادة ترتيب أوراقها وسط مشهد يتغير بسرعة. وبين تصاعد الضغوط الدولية وتبدل موازين النفوذ، تبدو التحركات الدبلوماسية الحالية جزءا من سباق مفتوح لمنع انزلاق المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطرابا. وفي خضم هذا المشهد، تتزايد أهمية الاتصالات السياسية رفيعة المستوى، باعتبارها مؤشرا على حجم التحولات الجارية خلف الكواليس، وعلى محاولات القوى الإقليمية والدولية تثبيت مواقعها في معادلة جديدة تتشكل ملامحها تدريجيا، في ظل توازنات دقيقة ومصالح متشابكة تتجاوز حدود المنطقة نحو التأثير في النظام الدولي بأكمله.

زيارة في توقيت استثنائي… لماذا توجه عراقجي إلى بكين الآن؟

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين، الأربعاء 6 مايو/ آيار 2026، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في المشهد الإقليمي والدولي، إذ تزامنت مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، واستمرار الضغوط الأمريكية على طهران، واقتراب الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. هذه المعطيات مجتمعة جعلت من الزيارة حدثا يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي بين طهران وبكين، ليتحول إلى محطة سياسية ذات أبعاد إقليمية ودولية معقدة.

جديرا بالذكر أنه ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير/ شباط 2026، وما تبعها من اضطرابات في حركة الملاحة والطاقة، برزت الصين باعتبارها لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تهدئة أو تسوية. فبكين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وجدت نفسها معنية بصورة مباشرة بالتطورات في هرمز، خاصة مع تأثير الأزمة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الصين باعتبارها الشريك الاقتصادي والسياسي الأكثر أهمية في مواجهة العقوبات الأمريكية والعزلة الغربية.

Image

ولذلك، جاءت زيارة عراقجي إلى بكين في توقيت شديد الحساسية، حيث تشير التحليلات أن إيران، وقبل أيام من وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، أرادت أن تضمن بقاء مصالحها حاضرة على طاولة النقاش بين القوتين الكبريين، وأن تتأكد من أن بكين لن تقدم تنازلات لواشنطن على حسابها. وقد أشارت تحليلات عديدة أخرى، من بينها ما طرحه الأكاديمي والمستشار الأمريكي الإيراني الأصل ولي نصر، إلى أن القيادة الإيرانية تخشى أن تستغل واشنطن زيارة ترامب لبكين لترويج رواية مفادها أن الصين تدعم خطوات أمريكية جديدة ضد إيران، بما قد ينعكس سلبا على العلاقات الإيرانية الصينية.

وفي السياق ذاته، رأت وسائل إعلام دولية مثل وول ستريت جورنال وبلومبرج والغارديان أن الزيارة تمثل محاولة إيرانية استباقية لتنسيق المواقف مع الصين قبل القمة الصينية الأمريكية، خاصة في ظل الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على بكين لدفعها إلى الضغط على إيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز. كما أن الزيارة حملت رسالة واضحة بأن طهران ما زالت تمتلك قنوات دبلوماسية فاعلة مع القوى الكبرى، رغم التوترات المتصاعدة.

Image

هذا فيما تحمل الزيارة أيضا بعدا دبلوماسيا داخليا بالنسبة للحكومة الإيرانية، التي تحاول التأكيد على أنها لا تزال تتحرك سياسيا ودبلوماسيا بالتوازي مع التصعيد العسكري والأمني في المنطقة، وقد شددت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني على أن زيارة عراقجي تأتي في إطار السعي إلى سلام مشرف ومستدام” مؤكدة أن وزارة الخارجية تواصل مشاوراتها مع مختلف الدول بهدف خفض التوترات والحفاظ على الاستقرار.

Image

ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتحدث وسائل الإعلام الإيرانية بكثافة عن الدبلوماسية النشطة بالتزامن مع الزيارة، إذ تسعى طهران إلى تقديم نفسها كطرف منفتح على التفاوض، لكنها في الوقت ذاته متمسك بما تصفه بحقوقه السيادية ومصالحه الاستراتيجية. ومن هنا، فإن زيارة عراقجي لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل محاولة لترتيب التوازنات السياسية قبل مرحلة تبدو شديدة الحساسية في علاقة إيران بكل من واشنطن وبكين.

ماذا أرادت إيران من الصين؟ … بين الوساطة والدعم السياسي والاقتصادي

كشفت التصريحات الرسمية الإيرانية والتغطيات الإعلامية الدولية أن طهران دخلت اجتماعات بكين وهي تحمل مجموعة من الأهداف الواضحة، بعضها يتعلق بالأزمة الراهنة في الخليج، وبعضها الآخر يرتبط بمستقبل العلاقة الاستراتيجية مع الصين. ويمكن القول إن إيران كانت تسعى خلال زيارة عراقجي إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، تثبيت الدعم السياسي الصيني، وضمان استمرار الشراكة الاقتصادية، وفتح الباب أمام دور صيني أكبر في الوساطة الإقليمية.

وخلال لقائه مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، حرص عراقجي على التأكيد أن الصين صديق قريب لإيران، وأن التعاون بين البلدين سيصبح أقوى في الظروف الحالية، كما شدد على أن إيران لن تقبل سوى اتفاق عادل وشامل مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى المفاوضات الجارية بشكل غير مباشر لإنهاء الحرب والتوترات الإقليمية.

وفي المقابل، أظهرت بكين حرصا واضحا على التوازن بين دعم إيران والحفاظ على مصالحها الأوسع مع الولايات المتحدة ودول الخليج. فقد دعت الصين إلى وقف إطلاق نار شامل وإلى إعادة فتح مضيق هرمز سريعا، مؤكدة أن استمرار التصعيد أمر غير مقبول. وهذا الموقف يعكس طبيعة السياسة الصينية القائمة على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع جميع الأطراف.

Image

لكن بالنسبة لطهران، لم يكن الموقف السياسي وحده كافيا. فإيران تعتمد بصورة كبيرة على الصين اقتصاديا، خصوصا بعد سنوات من العقوبات الأمريكية. وتستورد بكين الجزء الأكبر من النفط الإيراني، كما تمثل الشريك التجاري الأول لطهران في مجالات متعددة تشمل الطاقة والبنية التحتية والتعاون المالي. ولهذا، فإن أحد أهم أهداف الزيارة كان الحصول على ضمانات باستمرار هذا الدعم، وعدم رضوخ الشركات الصينية للضغوط والعقوبات الأمريكية.

وقد ازدادت أهمية هذا الملف بعد العقوبات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت شركات صينية متهمة بشراء النفط الإيراني. وردت بكين على تلك العقوبات بإبلاغ شركاتها بعدم الالتزام بها، وهو ما اعتبرته طهران مؤشرا إيجابيا على تمسك الصين بالعلاقة الاستراتيجية بين البلدين. كما تسعى إيران إلى تعزيز تعاونها مع الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار.

وفي الوقت ذاته، بدت إيران مهتمة بإعطاء الصين دورا أكبر في جهود الوساطة. فقد تحدث محللون صينيون ودوليون عن احتمال أن تلعب بكين دور الوسيط بين طهران وواشنطن، خاصة في ظل تعثر الجهود السابقة التي قادتها باكستان. ويرى مراقبون أن الصين تمتلك أوراقا مهمة تؤهلها لهذا الدور، نظرا لعلاقاتها الجيدة مع إيران، وفي الوقت نفسه قنوات الاتصال المفتوحة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

Image

كما أن طهران تدرك أن الصين أصبحت لاعبا أكثر حضورا في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد نجاحها في رعاية استئناف العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية عام 2023. ولذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على أن بكين قادرة على لعب دور في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، أو على الأقل تخفيف الضغوط الأمريكية.

وفي هذا الإطار، حملت تصريحات عراقجي بعد الزيارة رسائل واضحة، إذ قال إن إيران “تثق بالصين”، وتأمل أن تواصل لعب دور فعال في إحلال السلام وإنهاء الصراع، إضافة إلى دعم إطار جديد لمرحلة ما بعد الحرب يحقق التوازن بين الأمن والتنمية. وهي تصريحات تعكس إدراكا إيرانيا بأن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم للتوازنات الإقليمية، وأن بكين ستكون أحد اللاعبين الأساسيين في هذه العملية.

الصين بين إيران وأمريكا… هل تتحول بكين إلى لاعب حاسم في أزمة هرمز؟

تكشف زيارة عراقجي إلى بكين عن التحول المتزايد في موقع الصين داخل معادلات الشرق الأوسط، إذ لم تعد بكين مجرد شريك اقتصادي لدول المنطقة، بل باتت تطرح أيضا كقوة سياسية قادرة على التأثير في مسارات الأزمات الكبرى. وفي أزمة هرمز تحديدا، تبدو الصين أمام اختبار حساس يتعلق بقدرتها على التوفيق بين مصالحها الاقتصادية، وعلاقاتها بإيران، ورغبتها في تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

فالصين تنظر إلى استقرار الخليج باعتباره قضية أمن قومي اقتصادي. فالمضيق يمثل شريانا أساسيا لواردات الطاقة الصينية، وأي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصيني والأسواق الآسيوية. ولهذا السبب، دعت بكين بشكل متكرر إلى إعادة فتح المضيق وإنهاء الأعمال العدائية، كما أبدت انزعاجا متزايدا من استمرار التوترات.

Image

وفي المقابل، لا ترغب الصين في خسارة إيران، التي تمثل بالنسبة لها أكثر من مجرد مورد للطاقة. فطهران تعد أيضا شريكا جيوسياسيا مهما في مواجهة النفوذ الأمريكي، كما تلعب دورا في دعم مساعي بكين إلى تعزيز استخدام اليوان الصيني في التجارة الدولية وتقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي. ولذلك، تحاول الصين الحفاظ على سياسة دقيقة تقوم على دعم إيران سياسيا، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

هذا التوازن بدا واضحا خلال الزيارة. فمن جهة، أدانت الصين الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ورفضت العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية. ومن جهة أخرى، دعت طهران إلى إعادة فتح المضيق واستئناف المفاوضات، في رسالة تعكس رغبة بكين في احتواء التصعيد وليس تشجيعه.

ويبدو أن الولايات المتحدة تدرك أيضا أهمية الدور الصيني. فقد دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت الصين علنا إلى الضغط على إيران لتخفيف التوترات في هرمز. كما حاولت واشنطن دفع بكين إلى المشاركة في عمليات تأمين الملاحة البحرية، إلا أن الصين تجنبت الانخراط العسكري المباشر.

Image

وفي ظل هذا المشهد، تبدو بكين وكأنها تحاول تقديم نفسها باعتبارها “القوة العاقلة” القادرة على التواصل مع جميع الأطراف. وهذا ما يمنحها فرصة لتعزيز نفوذها السياسي عالميا، خاصة إذا نجحت في لعب دور مؤثر في تخفيف التوتر أو التوصل إلى تفاهمات جديدة بين إيران والولايات المتحدة.

لكن المهمة الصينية ليست سهلة. فالأزمة الحالية تتداخل فيها ملفات عديدة، من البرنامج النووي الإيراني، إلى الملاحة في هرمز، مرورا بالصراع الأمريكي الصيني نفسه. كما أن مستوى انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة لا يزال مرتفعا للغاية، وهو ما يجعل أي جهود دبلوماسية معرضة للانهيار في أي لحظة.

ورغم ذلك، يرى كثير من المحللين أن زيارة عراقجي إلى الصين تمثل مؤشرا على أن طهران تراهن بصورة متزايدة على الشرق، وعلى بكين تحديدا، في إدارة صراعها مع الغرب. كما تكشف الزيارة عن إدراك إيراني بأن المرحلة المقبلة لن تحسم فقط في الميدان العسكري، بل أيضا في العواصم الكبرى، وعلى رأسها بكين، التي قد تتحول خلال الفترة المقبلة إلى لاعب رئيسي في رسم ملامح التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط.