خبير إيراني: أزمة المياه في طهران خرجت عن السيطرة وتتطلب مراجعة جذرية للسياسات

أجرى موقع “تجارت نيوز” الإيراني، الخميس 17 يوليو/تموز 2025، حوارا مع خبير شؤون الطاقة، محمد إبراهيم رئيسي، تناول فيه أبعاد أزمة المياه المتفاقمة في طهران، على خلفية تعطل سد ماملو وتراجع منسوب المياه في السدود الرئيسية، في أزمة تجاوزت حدود العاصمة، وباتت تهدد الاستقرار المائي في البلاد بأكملها.

أزمة المياه

قال رئيسي، خبير شؤون الطاقة، بشأن أزمة المياه في طهران وتعطّل سد ماملو، إن مستوى خطورة الأزمة، وما تحمله من تحذيرات وتداعيات محتملة على محافظة طهران بل وعلى إيران بأكملها، بلغ درجة من الجدية دفعت وزير الطاقة إلى التطرّق إليها.

وأضاف أن السدود الأربعة التي يجري الحديث عنها تغطي بشكل تقريبي سكان العاصمة الكبرى طهران الذين يُقدّر عددهم بنحو 20 مليون نسمة، منهم نحو 13 مليون يعيشون في داخل المدينة نفسها.

وتابع أنه من الأفضل، في سياق مناقشة أزمة المياه، البدء بالحديث عن استهلاك المياه، موضحا أن المعدل العالمي القياسي لاستهلاك المياه يبلغ نحو 130 لترا للفرد يوميا، في حين يبلغ هذا الرقم في طهران نحو 250 لترا يوميا؛ أي إن استهلاك المياه في طهران يعادل تقريبا ضعف المعدل العالمي.

وأضاف أن ضرب هذا الرقم في عدد سكان طهران البالغ 13 مليون نسمة يعني أن استهلاك المياه في طهران يبلغ يوميا نحو ثلاثة مليارات و250 مليون لتر. 

وأشار إلى أن النقطة المهمة تكمن في أن الاستهلاك لا يتجاوز فقط المعدل العالمي، بل إن ضعف إدارة توزيع مياه الشرب في طهران من قبل وزارة الطاقة يؤدي إلى أن نحو 22 بالمئة من هذه المياه لا تصل أساسا إلى المستهلك النهائي أثناء عملية التوزيع؛ وينبغي على مسؤولي وزارة الطاقة أن يخصموا هذه الكمية من رقم 250 لترا، ليصبح نصيب الفرد الحقيقي من المياه المستهلكة في طهران نحو 195 لترا.

إدارة الاستهلاك

أوضح رئيسي أن جميع ما سبق ذكره يُظهر بوضوحٍ أن إدارة الاستهلاك، سواء من قبل المسؤولين أو المواطنين، ليست على مستوى جيد، ومن ناحية أخرى، لا بد من التطرق إلى مسألة الإنتاج أيضا، إذ إنّ المشاريع المنفّذة في طهران كانت تهدف في الأساس إلى تلبية النقص، والعامل المحرّك الرئيسي لنمو الاستهلاك في طهران هو الزيادة السكانية.

وأشار إلى أن السياسات المتّبعة افترضت أن عدد السكان سيستمر في التزايد، وبالتالي يجب توفير المياه لهم، ففي السنوات الأولى لتوسّع طهران، طُرح موضوع تأمين المياه من خلال نقلها من السدود.

 في ذلك الوقت، كان سد أمير كبير وحده يلبّي احتياجات طهران، وكان ماؤه متاحا مباشرة للناس في شارع كشاورز، لكن مع توسع المدينة، جرى نقل المياه من سدود جديدة مثل لتيان، وطالقان، وسدود أخرى، والسؤال الجوهري المطروح هو: هل من المنطقي الاستمرار في هذا النهج الذي يقوم على نمو عدد سكان طهران؟ إذا أمكن إعادة النظر في هذه السياسة، فقد تصبح مسألة المياه قابلة للحل.

وبحسب قوله، فإن أزمة المياه في طهران باتت اليوم ذات أبعاد اجتماعية أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن مسألة توفير المياه باتت مرتبطة بالنمو السكاني، ويجب إيقاف هذا المسار، وذكر أن مستوى تخزين السدود الأربعة المذكورة انخفض هذا العام بنسبة تقارب 43 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، الذي كان بدوره عاما جافا.

وأوضح الخبير في شؤون الطاقة أن البنية المعتمدة في نظام توفير المياه كانت تنصّ على أن يتم تأمين نحو 70 بالمئة من المياه من المصادر السطحية، و30 بالمئة من المصادر الجوفية، لأن المياه الجوفية تُعد نوعا من “الادخار” الذي ينبغي استخدامه في الوقت المناسب، إلا أن الوضع اليوم قد تغيّر، إذ يتم حاليا تأمين أكثر من 60 بالمئة من مياه طهران من المياه الجوفية والآبار المحفورة داخل المدينة.

وأضاف أن هذا الوضع يدعو إلى القلق، لأنه قد يكون من الممكن إدارة الأزمة خلال هذا العام، لكن ماذا عن العام المقبل؟ وإذا كان التركيز ينحصر في إدارة جانب العرض فقط، ونُقلت المياه إلى طهران من مناطق بعيدة، فإن هذا الأسلوب لن يكون مستداما على المدى الطويل.

وتابع رئيسي موضحا أن جانب العرض يتأثر حاليا بمصادر المياه بطرق مختلفة؛ فالتغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وشدة التبخر، أدّت إلى أن يصبح تأمين المياه محفوفا بالكثير من التحديات، وحتى إن توفرت هذا العام كميات كافية في الخزانات، فما التدبير المتّخذ للعام المقبل وما بعده؟ ومع هذا المسار المتصاعد لنمو السكان، ما الذي يمكن فعله؟

تقليل الاستهلاك

أضاف رئيسي أن إدارة الطلب والحدّ من الهدر يعدّان من الحلول الأساسية في هذا المجال، موضحا أنه إذا أمكن تقليص الهدر في شبكة توزيع المياه بنسبة 20 بالمئة فقط، فسيتحرر ما يقرب من 140 مليون متر مكعب من المياه سنويا، وهو رقم بالغ الأهمية، وبالاستناد إلى معدل استهلاك يومي يبلغ 250 لترا للفرد، فإن نصيب الفرد السنوي يبلغ 91 مترا مكعبا، وعليه فإن تحرير 140 مليون متر مكعب من المياه يعد أمرا مهما للغاية.

وأشار إلى أن الحل الآخر يتمثل في تقليص معدل الاستهلاك اليومي للفرد، أي تلك الـ250 لترا، وذكر أن هناك العديد من الطرق لتحقيق ذلك، لكن التساؤل المطروح هو: هل يوجد إيمان بإمكانية تقليل هذا الاستهلاك؟ وهل يشعر الناس فعلا بوجود نقص في المياه؟ فغالبا ما يُحاول تجنّب نقل الشعور بالنقص إلى الناس، وإذا لم يُنقل إليهم هذا الإحساس، فسيتصورون أن الموارد متوفرة بوفرة، والحال أن “حرب المياه” قد بدأت بالفعل في طهران.

وأوضح الخبير في شؤون المياه أن تخفيض ضغط المياه من قِبل إدارة المدينة يُنفذ حاليا كإجراء مؤقت، إلا أن هذه السياسة تؤدي إلى تصرفات مثل شراء المضخات وتركيب خزانات التخزين، ففي الوقت الراهن، كل من يقترب أكثر من نقطة الاتصال بالمياه ولا يمتلك خزانا، يستهلك كمية أكبر من الماء، أليست هذه هي حرب المياه بعينها؟

وبحسب قوله، فإن سياسة تقليص ضغط المياه في طهران، وإن كانت قادرة على حل بعض المشكلات على المدى القصير، فإنها تؤدي إلى نتيجتين سلبيتين على المدى البعيد؛ أولا، قد يزداد استهلاك المياه بسبب استخدام الخزانات الإضافية، وثانيا، سيزداد استهلاك الكهرباء، إذ إن معظم المضخات تعمل بالكهرباء، ويحدث ذلك تحديدا خلال ساعات ذروة استهلاك الكهرباء، ما يؤدي بدوره إلى تفاقم أزمة استهلاك الطاقة.

المياه الجوفية

أضاف رئيسي أن الاحتمال القائم بخروج السدود التي توفّر مياه طهران من الخدمة، سيؤدي بشكل عام إلى زيادة الضغط على المياه الجوفية، ومن منظور عام، فإن وضع المياه الجوفية في البلاد يواجه في الأساس أزمة حادة. 

فقد ارتفع حجم السحب الزائد من الخزانات الجوفية في إيران من 130 مليار متر مكعب إلى نحو 160 مليار متر مكعب، ويبلغ حجم السحب السنوي من المياه الجوفية في إيران نحو 70 مليار متر مكعب، في حين أنه للحفاظ على استدامة الموارد الجوفية ينبغي ألا يتجاوز هذا الرقم 140 مليار متر مكعب، وهذا الوضع ينطبق كذلك على طهران.

ووفقا للخبير في شؤون الطاقة، فإن جودة المياه الجوفية أدنى بكثير من جودة المياه السطحية، وقد لا يتسبّب استهلاك هذه المياه في مشكلات على المدى القصير، لكن أليس من المحتمل أن يخلّف ذلك تبعات صحية وبيئية على المدى الطويل؟ وأشار إلى أن جودة المياه في طهران، بطبيعتها، أفضل من المياه الجوفية، لأن الموارد الجوفية توجد بجوار العديد من المواد والمركّبات الأخرى.

 رفع سعر المياه

أوضح رئيسي أن جوهر المشكلة يكمن في غياب وعي المواطنين بأزمة شُحّ المياه، مستدلا بأن سعر المياه المعبّأة يصل إلى 1.4 مليون تومان للمتر المكعب، بينما لا يتجاوز سعر المياه المنزلية 9000 تومان. ورغم أنه لا يمكن الجزم بأن رفع الأسعار سيحل الأزمة، إلا أنه قد يكون فعالا ضمن سياسات متكاملة.

وأكد أن رفع السعر يمكن دعمه إذا ارتبط بإصلاح البنية التحتية وتحسين إدارة الاستهلاك، أما إذا اقتصر على زيادة عائدات القطاع فلا يُقبل به، وأضاف أن الصيف الحالي من أشد الفصول حرارة، ما أدى لزيادة الاستهلاك مقارنة بشهر مارس، وهو أمر طبيعي، لكن سلوك المواطنين لم يتغير، ما يشير إلى غياب الشعور بخطر نقص المياه.

وأشار إلى أن تأثير الأسعار على السلوك الاستهلاكي غير مضمون، وأن هناك خللا في توزيع الاستهلاك، حيث تُستهلك أكثر من 60% من مياه طهران في المناطق الشمالية، ما يعكس عدم عدالة في الاستخدام.

وفي ما يخص الحلول القصيرة الأجل، أوضح أنه لا خيارات سوى المعمول بها حاليا، مشيرا إلى أن المياه الجوفية، التي كانت تُعد مخزونا رخيصا، تُستنزف بشكل مفرط بسبب دعم الطاقة وانخفاض التكاليف. ولفت إلى أنه لولا هذا الدعم لكانت المياه الجوفية أغلى من السطحية، وبالتالي أُدير استخدامها بشكل أكثر توازنا.

وحذّر من أن الاستمرار في السحب المفرط يضرّ بالبنية المسامية للخزانات الجوفية، مما يقلل من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، ويؤدي إلى هبوط خطير في الأرض.

توفير المياه
أكد رئيسي أن الحلول المؤقتة قد تتحول لمشكلات دائمة، مشددا على ضرورة مراجعة سياسة توفير المياه بأي ثمن. وأشار إلى أن قضية السكان محورية، لافتا إلى الفجوة الكبيرة في توزيع الفرص الاقتصادية والوظيفية بطهران، ما يدفع كثيرين للهجرة إليها ويزيد من استهلاك المياه نتيجة تركز الفرص فيها.

وأوضح أن التفاوت في توزيع الخدمات والفرص بين العاصمة وباقي المناطق يُعد من أبرز عوامل الجذب، مشيرا إلى أن طهران تحصل على أكثر من 60% من القروض المصرفية رغم أن سكانها لا يتجاوزون 10–12% من إجمالي السكان، وحتى الخدمات التي تسعى الحكومة لتوزيعها تُخصَّص نسبة كبيرة منها للعاصمة، مما يفاقم النمو السكاني فيها.

وشدد على أن الحل طويل الأمد يكمن في إدارة الاستهلاك والحدّ من النمو السكاني بطهران، معتبرا ذلك أولوية على تأمين المياه بأي ثمن.

 وأضاف أنه لا يمكن الاستمرار في الحلقة المفرغة: نمو سكاني، يليه استهلاك متزايد، ثم تأمين موارد. وأشار إلى مفهوم “الانفصال” في الأدبيات الاقتصادية، حيث يُفصل بين معدلات النمو السكاني واستهلاك المياه، وهو ما لم يتحقق في إيران، حيث لا تزال المنحنيات متطابقة.

وختم بتحذير من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار الموارد، بدءا بأزمة مياه، تليها كهرباء، ثم بيئية، وصولا إلى عجز الدولة عن مواكبة النمو السكاني القائم على نمط استهلاك غير مستدام.