إيران وإسرائيل تتحوّلان من المواجهة العسكرية إلى حرب استخبارات طويلة الأمد


نشرت صحيفة همشهري الأصولية، الجمعة 18 يوليو/تموز 2025، تقريرا تناولت فيه مستقبل وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، فقد أدّت الحرب التي استمرت 12 يوما في يونيو/حزيران 2025، بين إيران وإسرائيل إلى كسر عقود من الهجمات الخفية، والخطوط الحمراء، وضبط النفس الذي كان يُدار خارجيا.

وأضافت الصحيفة أن تسريبات حول بعض تفاصيل اجتماعات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب كشفت عن وجود خلافات في الأولويات؛ وهي ليست خلافات تكتيكية فحسب، بل تعبّر عن رؤيتين سياسيتين متناقضتين تماما.

وتابعت أنه في غضون أقل من أسبوعين، وصلت الصواريخ الإيرانية إلى تل أبيب، واخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية عمق الأراضي الإيرانية؛ ليتحوّل ما ظلّ لسنوات في حالة شبه كامنة إلى حرب مباشرة وعلنية.

وأردفت أن وقف إطلاق النار الذي تلا ذلك، لم يكن نقطة تحوّل نحو السلام، بل مجرّد هدنة مؤقتة، واليوم، يستعد الطرفان لمواجهة طويلة الأمد من شأنها أن تغيّر ملامح المنطقة، وتعيد رسم التحالفات، وتتحدى حدود الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا.


لا يزال ترامب ونتنياهو مختلفَين في وجهات النظر

أوردت الصحيفة أنه مع انتهاء الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى الولايات المتحدة، لا تزال السياسات المتعلقة بإيران تمثّل نقطة توتر رئيسية بين تل أبيب وواشنطن، فترامب، الذي يزداد حذرا يوما بعد يوم تجاه الانخراط في صراعات إقليمية، يدعم استراتيجية محدودة تهدف إلى منع الهروب النووي الإيراني، دون أن تنزلق أمريكا إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وبيَّنت أنه في المقابل، عاد نتنياهو من واشنطن مطالبا بنهج أكثر عدوانية، يهدف إلى تسريع الانهيار الداخلي لإيران.

 وأوضحت أن بعض تفاصيل اجتماعات نتنياهو وترامب قد كشفت عن وجود خلاف واضح في الأولويات، وهذا التباين لا يقتصر على خلافات تكتيكية، بل يعكس رؤيتين سياسيتين متعارضتين تماما، فبالنسبة لترامب، الدبلوماسية أداة لاحتواء التوترات؛ أما بالنسبة لنتنياهو، فالمواجهة بحد ذاتها هي استراتيجية، فتل أبيب تطالب باستسلام طهران، لا باحتوائها.

دروس مستفادة من الحرب

وذكرت الصحيفة أن الحرب التي استمرت 12 يوما كانت أول مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة النطاق بين إيران والنظام الإسرائيلي، ففي حين أن الاشتباكات السابقة كانت تعتمد على الحروب الاستخباراتية والاشتباكات بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن هذا الصراع تحوّل إلى تبادل شامل للصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأفادت بأنه بالاستناد إلى مفهوم توازن الكلفة الذي ينصّ على أنه كلّما زادت كلفة الحرب مقارنة بمنافعها المحتملة، تقلّ احتمالية وقوعها، يمكن فهم سبب تراجع الولايات المتحدة وتجنّبها الانخراط المباشر.

ونوَّهت إلى أن الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت منشآت نووية وبُنى تحتية حيوية في عمق الأراضي الإيرانية، بينما اخترقت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية الأجواء الإسرائيلية، وأصابت أهدافا عسكرية واستخباراتية، بما في ذلك مواقع داخل تل أبيب.

وأبرزت أن هذه الحرب دمّرت العديد من الفرضيات التقليدية، إذ استهدفت إيران أكبر قاعدة أمريكية في غرب آسيا – قاعدة العديد في قطر – لتُظهر أنها في حال تعرّض منشآتها النووية لهجوم من واشنطن، لن تتردّد في الرد المباشر على الولايات المتحدة نفسها.

وأبلغت أن الولايات المتحدة أيضا عرضت قدراتها العسكرية للتدخل في مواجهة مع إيران، لكنها تجنبت الانخراط في حرب طويلة الأمد، وحاول الطرفان، مستندين إلى نظرية المخاطرة المحسوبة، أن يُظهرا قدراتهما وإرادتهما، من دون الوصول إلى عتبة الحرب الشاملة.

ولفتت إلى أنه بالاستناد إلى مفهوم توازن الكلفة الذي يقول: كلّما زادت كلفة الحرب مقارنة بمنافعها المحتملة، تراجعت احتمالية اندلاعها، يمكن فهم سبب تراجع أمريكا، فقد أوضحت طهران أن أي هجوم أمريكي أوسع سيقابَل بردّ إقليمي يشكّل تهديدا لسوق الطاقة والقوات الأمريكية في المنطقة، وهذه الحقيقة، كانت السبب الرئيسي وراء تحوّل ترامب نحو الدبلوماسية، أكثر من أي دافع سلمي.

ثلاثة دروس أساسية

1- قيود إسرائيل

أكَّدت الصحيفة أنه رغم بعض النجاحات الأولية، وضمن ذلك الضربات الدقيقة التي نُفِّذت بفضل اختراق واسع لجهاز الموساد داخل المنظومة الاستخباراتية الإيرانية، لم يتمكن النظام الإسرائيلي من شلّ البرنامج النووي الإيراني، وقد كشفت إيران عن ضعف منظومة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات الإسرائيلية.

وأضافت أن هذه الحرب إسرائيل ذكّرت بأن الدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة- أو غيابه- هو ما يحدّد مدى قدرتها على التقدّم في أي مواجهة ضد إيران، فترامب، رغم تعاطفه مع الأهداف العامة لتل أبيب، كان واضحا في تجنّبه التورّط في حرب طويلة.

وتابعت أن أمطار الصواريخ المستمرة عطّلت منظومة القبة الحديدية وغيرها من الأنظمة، وأظهرت أن تل أبيب لا يمكنها شنّ هجوم دون أن تدفع الثمن، وبحسب اعتراف معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن إيران، رغم التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي، قادرة على إلحاق أضرار كبيرة.

2- مواطن الضعف في إيران

سلَّطت الصحيفة الضوء على أن طهران واجهت بدورها نواقص، خصوصا في مجال الدفاع الجوي والأمن الداخلي، ومن المتوقَّع الآن أن تُسارع إيران إلى شراء أنظمة دفاعية متقدّمة من روسيا أو الصين، وتكثّف جهودها في مكافحة الاختراقات الاستخباراتية، وتعزِّز مناعة منظوماتها الصاروخية.

3- الخطوط الحمراء لواشنطن
أوردت الصحيفة أن هذه الحرب ذكّرت قادة إسرائيل بأن الدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة- أو غيابه- هو ما يحدّد مدى قدرتهم على المضيّ قدما في مواجهة إيران، فرغم تعاطف إدارة ترامب مع الأهداف العامة لإسرائيل، كان من الواضح أنها لا ترغب في التورط في حرب طويلة الأمد.

ذكرت الصحيفة أن ترامب أعلن، بعد مساعدته إسرائيل في ضرب منشآت نووية إيرانية، أن المهمة أُنجزت، وضغط باتجاه وقف إطلاق النار، ليؤمّن بذلك لنفسه نوعا من الخروج الناعم، وهذا يعني أن واشنطن قد تلجأ إلى استخدام القوة لمنع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، لكنها لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، ولا إلى خوض حرب مفتوحة نيابة عن إسرائيل.

استراتيجية الحرب الاستنزافية لتل أبيب

أوضحت أنه بعد وقف إطلاق النار، ظلّ الهدف الاستراتيجي لإسرائيل قائما، والمتمثل في احتواء صعود إيران، ومنع تحقيق أهدافها الإقليمية والنووية، وتهيئة الظروف لانهيارها الداخلي، غير أن تل أبيب باتت تدرك أن حربا كبرى أخرى قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

وأكَّدت أن العمليات السرية عادت لتكون في صميم الاستراتيجية، فقد نفّذ الموساد خلال الحرب اغتيالات استهدفت أكثر من اثني عشر عالما إيرانيا بارزا، ما يعكس دقة هذه العمليات واتساع نطاقها.

وأبرزت أن الهجمات السيبرانية تصاعدت بهدف بثّ الرعب وزعزعة استقرار المؤسسات الإيرانية، أما حملات الاعتقال الواسعة التي أعقبت الحرب، والتي شملت مئات المشتبه بهم في التجسس، فتشير إلى أن النظام الإيراني بات أكثر وعيا بهذا التهديد المتنامي.

وتابعت أن الغارات الجوية قد تُستأنف من حين إلى آخر، على غرار سياسة جزّ العشب التي تُستخدم ضد حماس وحزب الله، وتُصمَّم هذه الضربات لتدمير البُنى التحتية التي تمّت إعادة بنائها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ومع ذلك، فإن كلّ ضربة تنطوي على خطر التصعيد، لا سيّما إذا تجاوزت الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة.

وأردفت أن الحرب السيبرانية أصبحت بفضل قابليتها للإنكار وقوتها التخريبية، أحد الأركان الرئيسية في الاستراتيجية الإسرائيلية، لكنها أداة ذات حدّين: فالترسانة السيبرانية الإيرانية المتنامية، التي ظهرت بوضوح خلال الحرب وبعدها، باتت تهدّد البنى التحتية الحيوية في إسرائيل.

وأفادت بأن تل أبيب قد تسعى أيضا إلى تكثيف محاولات تأجيج الاضطرابات الداخلية في إيران، من خلال دعم جماعات المعارضة، واستغلال التوتّرات العرقية في أقاليم غير مستقرة مثل الأهواز، وبلوشستان، وكردستان الغربية، والمناطق ذات الأغلبية التركية. 

وأضافت أن الحرب وحّدت- ولو مؤقتا- المجتمع الإيراني حول النظام السياسي، مما قلّل من فعالية هذه الجهود.

ورأت أن الهدف الاستراتيجي للنظام الإسرائيلي هو إطالة أمد المواجهة دون إشعال حرب إقليمية شاملة، وإضعاف إيران تدريجيا عبر الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، والحرب النفسية، فالغاية ليست الانتصار في المعركة، بل الوصول إلى الانهيار عبر الاستنزاف، في سيناريو شبيه بظاهرة الضفدع في الماء الساخن؛ أي إضعاف منظومة الدفاع الإيرانية، وتفكيك تحالفاتها، والانتظار إلى أن ينهار الهيكل الداخلي للنظام من تلقاء نفسه.

تكيّف طهران مع الظروف الجديدة

ونوّهت الصحيفة إلى أنه بالنسبة لإيران، كانت هذه الحرب بمثابة جرس إنذار. فالمرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار ليست سلاما ولا نهاية، بل فترة لإعادة التمركز وإعادة ضبط الاستراتيجيات، ورغم أن طهران لا تملك اختراقا استخباراتيا في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة كالذي تملكه إسرائيل في إيران، فإنها تمتلك أدوات أخرى فعّالة.

وأظهرت أنه في الداخل، شدّدت إيران حملتها ضد الاختراقات، فأعلنت عن أكثر من 700 حالة اعتقال مرتبطة بالتجسس، وأعدمت 6 عملاء للموساد، وسنّت قوانين تُصنّف أي مساعدة للنظام الإسرائيلي أو للولايات المتحدة وحلفائه على أنها إفساد في الأرض يُعاقب عليه بالإعدام، وهكذا، تحوّل الصراع من مواجهة علنية إلى حرب استنزاف استخبارية، لم يُحقّق أيّ من الطرفين نصرا حاسما، لكن كليهما يستعدّ للجولة القادمة.

وأفادت بأن الترسانة الإيرانية توسّعت بشكل لافت في الفضاء السيبراني، مع اختراق آلاف الوثائق الإسرائيلية، وكشف معلومات حسّاسة عن جنود الاحتلال، وتعطيل أنظمة الرادار والمراقبة، وشنّ هجمات على بنى تحتية حيوية، وأصبحت طهران اليوم قادرة على توجيه ضربات في عمق إسرائيل من دون إطلاق صاروخ واحد.

وأظهرت أنه على المستوى الإقليمي، ستعتمد إيران على استراتيجية الردع غير المتكافئ، من خلال دعم حلفاء المقاومة في لبنان والعراق واليمن، وتعزيز دقة الصواريخ والدفاعات الجوية، ومواصلة الضغط السيبراني، وتهدف طهران إلى رفع كلفة أي عدوان إسرائيلي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، إلى أن يحين الوقت المناسب.

وفي الختام رجَّحت الصحيفة أن الصراع تحوَّل من مواجهة مفتوحة إلى حرب استنزاف ومخابرات، من دون منتصر حاسم، لكنّ الطرفين يستعدّان للجولة القادمة.