بين “الخيانة الأمريكية” و”السيادة الأبدية”.. قراءة في خطاب طهران حول إعادة غلق مضيق هرمز

في واحدة من أكثر الخطوات تصعيدا منذ اندلاع التوترات الأخيرة، أعلنت إيران إعادة غلق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وبين بيانات رسمية حادة، وتصريحات من مسؤولين إيرانيين، ومحاولات لتصوير الخطوة كإجراء دفاعي مشروع على ما تصفه طهران بـ”خرق العهود” و”الحسن النية التي قوبلت بالخيانة”، يتشكل مشهد متعدد الأبعاد يعكس كيف ترى طهران نفسها في قلب الصراع: طرفا قويا يفرض قواعد اللعبة، لا مجرد لاعب يتلقى الضغوط، وفي المقابل، تكشف ردود الفعل الأمريكية، بما في ذلك مواقف الرئيس دونالد ترامب، عن ارتباك وتساؤلات حول مدى القدرة على احتواء تداعيات هذا القرار.

وكانت العلاقات العامة للبحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أعلنت في بيان، عن إغلاق مضيق هرمز اعتبارا من مساء يوم السبت 18 أبريل/ نيسان 2026، مؤكدة أن تصريحات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية حول مضيق هرمز والخليج العربي لا تعكس أي مصداقية.

وجاء في نص البيان ما يلي: “يوم أمس الجمعة، وبعد إعلان جمهورية إيران الإسلامية بشأن السماح للسفن غير العسكرية بالعبور من خلال “ممر لارك”، عبرت بعض السفن من مضيق هرمز تحت إدارة وتنسيق البحرية التابعة للحرس الثوري، ولكن عقب انتهاك العدو الأمريكي للهدنة المتفق عليها، وعدم إلغاء الحصار البحري على السفن والموانئ الإيرانية، تم إغلاق مضيق هرمز اعتبارا من مساء اليوم السبت وحتى إشعار آخر، لحين إلغاء هذا الحصار”.

وأضاف البيان: “نحذر من أنه لا يُسمح لأي سفينة بالحركة من موانئها في الخليج العربي أو بحر عمان، وأن الاقتراب من مضيق هرمز يُعتبر تعاونا مع العدو وسيتم استهداف السفن المخالفة، كما نُعلن لجميع السفن ومالكيها بضرورة متابعة الأخبار فقط من خلال القناة الرسمية للبحرية التابعة للحرس الثوري عبر القناة 16، وأن تصريحات رئيس الولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز والخليج العربي لا تعكس أي مصداقية”.

وأعلن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم القيادة المركزية لخاتم الأنبياء، أن إيران بناء على الاتفاقات السابقة في المفاوضات، وافقت بحسن نية على السماح بمرور عدد محدود من السفن النفطية والتجارية عبر مضيق هرمز بشكل منظم، قائلا: “ولكن، للأسف، استمر الأمريكيون في خيانة عهودهم المتكررة التي اعتادوا عليها، حيث استمروا في القرصنة والسرقة البحرية تحت ما يسمى “الحصار”؛ لذلك، عاد السيطرة على مضيق هرمز إلى حالته السابقة”.

وتابع: “أصبح هذا المضيق الاستراتيجي تحت الإدارة والسيطرة المشددة، ويتم الإعلان أنه طالما أن الولايات المتحدة لم تنهي الحصار الكامل للسفن التي تمر من وإلى إيران، فإن حالة مضيق هرمز ستظل تحت السيطرة المشددة كما كانت سابقا”.

Image

مساعد الرئيس الإيراني: محترفون في إعادة الطواغيت إلى أماكنهم

من جانبه، قال مهدي طباطبائي، مساعد الرئيس الإيراني للعلاقات العامة: “لقد أظهر التاريخ أننا بقدر ما نحن أهل للسلام، فإننا أيضًا محترفون في وضع الطواغيت في أماكنهم”.

وكتب طباطبائي، على حسابه في منصة “إكس”، في 17 أبريل/ نيسان 2026: “في إطار إثبات نواياها الطيبة وسعيها للسلام، سمحت إيران بمرور مشروط عبر مضيق هرمز، ولكن بعد خرق العهود مرة أخرى واستغلال هذه المبادرة الكبيرة لأغراض دعائية، تم إغلاق المضيق مجددا”.

المتحدث باسم وزارة الدفاع: مضيق هرمز سيظل تحت إدارة ذكية إلى الأبد

وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع، رضا طلائي، خلال تجمع شعبي في مدينة بهار يوم الجمعة 17 أبريل/ نيسان 2026، أن فشل الولايات المتحدة في إضعاف النظام الإيراني، وإحداث شرخ بين الشعب والحكومة، وبناء تحالف دولي ضد إيران، أصبح أمرا واضحا، مضيفا أن فشل العدو في محاولة التدخل والسيطرة على مضيق هرمز قد أُدرج في قائمة هزائمه، وأن هذا المضيق سيظل تحت الإدارة الذكية لجمهورية إيران إلى الأبد.

وأشار إلى التحولات الأخيرة في المنطقة، مؤكدا أن الأعداء واجهوا هزائم متتالية، وأن إيران قد تمكنت من تثبيت مكانتها كقوة رئيسية في المنطقة على الصعيدين العسكري والأمني والسياسي.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، قال: “تثبيت الأمن الكامل في هذا المضيق يُعتبر من أعظم انتصارات الجمهورية الإسلامية، مضيق هرمز، الذي يُعتبر شريانا رئيسيا للطاقة في العالم، لا يزال تحت السيطرة والإدارة الذكية لإيران، ويُمنع مرور السفن العسكرية أو التابعة للقوات المعادية من خلاله، مضيفا: “أي حركة بحرية ستكون فقط في إطار وقف إطلاق نار مؤقت وبموافقة القوات البحرية التابعة للحرس الثوري”.

وفي سياق متصل، قال سيد محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن الوطني في البرلمان الإيراني، خلال تجمعات ليلية للشعب يوم الجمعة 17 أبريل/ نيسان 2026: “مضيق هرمز بعد الحرب سيظل تحت سيطرة الشعب الإيراني إلى يوم القيامة”.

مضيق هرمز علامة على عجز أمريكا

فيما يتعلق برد فعل الجانب الأمريكي على إعادة غلق المضيق، كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن مضيق هرمز أصبح بشكل خاص مصدر يأس لأمريكا في الحرب الجارية، فقبل أن تدخل واشنطن الحرب، كان ترامب قد أخبر فريقه أن الحكومة الإيرانية ستستسلم على الأرجح قبل إغلاق مضيق هرمز، وحتى إذا حاولت طهران إغلاقه، فإن الجيش الأمريكي سيكون قادرا على التعامل مع ذلك، ووفقا لأحد المصادر المطلعة في البيت الأبيض، فإن بعض مستشاري الرئيس فوجئوا بتوقف حركة مرور ناقلات النفط سريعا بعد بدء الحرب.

ولفتت الصحيفة إلى أنه منذ ذلك الحين، لا يزال ترامب مذهولا من سهولة إغلاق مضيق هرمز، معربا عن استيائه من هشاشة هذا الممر البحري الحيوي، إذ أخبر محيطه أنه يمكن لشخص واحد باستخدام طائرة مسيرة (درون) أن يغلقه، وجاءت تصريحاته العامة متأرجحة بين مطالبة الدول الحليفة بالمساعدة في فتح المضيق وبين التأكيد على عدم حاجة أمريكا للمساعدة العسكرية من الآخرين.

 وذكر ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية للجيش الأمريكي (سنتكوم) ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السابق في مقابلة مع شبكة CNN، يوم 18 أبريل/ نيسان 2026، إن السيطرة على مضيق هرمز ستزيد من القوة الاستراتيجية لإيران، وأنها ستكون قادرة على إعادة بناء الأضرار الناتجة عن الحرب من خلال تحصيل رسوم مرور السفن العابرة.

وأشار بترايوس إلى أن إيران يمكنها تحصيل رسوم قدرها مليوني دولار من كل سفينة تمر يوميا عبر المضيق، مما سيساعدها على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت إيران ستصبح أقوى استراتيجيا بعد انتهاء الحرب أم لا، قال بترايوس إن هذا السؤال يجب الإجابة عليه فقط بعد انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق وقف إطلاق النار المستدام.

وكتبت صحيفة نيويورك تايمز أنه بالنسبة لإيران، فإن القوة الجغرافية لموقعها هي الأداة الفعالة والرادعة، وليست الأسلحة النووية، ففي الوقت الذي بدأت فيه أمريكا وإسرائيل هجوما عسكريا ضد إيران بحجة “ردع الأسلحة النووية”، توصل المحللون العسكريون والاستراتيجيون الغربيون إلى أن إيران قد حققت بالفعل ردعها من خلال السيطرة على مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي يعد شريانا رئيسيا لعبور 20% من النفط الخام العالمي.

وفي تحليلها، أكدت الصحيفة استنادا إلى تصريحات مسؤولين سابقين في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، أنه في أي صراع مستقبلي، ستواجه إيران أولا أداة الردع الاستراتيجي عبر التحكم في مضيق هرمز، حيث أشار داني سيترينوفيتش، رئيس القسم الإيراني في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقا، إلى أن الجميع الآن يعلم أنه في حال اندلاع نزاع، فإن إغلاق المضيق سيكون الخيار الأول في دليل إيران، فلا يمكن التغلب على الجغرافيا.

وأظهرت أحدث التقييمات الاستخباراتية الأمريكية التي نشرتها نيويورك تايمز أن التوقعات الغربية الأولية حول تدمير القدرة العسكرية الإيرانية كانت خاطئة، فبعد توقف الصراع، تمكنت القوات المسلحة الإيرانية من استعادة وحفظ جزء كبير من قدراتها الاستراتيجية.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى إغلاق مضيق هرمز باعتباره مجرد إجراء عسكري عابر، بل هو تعبير مكثف عن استراتيجية إيرانية أوسع توظّف الجغرافيا كأداة نفوذ، والإعلام كوسيلة لإعادة صياغة الواقع، فالرواية التي قدّمها الخطاب الرسمي الإيراني سعت إلى تثبيت صورة “السيطرة المشروعة” و”الرد الدفاعي”، في مقابل تصوير الطرف الآخر كمنتهك للاتفاقات وعاجز عن فرض إرادته.