مخاض “الجمهورية الثالثة” وتحديات الوجود.. قراءة في رسالة حسن روحانی 

كتب: الترجمان

في لحظة تاريخية فارقة، تداخلت فيها رمزية الذكرى بمرارة الواقع، خرج الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، برسالة استثنائية بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين ليوم الجمهورية الإسلامية والموافق 1 أبريل/نيسان 2025. لم تكن الرسالة مجرد استحضار لحدث التصويت الشهير في مارس/آذار 1979، بل جاءت كوثيقة سياسية واستراتيجية وسط ما وصفه بـ “الحرب المفروضة الثالثة” التي تعيشها إيران منذ أكثر من شهر. 

في لغة اتسمت بالحدة والتحذير، وضع روحاني النقاط على الحروف فيما يتعلق بالصراع العسكري المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرا أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليصل إلى مستوى “الجريمة ضد الإنسانية” التي تستهدف وجود الدولة الإيرانية وتماسكها الجغرافي.

دلالات التوقيت: 47 عاما من “الجمهورية” واختبار الشرعية

استهل روحاني رسالته بربط بين التصويت التاريخي الذي جرى قبل 47 عاما وبين الحالة الراهنة، مؤكدا أن جوهر “الجمهورية” هو الحكم القائم على رأي الشعب، بينما “الإسلامية” تفرض معايير العدالة والأخلاق وحق الناس. 

ويرى روحاني أن وفاء الشعب للنظام طوال العقود الماضية كان مشروطا بتحقيق الوعود، محذرا من أن أي “تآكل” في القاعدة الشعبية ليس سببه العداء للمبادئ، بل هو نتيجة مباشرة لعدم وفاء الحكام بوعودهم أو القصور في الهياكل الإدارية والمسؤولية. 

هذه القراءة تعيد الاعتبار لمفهوم “العقد الاجتماعي” بين السلطة والمواطن في إيران، خاصة في ظل ضغوط الحرب التي يرى روحاني أن الشعب الإيراني “أتمّ بها الحجة على المسؤولين” من خلال صبره ومقاومته الأسطورية خلال الشهر الماضي.

Image

توصيف الحرب: فخ إسرائيلي وتورط أمريكي مباشر

يرسم روحاني خارطة معقدة للصراع الراهن، واصفا إياه بأنه “حرب شريرة وإجرامية وغير قانونية”. اللافت في الرسالة هو تأكيده على أن هذه المواجهة هي “تحقق لأماني إسرائيل القديمة” في جر الولايات المتحدة والغرب إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. 

وبحسب الرؤية المطروحة، فإن إسرائيل نجحت أخيرا في دفع واشنطن إلى هذا “المستنقع”، مما أدى إلى تلطيخ أيدي القوى الكبرى بدماء المدنيين الإيرانيين. ويشدد روحاني على أن الهجمات التي طالت المدارس، المستشفيات، البنوك، ومصافي النفط، قد كشفت زيف ادعاءات حقوق البشر، وأظهرت أن الهدف الحقيقي ليس البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية، بل هو “تدمير وتفتيت إيران” وتحويلها إلى “أرض محروقة”.

الاستراتيجية العسكرية: حماية السيادة والجزر

في ظل التهديدات المباشرة التي تضمنتها الرسالة، برز تحذير روحاني من مخططات تستهدف البنية الجغرافية للدولة. أشار الرئيس الأسبق بوضوح إلى تقارير استخباراتية وإعلامية تتحدث عن نوايا معادية لإنزال مظليين لاختطاف اليورانيوم المخصب، أو تنفيذ عمليات عمالية لإشغال أو محاصرة جزيرة “خارك” الحيوية، وصولا إلى محاولات السيطرة على بعض الجزر الإيرانية للتحكم في مضيق هرمز.

وبناء على ذلك، دعا روحاني إلى تنسيق فوري وشامل لكافة إمكانيات البلاد العسكرية واللوجستية لمنع أي تعرض للمحافظات الحدودية، معتبرا أن الحفاظ على السيطرة الكاملة على مضيق هرمز يمثل “ضرورة حيوية” لا تقبل القسمة على اثنين في ظل المواجهة مع القوى “المعادية لإيران”.

من المقاومة إلى “السلام المشرّف”: حتمية المذاكرة بحذر

رغم نبرة التحدي، لم تخلُ رسالة روحاني من “واقعية سياسية” تطالب بالاستعداد لكل الاحتمالات. فقد دعا المجلس الأعلى للأمن القومي إلى وضع سيناريوهات عاجلة لإنهاء الحرب كما هي الخطط لاستمرارها. 

وأكد روحاني بوضوح: “إلى جانب المقاومة البطولية، يجب الاستعداد لإنهاء الحرب بشكل مشرف وبما يخدم مصالح البلاد”. ومع ذلك، وضع روحاني شرطا حيويا وهو “التعلم من تجارب الماضي”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة مارست الخداع في جولتين سابقتين من المفاوضات، حيث كانت تقدم وعوداً إيجابية بينما تخطط للاعتداء العسكري في آن واحد. 

هذا الموقف يعكس توازنا دقيقا بين ضرورة الدبلوماسية لإنقاذ الدولة وبين الريبة العميقة في النوايا الأمريكية.

Image

الإصلاح الهيكلي: الممر الإلزامي لنجاة “النظام والدولة”

ربما كانت النقطة الأكثر حساسية في رسالة روحاني هي مطالبته بـ “إصلاحات أساسية وفورية في السياسات”. يرى روحاني أن بقاء النظام لم يعد مرتبطا فقط بالقدرة العسكرية، بل بمدى سرعة وشفافية التحول في هيكلية الحكم. 

وطالب بفتح المجال أمام النخب والممثلين الحقيقيين للتيارات السياسية والاجتماعية المختلفة للمشاركة في القرار، معتبراً أن “التحول في بستر القانون” هو السبيل الوحيد لإحباط خطط الأعداء. 

إن دعوته لإرسال “إشارات طمأنة” للمستثمرين ورواد الأعمال، وإشراك الرأسمال البشري في الداخل والخارج، تعكس قلقا عميقا من انهيار الاقتصاد الذي يمثل “الهدف الرئيسي” للهجمات الوحشية التي تتعرض لها البنية التحتية من بتروكيماويات وفولاذ وموانئ.

حروب الظل: التضليل الإعلامي ومعركة الانسجام الداخلي

على هامش الرسالة السياسية، كشفت تقارير إعلامية إيرانية (مثل وكالة فارس وجماران) عن جبهة أخرى موازية للحرب العسكرية، وهي “حرب المعلومات”. فقد رصدت هذه الوسائل محاولات لضرب الانسجام الداخلي عبر نشر صور مفبركة لروحاني يدعي مروجوها وجوده في أحد بنوك سويسرا. 

واعتبرت التقارير أن هذه الشائعات، التي تنتشر عبر مئات الحسابات الوهمية تحت غطاء “ثوري” أو “إصلاحي”، تهدف إلى خلق ثنائيات قطبية واختلافات داخل المجتمع الإيراني، تماما كما جرى مع محاولات استهداف رئيس البرلمان “قاليباف”. هذه الهجمات الإعلامية تؤكد صحة تحذيرات روحاني بأن الهدف هو “تضعيف إيران من الداخل” لتسهيل ضربها من الخارج.

Image

اليقين في وجه العاصفة

ختم روحاني رسالته بنبرة تجمع بين الإيمان الديني والتفاؤل القومي، مؤكداً إيمانه بالله الذي سينصر طالبي الحق ويعاقب المعتدين. الرسالة في مجملها ترسم صورة لإيران تقف عند منعطف تاريخي، فبينما تخوض حربا عسكرية ناتجة عن صراع إقليمي ودولي معقد، تجد نفسها مضطرة لمواجهة استحقاقات داخلية مؤجلة تتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي. 

تبقى رسالة روحاني، بما حملته من تعاز لشخصيات مثل “علي لاريجانی” وتبريكات لـ “القائد الثالث للثورة”، مؤشرا على تحولات كبرى في هرم السلطة الإيرانية وفي طبيعة التحديات التي تهدد بقاء “الجمهورية الإسلامية” كما عرفها العالم طوال نصف قرن. إنها صرخة من أجل “الإصلاح من الداخل” لضمان “الصمود في الخارج”.