تلوّث طهران بين فشل الإدارة وتقلبات المناخ.. واتهامات تتجاوز الحدود

Ad 4nxe5mc6ytvywusy ams3afvevi1keqkthz4 jhttjdhf2lygvkk75k05ouyqkhgna8n4m h9ctvxr59z2cu31tcpwovtw 1ji9p vzi0utstyfmmonanwpm8h8xr5whf83ld1kepswkeybzz0mbxrxhgp2wkjwxr3kq

سلّطت الصحافة الإيرانية، السبت 12 يوليو/تموز 2025، الضوء على أزمة تلوث الهواء الخانقة التي ضربت العاصمة طهران، وسط تضارب في التفسيرات وتبادل للاتهامات بين الطبيعة والسياسات.

ففي حين حذّر ناشطون بيئيون من أن المدينة تعاني “اختناقا عمره ثلاثون عاما”، بفعل سوء الإدارة والتوسع العمراني غير المنضبط، أشار باحثون إلى أن العواصف الغبارية الموسمية تُفاقم الأزمة في ظل ضعف البنية البيئية.

أما بعض وسائل الإعلام، مثل “مشرق نيوز”، فقد طرحت تساؤلات مثيرة حول ما إذا كان للعدوان الإسرائيلي الأخير دور خفي في تصاعد حدة التلوث، في ظل غياب الشفافية حول بيانات جودة الهواء.

وهكذا، يتقاطع البيئي مع السياسي، بينما تبقى صحة ملايين السكان على المحك، في مدينة لم تعد تصلح حتى لممارسة الرياضة.

نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” أبرز تصريحات الناشط البيئي ومدير جمعية «مراقبو الجبال» عباس محمدي، حول أزمة تلوث الهواء المتفاقمة في طهران.

أوضح محمدي أن طهران كانت تعاني من تلوث الهواء في صيف السنوات الماضية أيضا، إلا أن العام الجاري شهد تفاقما غير مسبوق نتيجة تداخل عدة عوامل بيئية وبشرية. مشيرا إلى أن نحو 80% من التلوث الحالي ناتج عن الغبار والمركبات، وهو ما يعكس فشلا إداريا واضحا، بينما لا تتجاوز نسبة العوامل الخارجة عن السيطرة، مثل الظواهر الطبيعية، أكثر من 20%.

تلوّث الهواء.. أزمة مزمنة عمرها 30 عاما

أشار الناشط البيئي إلى أن مشكلة تلوث الهواء في طهران ليست طارئة، بل تعود إلى عقود مضت، مستشهدا ببيان شهير صدر عام 1995 عن خمسين أستاذا جامعيا وخبيرا بيئيا، حذروا فيه من الآثار الكارثية لتلوث الهواء على الصحة العامة والبيئة. وقد تضمن البيان آنذاك توصيات واضحة، مثل تطوير وسائل النقل العام، ومنع إقامة الصناعات الملوثة في أطراف المدينة، وتوسيع الرقعة الخضراء.

وأضاف أنه رغم مرور ثلاثين عاما على تلك التحذيرات، فإن الأزمة لم تُحلّ، بل تفاقمت بشكل كبير، معتبرا أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لسوء إدارة مزمن يتجاوز حدود الإخفاق الفني، ليطال عمق الأزمات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

وتابع أن الحلول الفنية لتقليل تلوث الهواء معروفة ومجرّبة عالميا وحققت نتائج ملموسة في كثير من الدول، لكن في إيران، تقف العقبات السياسية والإدارية والفساد الهيكلي حائلًا دون تنفيذها.
وضرب مثالا على ذلك بعدم نجاح إيران في تحديث أسطول النقل العام أو تحسين جودة الوقود، رغم أنهما من أبسط وأهم الإجراءات المتبعة عالميا، وأشار إلى أن «ما نواجهه ليس مجرد خلل فني، بل أزمة متعددة الأوجه تتطلب إصلاحًا جذريًا في البنية الإدارية والاجتماعية، قبل أي شيء آخر”.

الغبار وسوء إدارة الموارد المائية.. وجه آخر لأزمة التلوّث

أشار محمدي إلى أن جفاف بعض الأراضي الرطبة، مثل “تالاب بند علي ‌خان” جنوب شرقي طهران، و”تالاب صالحية” غرب كرج، حوّلها إلى بؤر نشطة لإنتاج الغبار. ويعزو ذلك إلى عمليات بناء السدود غير المدروسة مثل سدّي “لتيان” و”ماملو”، فضلا عن التوسع العمراني العشوائي في مجرى نهر “جاجرود” الحيوي.

وأكد أن “الوحدات السكنية، والفنادق، والمطاعم غير المرخصة التي تم إنشاؤها داخل مجاري الأنهار، تستهلك المياه بشكل غير قانوني، في ظل غياب الرقابة الفعالة، ما يفاقم من الأزمة”.

وانتقد بعض المسؤولين، ومنهم رئيس مجلس بلدية طهران، الذين يُرجعون أسباب التلوث فقط إلى التغيرات المناخية، متجاهلين الأثر الأكبر لسوء الإدارة، الذي يشكّل، بحسب قوله، 80% من أسباب تلوث الهواء، مقابل 20% فقط تعود لعوامل طبيعية خارجة عن السيطرة.

وأضاف أن تجاهل أهمية الحفاظ على موارد المياه وتغذية الأراضي الرطبة، مقابل إعطاء الأولوية للتنمية العمرانية دون اعتبار للمعايير البيئية، أسهم في تسارع الأزمة وتوسّع نطاقها.

كيف دمّرت الأبراج المصطنعة مناخ طهران المحلي؟

حمّل عباس محمدي البناء العشوائي، لا سيما التوسّع الرأسي في غرب طهران، مسؤولية بارزة في تعقيد أزمة تلوث الهواء، معتبرا أن بناء الأبراج الشاهقة أدى إلى اختلال في حركة الرياح الطبيعية داخل المدينة، مما أثّر سلبا على قدرة طهران على التنفّس.

وعلّق على تصريحات رئيس هيئة مراقبة جودة الهواء السابق، يوسف رشيدي، الذي نفى وجود تأثير مباشر للأبراج على حركة الرياح، واصفا هذا الطرح بـ”المغالطة”، موضحا: «الرياح في الطبقات العليا من الجو تبقى قوية، لكن على مستوى سطح الأرض، حيث يتشكل ما يُعرف بـ”المناخ المحلي”، يمكن للعوائق العمرانية كالأبراج أن تعيق تدفق الهواء. تماما كما تُعيق قطعة كرتون لهبا صغيرا وسط عاصفة”.

وأكد أن بناء مئات الأبراج العالية في غرب طهران، دون مراعاة الخصائص المورفولوجية للمدينة، أدى إلى سدّ الممرات الهوائية الطبيعية، ما حرم العاصمة من التهوية الذاتية الضرورية لتجديد الهواء، في وقت يتغلب فيه القرار السياسي على الاعتبارات البيئية والفنية، وهو ما يعطّل دور الخبراء والمتخصصين، مهما بلغت كفاءتهم.

تلوث صيف 2025.. تعقيدات غير مسبوقة

ذكر محمدي أن صيف هذا العام شهد تدهورا غير مسبوق في جودة الهواء، مقارنة بالسنوات الماضية، ففي حين كانت ظاهرة “الانقلاب الحراري” شائعة في الشتاء وتتسبّب في حبس الملوثات داخل المدينة، فإن صيف 2025 تميّز بتراكب عدة مصادر تلوث، أبرزها العواصف الغبارية، وانبعاثات السيارات والدراجات النارية.

وكشف أن عدد الدراجات النارية في طهران ارتفع عشرة أضعاف خلال العقد الأخير، مشددًا على أن كل دراجة نارية تُنتج ملوثات أكثر من سيارة واحدة، ما يجعلها مصدرا رئيسيا في معادلة التلوث.

وفي سياق متصل، أشار إلى تدني جودة الوقود في البلاد، وقال: «رغم ما يُعلن عن تقليل نسبة الكبريت في وقود الديزل، فإن ملوثات أخرى مثل النترات لا تزال حاضرة بقوة. كما أن الاكتفاء الذاتي في إنتاج البنزين، دون التقيد بالمعايير البيئية، أدى إلى انتشار وقود غير مطابق للمواصفات، يهدد صحة المواطنين”.

مدينة لم تعد تصلح حتى لممارسة الرياضة

حذر عباس محمدي من أن أحد أخطر تداعيات تلوث الهواء في طهران هو تحوّلها إلى مدينة غير آمنة حتى لممارسة الرياضة، واستشهد في ذلك ببيان حديث أصدره الاتحاد الإيراني للتسلّق على الجبال، دعا فيه المواطنين إلى الامتناع عن صعود المرتفعات في العاصمة، نظرًا للمستويات الخطيرة لتلوث الهواء.

وذكر أنه حين يصبح التنفس العميق أثناء ممارسة الرياضة سببا لامتصاص كميات أكبر من الملوثات إلى الجسم، فهذا يعني أننا بنينا مدينة تُهدّد صحة سكانها بدل أن تحميها”.

واختتم بالإشارة إلى أن هذا الواقع المرير ليس مجرد خلل بيئي، بل نتيجة طبيعية لمزيج من الإخفاقات السياسية والاجتماعية؛ من ضعف شبكة النقل العام، وعدم تقييد حركة السيارات والدراجات النارية، إلى إهمال البنى التحتية البيئية، مما حول طهران إلى بيئة طاردة لأي نشاط صحي.

وفي نفس الموضوع نشرت وكالة “تسنيم” تصريحات خاصة لـ عباس شاهسوني، نائب مدير مركز أبحاث جودة الهواء وتغير المناخ، حول نفس الموضوع…

إذ ذكر أن العواصف تُعد من الظواهر الجوية الناتجة عن حركة الرياح التي تثير جزيئات الغبار من سطح الأرض، وتكثر بشكل خاص في المناطق الجافة وشبه الجافة، أو تلك التي شهدت مؤخرا موجات من الجفاف، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تتكرر كثيرا خلال فصل الصيف.

وأوضح، في تعليقه على أسباب تلوث الهواء خلال الأيام الماضية، أن مصدر الغبار الملوث كان بالدرجة الأولى من المناطق المحيطة بمدينة طهران، مثل مستنقع “صالحية”، وأجزاء من محافظة سمنان ومدينة قم، مضيفا أن بعض موجات الغبار تكون قادمة من دول الجوار، ما يسهم في رفع مستوى تلوث الهواء في مدن كبرى مثل طهران وكرج.

وأشار إلى أن التعرض لتلوث الهواء والجزيئات العالقة يؤثر سلبا على صحة الجميع، لا سيما من يتعرضون لهذه الملوثات لفترات طويلة. 

وأضاف أن هناك فئات أكثر عرضة للخطر، مثل مرضى الربو ومن يعانون من أمراض القلب والرئة، حيث يمكن أن تتفاقم أعراضهم بسبب الملوثات المختلفة في الهواء.

ومن جانبه، تساءل موقع “مشرق نيوز” عمّا إذا كان من الممكن تحميل العدوان الإسرائيلي، المستمر منذ اثني عشر يوما، جزءًا من المسؤولية عن هذا التلوث الجوي غير الطبيعي.

وذكر أن هذا هو التساؤل الذي طرحه الخبير البيئي محمد  درويش، واصفا ما تشهده طهران بـ”التلوث غير الطبيعي”. 

ونقل توضيح  درويش، في تصريح صحفي، أن غياب البيانات المتعلقة برصد جودة الهواء يُفسح المجال أمام التخمينات وانتشار الشائعات بشأن مصدر التلوث في العاصمة، إذ أضاف: “حين لا تتوفر معلومات رسمية وشفافة، يصبح من الطبيعي أن يتجه الناس إلى تفسيرات بديلة، منها ربط ما يحدث بتداعيات العدوان الإسرائيلي الأخير”.