رسالة المرشد بشأن التفاوض مع واشنطن… موافقة مشروطة وتفسيرات متباينة داخل إيران

شهدت الساحة السياسية الإيرانية خلال الأيام الماضية حراكا واسعا عقب صدور موقف رسمي من أعلى هرم السلطة بشأن التطورات الأخيرة في العلاقات مع الولايات المتحدة، وهو موقف سرعان ما تحول إلى محور للنقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية. وقد تباينت القراءات حول دلالاته السياسية والاستراتيجية، وما إذا كان يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة هذا الملف الحساس، أو يعكس استمرار النهج التقليدي للجمهورية الإسلامية في التعامل مع واشنطن. وبين تعدد التفسيرات واختلاف زوايا القراءة، برزت تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج، وانعكاسات هذا الموقف على مسار المرحلة المقبلة في السياسة الإيرانية.

الرسالة والتفاهم… موافقة مشروطة ترسم إطار المرحلة المقبلة

أثارت الرسالة التي وجهها المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، الخميس 18 يونيو/ حزيران 2026، عقب توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، موجة واسعة من التفاعلات السياسية والإعلامية داخل إيران، باعتبارها أول موقف رسمي يحدد بوضوح رؤية القيادة الإيرانية للاتفاق، ويضع الإطار السياسي الذي ينبغي أن تتحرك ضمنه الحكومة وفريق التفاوض خلال المرحلة المقبلة. وقد جاءت الرسالة بعد الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين رئيسي إيران والولايات المتحدة، تنظم آلية إنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة من المفاوضات، وعلى رأسها الملف النووي، في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة.

Image

وفي رسالته، أكد المرشد أنه كان يحمل، من حيث المبدأ، رأيا مختلفا بشأن هذا المسار، إلا أنه وافق على المضي فيه بعد التعهد الذي قدمه رئيس الجمهورية، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، وسائر أعضاء المجلس، بصون حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة، وتحملهم المسؤولية الكاملة عن تنفيذ هذه الالتزامات. كما شدد على أن الحكومة أكدت له أنها لن تقبل بأي مطالب أمريكية تتجاوز هذه الالتزامات أو تمس المصالح الوطنية الإيرانية.

Image
Image

ولم تقتصر الرسالة على إعلان الموافقة، بل رسمت حدودها بوضوح، إذ أكد المرشد أن هذه الموافقة مشروطة بتنفيذ الطرف الأمريكي لتعهداته، وأن معيار الحكم على الاتفاق سيكون التطبيق العملي للشروط، لا مجرد التوقيع على الوثائق. كما أوضح أن أي مفاوضات مباشرة قد تجري مستقبلا مع الولايات المتحدة لا تعني قبول الرؤية الأمريكية أو التخلي عن المواقف الأساسية للجمهورية الإسلامية، في رسالة هدفت إلى الفصل بين الانخراط في عملية تفاوضية وبين تغيير المبادئ التي تعلنها القيادة الإيرانية.

وحرص المرشد كذلك على الإبقاء على الخطاب التقليدي للجمهورية الإسلامية تجاه الولايات المتحدة، فوصفها ضمنيا بالطرف الذي لا يحظى بالثقة، مؤكدا أن الشعب الإيراني والقيادة سينتظران تنفيذ الالتزامات قبل إصدار أي حكم نهائي على نتائج التفاهم. وبذلك جمعت الرسالة بين منح الحكومة غطاء سياسيا للمضي في المفاوضات، وبين وضع قيود واضحة على هذا المسار، وربط استمراره بمدى التزام واشنطن بما تعهدت به.

القراءة الأصولية… إجماع على الموافقة المشروطة واختلاف في قراءة حدودها

هذا وقد احتلت رسالة المرشد مساحة واسعة في الصحافة الأصولية الإيرانية، التي أجمعت على أن الرسالة لا تمثل تحولا في موقف القيادة من الولايات المتحدة، بل تؤكد استمرار انعدام الثقة بواشنطن، مع منح الحكومة فرصة لإدارة المرحلة الجديدة ضمن شروط محددة.

وبهذا الشأن، رأت صحيفة فرهيختجان، السبت 20 يونيو/ حزيران 2026، أن أهمية الرسالة قد تفوق أهمية توقيع مذكرة التفاهم نفسها، بل وحتى أهمية وقف إطلاق النار، لأنها وضعت حدا للجدل الدائر حول موقف المرشد من الاتفاق. واعتبرت الصحيفة أن الرسالة أوضحت بصورة لا لبس فيها أن الإذن بتوقيع مذكرة التفاهم جاء على أساس موافقة مشروطة، وأن المرشد احتفظ برأيه المختلف، لكنه منح الحكومة الإذن استنادا إلى تعهداتها بالحفاظ على حقوق الشعب وجبهة المقاومة.

Image

وأكدت الصحيفة أن الرسالة أسقطت روايتين كانتا متداولتين في الداخل الإيراني، الأولى التي اعتبرت أن نص التفاهم يعكس بالكامل رؤية المرشد، والثانية التي ادعت أن الاتفاق فرض عليه. واستندت في ذلك إلى عبارتين وردتا في الرسالة، الأولى قوله “كان لي رأي آخر”، والتي تنفي التطابق الكامل بين رأيه ونص الاتفاق، والثانية تأكيده أنه أصدر الإذن بعد تلقي التعهدات من رئيس الجمهورية والمجلس الأعلى للأمن القومي، بما ينفي فرض الاتفاق عليه.

كما رأت فرهيختجان أن الرسالة تحمل دعوة صريحة لعدم استغلال الاختلاف في وجهات النظر لإثارة الانقسام الداخلي، مشيرة إلى أن المرشد سبق أن رفض تحويل الخلافات المشروعة إلى انقسامات سياسية، وأن عدم الثقة الوارد في الرسالة موجه إلى الولايات المتحدة، وليس إلى مؤسسات الدولة الإيرانية. ولذلك دعت الصحيفة إلى دعم الحكومة، مع استمرار مساءلتها عن تنفيذ التزاماتها.

أما صحيفة جوان، المقربة من دوائر الحرس الثوري، فاعتبرت أن الرسالة جاءت مختصرة وصريحة، ويمكن تلخيصها في ثلاث رسائل أساسية، أولها أن المرشد لا يثق بإمكانية الوصول إلى تفاهم مستدام مع الولايات المتحدة، وثانيها أنه يحترم قرارات المؤسسات الدستورية ويمنحها صلاحية التحرك ضمن شروط محددة، وثالثها أنه يحمل هذه المؤسسات المسؤولية الكاملة عن نتائج هذا المسار.

Image

وأضافت الصحيفة أن الأحداث التي أعقبت الإعلان عن مذكرة التفاهم، وعلى رأسها تصاعد الهجمات على لبنان والدعم الأمريكي لإسرائيل، عززت المخاوف التي عبر عنها المرشد، معتبرة أن ذلك يؤكد محدودية فرص نجاح الاتفاق. ومع ذلك، رأت أن قبول الحوار بعد انتهاء الحرب أمر طبيعي، شريطة الحفاظ على عناصر القوة التي اكتسبتها إيران خلال الحرب، وعدم التفريط بأوراق الضغط، مثل النفوذ الإقليمي ومضيق هرمز، بما يضمن أن يخدم أي اتفاق المصالح الوطنية الإيرانية.

وشددت جوان أيضا على أن رسالة المرشد لا تمنح الأفضلية الكاملة لأي من مؤيدي الاتفاق أو معارضيه، وإنما تقدم رؤية مستقلة ينبغي أن تكون المرجع للجميع، مؤكدة أن الرسالة انتهت بالفعل إلى منح الإذن بقبول مذكرة التفاهم، لكنها في الوقت نفسه أبقت باب الحذر مفتوحا تجاه أي اتفاق نهائي قد يبرم لاحقا.

من جهتها، ذهبت صحيفة كيهان إلى موقف أكثر تشددا، معتبرة أن رسالة المرشد تشير بوضوح إلى أن هناك بنودا كان ينبغي أن تتضمنها مذكرة التفاهم ولم ترد فيها، كما أن هناك بنودا أدرجت فيها ولم يكن من المفترض قبولها. وانتقدت ما وصفته بـ “التفاؤل غير المبرر” الذي أدى إلى تسريع توقيع الاتفاق، معتبرة أن عامل الزمن كان يعمل لصالح إيران، وأن الولايات المتحدة كانت ستضطر إلى تقديم تنازلات أكبر مع استمرار الضغوط عليها.

Image

وركزت كيهان على الملف النووي ومضيق هرمز، معتبرة أن إدراج المضيق ضمن محاور التفاوض يمثل خطأ، لأنه يتعلق بحقوق سيادية مشتركة بين إيران وسلطنة عمان. كما انتقدت إدراج الملف النووي في مذكرة التفاهم، معتبرة أن ذلك يقيد الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ويتعارض مع قانون البرلمان الإيراني بشأن البرنامج النووي، بل وقد يؤدي إلى تراجع إيران عن بعض الحقوق التي تكفلها لها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ودعت الصحيفة إلى استغلال مهلة الستين يوما لإجراء تعديلات جوهرية على نص الاتفاق، مع رفع تقرير واضح إلى المرشد والشعب.

أما صحيفة خراسان، فقد ركزت على العبارة التي أثارت أكبر قدر من الجدل في الرسالة، وهي قول المرشد أنه كان له رأي أخر بخصوص التفاوض مع أمريكا. ورفضت الصحيفة تفسير هذه العبارة على أنها تعكس فرض الاتفاق على المرشد، مؤكدة أن الإكراه لا يتحقق إلا إذا كان الطرف الآخر قد فرض عليه القرار، بينما المرشد أعلن بوضوح أنه هو من أصدر الإذن، واعتبرت أن الرسالة تمثل في الوقت ذاته دعما للحكومة، لكنها ليست شيكا على بياض، إذ تربط استمرار هذا الدعم بمدى التزام الحكومة بتنفيذ الشروط التي حددتها القيادة، كما تمنح المفاوض الإيراني موقفا أقوى في مواجهة الولايات المتحدة، لأنه يستطيع التأكيد أن جميع مؤسسات النظام تقف خلف مطالب موحدة.

Image

قراءات وتحليلات أخرى… بين دعم الحكومة وترسيخ معادلة الحذر

إلى جانب قراءات الصحف الأصولية، ظهرت مجموعة من التحليلات السياسية التي حاولت تفسير أبعاد الرسالة وانعكاساتها على مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. في هذا السياق، رأى محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، أن الرسالة تؤكد قبل كل شيء استمرار انعدام الثقة الكامل بالحكومة الأمريكية، ولا سيما بالرئيس الأمريكي، معتبرا أن واشنطن أثبتت، من خلال ما وصفه بالحروب والعمليات العسكرية ضد إيران، أنها لا تستحق الثقة. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المرشد، رغم امتلاكه رأيا مختلفا، سمح بالمفاوضات مراعاة للمصالح العليا للدولة.

Image

واعتبر باهنر أن الرسالة تجسد المبادئ الثلاثة التي قامت عليها السياسة الخارجية الإيرانية، وهي العزة والحكمة والمصلحة، مؤكدا أن الجمهورية الإسلامية لم تتخل يوما عن الحوار القائم على المنطق والعدالة، وأن السماح باستمرار المفاوضات يمنح الولايات المتحدة فرصة جديدة لتغيير سلوكها، كما يمثل اختبارا أمام المجتمع الدولي للتمييز بين الطرف المحق والطرف المخطئ.

وشدد باهنر على أن انعدام الثقة الذي ورد في الرسالة موجه إلى الولايات المتحدة فقط، وليس إلى المسؤولين الإيرانيين، داعيا جميع القوى السياسية والإعلامية إلى الالتفاف حول رئيس الجمهورية وفريق التفاوض، وتقديم صورة من الوحدة الوطنية، حتى يتمكن المفاوض الإيراني من الدفاع عن حقوق البلاد من موقع قوة.

وفي السياق ذاته، قدم الكاتب والمحلل اليمني العميد نبيل الجمل قراءة سياسية للرسالة، رأى فيها أنها تعكس هندسة دقيقة لتوزيع الأدوار بين مؤسسات الحكم في الجمهورية الإسلامية. فإعلان المرشد امتلاكه رأيا مختلفا يحافظ، بحسب الجمل، على الإطار العقائدي القائم على انعدام الثقة بالولايات المتحدة، بينما يمنح الإذن للحكومة مساحة للتحرك الدبلوماسي وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.

Image

وأضاف الجمل أن الرسالة تنقل المسؤولية السياسية والتنفيذية بوضوح إلى الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي، كما تؤكد أن مذكرة التفاهم ليست اتفاقا نهائيا، وإنما تفاهم مشروط، لا يجوز التعامل معه بوصفه تفويضا مفتوحا. واعتبر أن هذا النهج يمنع الولايات المتحدة من فرض شروط إضافية في المراحل المقبلة، كما يبعث برسالة طمأنة إلى حلفاء إيران، ولا سيما أطراف محور المقاومة، بأن أي تقارب تكتيكي مع واشنطن لن يكون على حساب مصالحهم.

ومن زاوية مختلفة، قدم مدير مركز إحياء السياسة للدراسات الاستراتيجية مهدي خراتيان قراءة أوسع للرسالة، معتبرا أنها لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع بين أربع اتجاهات فكرية داخل النخبة الإيرانية بشأن كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة. وميز خراتيان بين تيار يدعو إلى تطبيع العلاقات مع واشنطن، وآخر يرى ضرورة استغلال أي هدنة للاستعداد لجولة جديدة من الصراع، وثالث ينظر إلى المواجهة ضمن سياق التحولات الكبرى في النظام الدولي ويدعو إلى تعميق الشراكة مع الصين وروسيا بالتوازي مع الحوار مع الولايات المتحدة، ورابع يعتقد أن إيران أصبحت تمتلك من عناصر القوة ما يؤهلها لفرض شروطها دون الحاجة إلى تقديم تنازلات.

Image

ويخلص خراتيان إلى أن رسالة المرشد جاءت لضبط التوازن بين هذه الاتجاهات المختلفة، وإعادة التأكيد على أن أي تفاوض مع الولايات المتحدة يجب أن يظل محكوما بالثوابت الاستراتيجية للنظام، مع عدم إغلاق الباب أمام الاستفادة من الفرص السياسية التي قد تتيحها المرحلة الحالية.

وتكشف مجمل هذه القراءات أن رسالة المرشد لم تفهم داخل إيران باعتبارها مجرد موافقة على مذكرة تفاهم، بل باعتبارها وثيقة سياسية تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، قوامها الجمع بين المرونة التكتيكية والثبات الاستراتيجي. ففي حين منحت الحكومة مساحة للتحرك التفاوضي، شددت في الوقت نفسه على استمرار الشك في النوايا الأمريكية، وربطت مستقبل أي اتفاق نهائي بمدى التزام واشنطن بالتعهدات، وبالحفاظ على حقوق الشعب الإيراني ومصالح الجمهورية الإسلامية وحلفائها في المنطقة.

كلمات مفتاحية: