مفاوضات سويسرا بين إيران والولايات المتحدة… اختبار دبلوماسي تحت ضغط الحرب

لم تكن مفاوضات بورغنشتوك في سويسرا مجرد جولة جديدة في مسار طويل من الشد والجذب بين طهران وواشنطن، بل بدت أقرب إلى اختبار سياسي وأمني واسع النطاق لمرحلة ما بعد الحرب، ومحاولة لإدارة اشتباك متعدد الجبهات امتد من الملف النووي إلى لبنان، ومن العقوبات النفطية إلى مضيق هرمز. فقد جاءت هذه المحادثات في ظل بيئة إقليمية شديدة التوتر، بعد أسابيع من المواجهات العسكرية، ووسط وقف إطلاق نار هش، واتهامات متبادلة، وتهديدات أمريكية قابلتها طهران بتشدد واضح في شروطها قبل الدخول في أي تفاوض نهائي.

من تفاهم إسلام آباد إلى طاولة بورغنشتوك

بدأت الجولة السويسرية، الإثنين 22 يونيو/ حزيران 2026، بوصفها امتدادا مباشرا لمذكرة تفاهم إسلام آباد، التي وقعت بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستانية وقطرية، المذكرة التي وضعت إطارا أوليا لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، لكنها لم تكن في نظر طهران كافية بحد ذاتها. فالجانب الإيراني دخل مفاوضات سويسرا وهو يركز على تنفيذ التعهدات قبل الانتقال إلى صياغة اتفاق نهائي. ومن هنا جاء تشديد المتحدثين الإيرانيين على أن حضور الوفد إلى بورغنشتوك لم يكن هدفه التفاوض من الصفر، بل مطالبة واشنطن بتنفيذ بنود محددة، خصوصا وقف الحرب في جميع الجبهات، وعلى رأسها لبنان، ورفع القيود عن صادرات النفط، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

هذا وقد هبطت طائرة الوفد الإيراني في سويسرا برئاسة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، ووزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين من البنك المركزي وقطاع النفط، بينما حضر من الجانب الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، إلى جانب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. أما باكستان وقطر فحافظتا على دور الوسيط النشط، بحضور رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، إضافة إلى مسؤولين قطريين. ومنذ البداية، كان واضحا أن الاجتماع ليس تقنيا بحتا، بل يحمل وزنا سياسيا عاليا، إذ اجتمعت فيه ملفات الحرب، والطاقة، والملاحة، والبرنامج النووي، والعقوبات، والأمن الإقليمي.

Image

أجواء البداية عكست هذا التوتر، فقبل دخول الوفد الإيراني إلى قاعة الاجتماع، أصر على خروج وسائل الإعلام، رافضا ما اعتبره استعراضا أمريكيا أمام الكاميرات. وبعد ذلك بدأت المحادثات، لكنها سرعان ما اصطدمت بتصريحات تهديدية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حذر إيران من إغلاق مضيق هرمز ومن نشاط حلفائها في لبنان. وقد رد قاليباف بلهجة حادة، معتبرا أن التهديدات الأمريكية لا قيمة لها، وأن القوات الإيرانية مستعدة للرد. هذا السجال أدى إلى توقف الجلسة الرباعية بعد نحو ثمانين دقيقة، ثم غادر الوفد الإيراني مقر المفاوضات لفترة احتجاجا على الخطاب الأمريكي.

Image

مع ذلك، لم تنهر المحادثات بالكامل، فقد استمر تبادل الرسائل عبر الوسطاء القطريين والباكستانيين، وظلت المشاورات قائمة في الكواليس. وهنا برز الدور الحاسم للوساطة، إذ تمكنت الدوحة وإسلام آباد من منع التوقف الكامل للمسار، وتحويل الأزمة إلى جزء من عملية تفاوضية أوسع. وبحلول نهاية الجولة، أعلنت قطر وباكستان أن الأطراف اتفقت على خارطة طريق تمتد ستين يوما، وعلى تشكيل لجنة عليا للإشراف السياسي، وفتح مسار فني وخبرائي لمتابعة التفاصيل.

مخرجات مفاوضات سويسرا… خارطة طريق جديدة وملفات متشابكة

على الرغم من التوتر الذي رافق الساعات الأولى من اجتماعات بورغنشتوك، فإن الجولة الأولى انتهت بجملة من المخرجات التي عكست رغبة مشتركة في الإبقاء على المسار الدبلوماسي مفتوحا، حتى وإن بقيت الخلافات الجوهرية قائمة. فيما يمكن القول إن أبرز ما خرجت به هذه الجولة لم يكن التوصل إلى اتفاق نهائي، وإنما وضع إطار سياسي وتنفيذي واضح لاستكمال المفاوضات خلال المرحلة المقبلة، عبر آليات جديدة وجدول زمني محدد، الأمر الذي منح العملية التفاوضية للمرة الأولى منذ سنوات معالم أكثر تنظيما.

وكان أبرز هذه المخرجات الاتفاق على خارطة طريق تمتد ستين يوما، تتولى خلالها اللجان الفنية والخبراء معالجة الملفات الأكثر تعقيدا تمهيدا للوصول إلى اتفاق شامل بين الجانبين. واعتبر الوسطاء الباكستانيون والقطريون أن هذه الخارطة تمثل انتقالا من مرحلة المشاورات العامة إلى مرحلة التفاوض التنفيذي، بحيث لم يعد النقاش يدور حول المبادئ العامة فحسب، بل حول آليات التطبيق ومواعيده.

Image

ولتنفيذ هذه الخارطة، اتفق الطرفان على تشكيل لجنة سياسية عليا تتولى الإشراف على مجمل العملية التفاوضية، وتتابع مدى التزام كل طرف بما يتم الاتفاق عليه. وبحسب البيان المشترك، فإن رؤساء الوفود سيرفعون تقارير دورية إلى هذه اللجنة، التي ستتولى بدورها معالجة أي عقبات سياسية قد تعترض مسار المفاوضات، بما يمنح العملية قدرا أكبر من الاستمرارية ويحول دون انهيارها عند كل أزمة سياسية أو إعلامية.

وإلى جانب اللجنة العليا، اتفق على تشكيل أربع مجموعات عمل فنية متخصصة، تتولى كل منها ملفا محددا. فقد خصصت مجموعة للملف النووي الإيراني، وأخرى لرفع العقوبات الاقتصادية، وثالثة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، بينما أوكلت إلى المجموعة الرابعة مهمة الرقابة على تنفيذ الاتفاقات وتسوية الخلافات التي قد تنشأ أثناء التطبيق. ويمثل هذا التقسيم محاولة للفصل بين الملفات المختلفة، بما يسمح بتحقيق تقدم متواز فيها بدل ربطها جميعا بنتيجة واحدة.

ورغم أن الملف النووي بقي حاضرا في خلفية المفاوضات، فإن هذه الجولة لم تمنحه الأولوية المطلقة كما كان يحدث في الجولات السابقة. فقد أكدت مصادر إيرانية أن الجلسة الأولى لم تتناول البرنامج النووي بصورة مباشرة، بينما أشارت وسائل إعلام أمريكية إلى أن النقاش اقتصر على وضع الإطار العام للمفاوضات المقبلة، مع ترك التفاصيل الفنية لمجموعات العمل المختصة. وفي المقابل، تحدث مسؤولون أمريكيون عن إمكانية استئناف آليات الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني ضمن أي اتفاق نهائي، باعتبار ذلك أحد عناصر بناء الثقة بين الطرفين.

Image

ولم يقتصر جدول الأعمال على القضايا النووية والعقوبات، بل شهد الملف اللبناني حضورا غير مسبوق، حتى إن عدة تقارير أكدت أن الجلسة الافتتاحية خصصت بالكامل لمناقشة التطورات في لبنان. وأجمع مسؤولون من الجانبين على أن استمرار العمليات العسكرية هناك يشكل تهديدا مباشرا لمسار التفاوض بأكمله، وهو ما دفع الوسطاء إلى طرح آلية جديدة لخفض التصعيد. وبناء على ذلك، اتفق على إنشاء وحدة خاصة لمراقبة وقف إطلاق النار، تضم ممثلين عن الأطراف المعنية، بهدف متابعة تنفيذ الالتزامات ومنع تجدد المواجهات. ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الآلية بأنها الاختبار الحقيقي الأول لجدية التفاهمات التي خرجت بها اجتماعات سويسرا.

أما مضيق هرمز، فقد احتل بدوره موقعا متقدما في المفاوضات، ليس فقط باعتباره ممرا استراتيجيا للتجارة والطاقة، وإنما أيضا بوصفه أحد أبرز أسباب التصعيد بين الجانبين خلال الأشهر الماضية. وأسفرت المباحثات عن اتفاق مبدئي على إنشاء قناة اتصال مباشرة بين الأطراف، أو ما عرف إعلاميا بالخط الساخن، للتعامل مع أي حوادث قد تقع في المضيق، ومنع سوء التقدير الذي قد يقود إلى مواجهة عسكرية جديدة. كما تقرر لاحقا أن تستكمل إيران وسلطنة عمان النقاش حول مستقبل إدارة الملاحة في المضيق عبر لجنة مشتركة، في ظل تأكيد البلدين أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تراعي سيادتهما وحقوقهما القانونية.

Image

اقتصاديا، حملت الجولة مؤشرات اعتبرتها طهران خطوة أولى نحو تنفيذ المطالب الإيرانية. فقد أعلنت الولايات المتحدة إصدار إعفاء مؤقت يسمح لإيران بتصدير النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية حتى أغسطس/آب 2026، بالتوازي مع الحديث عن الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. ورغم أن هذه الإجراءات وصفت بأنها مؤقتة ومحدودة، فإنها مثلت، من وجهة نظر إيران، مؤشرا على استعداد واشنطن للانتقال من مرحلة الوعود السياسية إلى خطوات عملية يمكن البناء عليها في المفاوضات المقبلة.

كما انعكست هذه التطورات سريعا على أسواق الطاقة العالمية، إذ سجلت أسعار النفط ارتفاعا ملحوظا مع بداية المفاوضات نتيجة المخاوف من أي تصعيد في مضيق هرمز، قبل أن تهدأ الأسواق تدريجيا مع الإعلان عن استمرار الحوار والتوصل إلى آليات لتأمين الملاحة. وأكد مراقبون أن أي تقدم أو تعثر في هذا المسار ستكون له انعكاسات مباشرة على سوق الطاقة العالمي، نظرا لأن نسبة كبيرة من صادرات النفط تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.

وبذلك، أظهرت مخرجات بورغنشتوك أن المفاوضات تجاوزت الإطار التقليدي الذي كان يقتصر على البرنامج النووي، لتتحول إلى منصة تبحث ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والملاحة والاقتصاد في آن واحد، في محاولة لبناء تفاهمات أوسع قد تمهد لاتفاق سياسي شامل، إذا ما نجح الطرفان في تجاوز العقبات التي ما زالت قائمة.

تحديات المرحلة المقبلة… بين اختبار الالتزامات واستمرار الضغوط الإقليمية

رغم أن اجتماعات بورغنشتوك نجحت في الحفاظ على قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن، فإنها لم تخف حجم التحديات التي ما تزال تعترض الوصول إلى اتفاق نهائي. فقد كشفت مجريات المفاوضات أن الخلاف بين الطرفين لم يعد يقتصر على تفاصيل البرنامج النووي أو آليات رفع العقوبات، بل امتد ليشمل قضايا الأمن الإقليمي، ودور القوى الحليفة لإيران، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وهي ملفات متشابكة تجعل أي تقدم في أحدها مرتبطا بالتقدم في الملفات الأخرى.

ومنذ الساعات الأولى للمفاوضات، ظهر أن عامل الثقة لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام أي تفاهم مستدام. فإيران شددت على أن الدخول في المرحلة النهائية من التفاوض مشروط بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها الواردة في مذكرة تفاهم إسلام آباد، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. وأكد المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرة أن طهران لم تعد تكتفي بالضمانات السياسية أو التعهدات الشفوية، بل تطالب بإجراءات عملية قابلة للتحقق، معتبرين أن أي تفاوض حول الاتفاق النهائي لن يبدأ قبل تنفيذ هذه الالتزامات بصورة ملموسة.

Image

في المقابل، واصلت الإدارة الأمريكية التأكيد على أن نجاح المفاوضات مرهون أيضا بالتزامات إيرانية، خصوصا فيما يتعلق بالبرنامج النووي، والرقابة الدولية، والاستقرار الإقليمي. وأكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن المفاوضات الحالية لن تحل جميع الخلافات دفعة واحدة، لكنها تهدف إلى وضع أسس دبلوماسية تسمح بمعالجة القضايا العالقة تدريجيا. كما شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة، على أن بلاده لن تتهاون مع أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز أو مع أي تصعيد من جانب حلفاء إيران في المنطقة، وهي تصريحات قوبلت بردود إيرانية حادة اعتبرت أن لغة التهديد تتناقض مع مسار التفاوض.

ويبرز الملف اللبناني بوصفه أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، بعدما تحول من قضية إقليمية إلى عنصر رئيسي في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، حيث أصرت طهران على أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان يتعارض مع روح مذكرة التفاهم، واعتبرت أن وقف الحرب هناك يمثل شرطا أساسيا لاستمرار العملية التفاوضية. في المقابل، سعت الولايات المتحدة والوسطاء إلى إنشاء آليات رقابة وخفض للتصعيد، في محاولة لمنع أي مواجهة جديدة قد تنسف ما تحقق في سويسرا. وبذلك أصبح نجاح آلية وقف إطلاق النار في لبنان بمثابة الاختبار الأول لمدى قدرة الأطراف على الالتزام بما تم الاتفاق عليه.

ولا يقل مضيق هرمز أهمية عن الملف اللبناني، إذ احتفظ بموقعه كأحد أبرز عناصر التفاوض والضغط في آن واحد. فالمحادثات لم تقتصر على ضمان حرية الملاحة، بل امتدت إلى بحث ترتيبات مستقبلية لإدارة حركة السفن والخدمات المرتبطة بها، من خلال حوار منفصل بين إيران وسلطنة عمان باعتبارهما الدولتين المطلتين على المضيق. كما جاء الاتفاق على إنشاء نقطة اتصال أو خط ساخن للتعامل مع أي حوادث محتملة ليعكس إدراكا مشتركا لخطورة أي سوء تقدير قد يؤدي إلى أزمة عسكرية جديدة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الوقت نفسه، لم تغب الضغوط الإقليمية والدولية عن المشهد، حيث أبدت إسرائيل قلقها من أن تؤدي التفاهمات الجديدة إلى تقليص هامش تحركها في لبنان، بينما رحبت روسيا بالمفاوضات وأعربت عن أملها في أن تقود إلى نتائج بناءة، في حين واصلت قطر وباكستان أداء دور الوسيط الضامن لاستمرار الحوار، وهو الدور الذي حظي بإشادة من مختلف الأطراف المشاركة.

Image

كشفت مفاوضات بورغنشتوك أن العلاقات الإيرانية الأمريكية دخلت مرحلة مختلفة عن الجولات السابقة، إذ لم تعد تقتصر على مناقشة البرنامج النووي، بل أصبحت تتناول شبكة واسعة من القضايا السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والإقليمية. ورغم استمرار الخلافات العميقة، فإن الاتفاق على خارطة طريق لمدة ستين يوما، وتشكيل لجنة سياسية عليا، وإنشاء فرق عمل فنية، ووضع آليات للرقابة وتسوية الخلافات، يمثل مؤشرات على رغبة الطرفين في إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا، ولو بحدوده الدنيا.

كلمات مفتاحية: