أبرز إنجازات حكومة الوفاق الوطني في الساحة الداخلية

أجرت صحيفة “آرمان امروز“، مساء الأحد 24 أغسطس/آب 2025، حوارا مع هادي أعلمي فريمان، الخبير السياسي، حول أداء حكومة الرئيس مسعود بزشكيان خلال الفترة الماضية، مبرزا أهم التحديات والضرورات التي تواجهها.

استهلت الصحيفة الحوار بتأكيد أنه مع دخول حكومة الوفاق الوطني عامها الثاني، يظهر من استعراض أدائها في مجال السياسة الداخلية أنها حققت جملة من الخطوات الإيجابية إلى جانب بعض أوجه القصور.

وذكرت أن من أبرز هذه الخطوات، توسيع صلاحيات المحافظات ومنحها مجالا أوسع من حرية العمل، وهو إجراء يمكن أن يسهم في تعزيز الإدارة المحلية والقدرة على تلبية احتياجات المواطنين. 

وأضافت أنه من جانب آخر، فإن اختيار وتعيين مدراء من مختلف المكوّنات الاجتماعية، بما في ذلك الأقليات القومية والدينية، فضلا عن التنوع اللغوي والسياسي والاجتماعي، يعكس اهتمام الحكومة بمبدأ المشاركة الشاملة.

وتابعت أن مكانة المرأة في الإدارة والقيادة قد حظيت باهتمام واضح، من خلال تعيينها في مواقع مختلفة، ما يُعد من النقاط البارزة في سجل هذه الحكومة. وفي ميدان الحقوق المدنية، لقي رفع الإقامة الجبرية عن المرشح الرئاسي الأسبق مهدي كروبي، إلى جانب التخطيط لإنهاء إقامة مير حسين موسوي، صدى واسعا لدى الرأي العام.

وأشارت إلى أنه مع ذلك، تُظهر التقييمات أن الحكومة ما زالت متأخرة في مجال السياسة الداخلية مقارنة بما حققته على صعيد الدبلوماسية، فالمجتمع المدني الإيراني، بتعدد طبقاته واتجاهاته، ما زال يحمل الكثير من التطلعات التي لم تتحقق، كما أن بعض مظاهر الاستياء في هذا الصدد لا تزال قائمة، كذلك لم تتمكّن الأحزاب حتى الآن من استعادة مكانتها ودورها المنشود في الحياة السياسية للبلاد.

ولفتت إلى أن تأجيل انتخابات المجالس المحلية يُعَد إحدى نقاط الضعف في عهد حكومة بزشكيان، رغم أن قرار إجراء الانتخابات في طهران وفق النظام النسبي يُعتبر خطوة إيجابية وتجربة جديدة يمكن أن تسهم في تعزيز المشاركة السياسية.

وأوضحت أن الخبراء يرون أن نجاح الحكومة في عامها الثاني يتطلب منها، إلى جانب الحفاظ على ما تحقق من إنجازات، أن تتابع خطوات أكثر تحديدا في مجال السياسة الداخلية، فالتجاوب مع مطالب المجتمع المدني، ومعالجة أوجه القصور المتعلقة بالأحزاب، وتعزيز المؤسسات الشعبية، كلها قضايا من شأنها أن تبرز أداء الحكومة في هذا المجال.

وانتقلت إلى ما قاله أعلمي فريمان، إذ صرح في مستهل حديثه بأنه “قد مرّ نحو عام على رئاسة بزشكيان، ودخلت هذه الحكومة عامها الثاني، وخلال هذه الفترة شهدنا تحولات كبيرة في مجالات السياسة الداخلية والخارجية. بعض هذه التحولات كان خارج نطاق سيطرة الحكومة، وبعضها الآخر مرتبط بالسياسة الخارجية، فيما يشكّل جزء منها إرثا من مشكلات الماضي، مثل اختلالات قطاع الطاقة، وتوقف الاستثمارات الداخلية والخارجية، والأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المتراكمة من الحكومات السابقة، وفي الواقع يمكن القول إن بزشكيان ورث وضعا شبه منهار، وإن مجرد تمكنه من اجتياز العامين الأولين لحكومته يُعد إنجازا بحد ذاته”.

وأضاف مشيرا إلى السياسة الداخلية وخطة “الوفاق الوطني: “يبدو أن هذه الخطة، التي طرحتها الحكومة، كانت في جوهرها بمثابة تنازلات للتيار الأصولي المتشدد، غير أن هذه الخطة لم تكن مجدية وما زالت كذلك، إذ ما زلنا نشهد هجمات عنيفة ومتواصلة من المتشددين ضد الحكومة. بل إنهم ذهبوا إلى حد توجيه انتقادات قاسية للرئيس، ومقارنته بأول رئيس لإيران بعد الثورة الإسلامية (أبو الحسن بني صدر)، وطرح موضوع عزله”. 

وأشار إلى أنه “في ظل هذه الظروف يبرز سؤال أساسي: لماذا ينبغي للرئيس أن يقدّم تنازلات لهذه الجماعات؟ فإذا كان الهدف تحقيق وفاق، فلا بد أن يتم ذلك في إطار الحوار ووضع برامج عمل مشتركة، وصولا إلى التفاهم وإرساء الهدوء في الساحة الداخلية”.

وتطرق أعلمي بعد ذلك إلى ملف البرنامج والموازنة قائلا: “إحدى القضايا المهمة هي مسألة توزيع الاعتمادات، فهذا الموضوع من المطالب المزمنة للشعب والنخب السياسية منذ سنوات، ففي كل عام تُنشر جداول تُظهر أن بعض الأجهزة، التي تمارس أحيانا أعمالا متكررة أو لا تتجاوز كونها ذات وظيفة دعائية، تحصل على حصة كبيرة من الاعتمادات، في حين لا تحقق إنتاجية واضحة”. 

وذكر أن الناس يتوقعون أن تُقدم الحكومة بشجاعة على وقف هذه الاعتمادات عديمة الجدوى وتوجيه الموارد نحو أماكن أكثر نفعا، وقد أشار الرئيس بزشكيان مؤخرا إلى هذه المسألة. 

وقال إنه على منظمة التخطيط والموازنة أن تقيّم حصيلة عمل هذه الأجهزة، وإذا لم تكن لها إنجازات ملموسة، يجب وقف موازناتها، مثل هذا الإجراء من شأنه أن يعزز كفاءة الجهاز التنفيذي للدولة.

وأضاف قائلا: “اليوم تواجه البلاد قضية خطيرة تتعلق بتفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات الأممية، وإذا عادت هذه العقوبات، فإنها ستؤدي إلى إضعاف النظام السياسي وفرض تكاليف باهظة على البلاد، وللأسف، تتعامل الحكومة مع هذا الملف بحذر مفرط وبشكل سلبي، وتعتمد فقط على احتمال دعم روسيا والصين، في حين أن مثل هذا الدعم غير مضمون. يجب على الحكومة أن تدخل هذا الملف بشجاعة أكبر، وأن تستفيد من الطاقات الشابة والخبراء الأكفاء لإيجاد حل جذري لهذه الأزمة”.

ورأى هذا الخبير السياسي أن ضعف أداء بعض أعضاء الحكومة يمثل تحديا آخر، وقال: “بعض الوزراء والمديرين يفتقرون إلى الكفاءة المطلوبة، ولا يبدون قدرا كافيا من الانسجام مع الحكومة، ومن المتوقع أن يقوم الرئيس بتعديل وزاري يستبعد من خلاله العناصر غير الفاعلة، ويستعين بكفاءات وخبرات قادرة على النهوض بالحكومة، والمحافظات، وسائر الأجهزة التنفيذية”.

وفي جانب آخر من حديثه تناول القضايا الثقافية، إذ صرح بأن مسألة الرقابة على الكتب ما تزال جرحا قديما في جسد الثقافة والأدب في البلاد، ومن المنتظر من رئيس جمهورية إصلاحي أن يتعامل مع هذا الملف بشجاعة أكبر.

وأشار إلى أن تعزيز الأحزاب ودعم الحريات المدنية يجب أن يكونا ضمن الأولويات الجادة، فقد واجه البيان الأخير لجبهة الإصلاحات ردود فعل حادة وإهانات، في حين أن القانون يكفل للأحزاب حق إصدار البيانات وطرح وجهات نظرها. كان من المفترض أن تدافع وزارة الداخلية عن الحريات المدنية وحقوق الأحزاب، لكنها ما زالت تنتهج أسلوبا محافظا.

وختم أعلمي فريمان بالقول إن الوقت قد حان لأن يتابع بزشكيان وعوده وشعاراته الانتخابية بقدر أكبر من الجرأة، فالاكتفاء بطرح الرؤى دون خطوات عملية وتنفيذية سيؤدي إلى إحباط الناس، فالرئيس بحاجة إلى كوادر شجاعة وكفؤة تستطيع إحداث تحول على الأقل في البيروقراطية والأداء التنفيذي، وإذا عجزت الحكومة أيضا في هذه المجالات، فإن آمال الشعب في التغيير والإصلاح ستتضاءل بشكل حاد.