أخصائي نفسي: السلوك السياسي الفعّال يبدأ بفهم أنماط الشخصيات لا الشعارات

دونالد ترامب- منصات التواصل

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الجمعة 4 يوليو/تموز 2025، حوارا أجرته مع محمد رضا إيماني، الأخصائي في علم النفس وتحليل السلوك، حول السلوكيات الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتأثيرها على السياسة الدولية، وسبل التعامل معها من منظور علم السلوك.

وفي ما يلي نص الحوار:

بشكل عام، كيف يتم تصنيف البشر وفقا لأنماط السلوك؟

لدينا مفهوم يُعرف بـعلم تحليل السلوك يقوم على أساس أنماط السلوك المختلفة. وفي هذا النهج، تُحلَّل السلوكيات عبر 120 طبقة مختلفة، وتم تحديد 15 نمطا سلوكيا. ونحن نعرف تماما من هو شخص مثل ترامب، ما هي صفاته، ما هو نمطه السلوكي، كيف يجب التعامل معه، كيف ينبغي التفاوض معه، كيف يمكن التواصل معه، ما الأمور التي ينبغي قولها له، وما الأمور التي يُفترض تجنب قولها.

والسؤال الحقيقي هو: هل نستخدم علم تحليل السلوك وفهم الأنماط السلوكية عند التعامل مع مثل هذه الشخصيات؟ وهل نستفيد من هذا العلم في المفاوضات، في بناء العلاقات، أو في الرسائل والإشارات التي نرسلها؟

الجواب: نعم، في العديد من الدول، يوجد مستشارون يرافقون الساسة ويقدّمون لهم إشارات وتوصيات قائمة على هذا النوع من التحليل، لأن هذه الأنماط السلوكية تكتسب أهمية كبيرة لديهم. ونحن نستخدم هذه الأنماط السلوكية في مجالات متنوعة مثل اكتشاف المواهب، والتواصل، والتسويق، والمبيعات، بل وحتى في الزواج، واتخاذ القرارات الكبرى، وإدارة الأعمال.

وإذا أردنا الحديث ضمن هذا الإطار، فإن الموضوع علمي تماما ويمكن مناقشته بدقة وبشكل موثوق. لكن في ما يخص ملامح شخصية ترامب، فالأمر يختلف قليلا، إذ تدخل فيه عناصر من الحدس. فبعض الأمور يمكن استنتاجها من ملامح الوجه، لكن أمورا أخرى لا يمكن معرفتها بهذه الطريقة، لأن بعض الأشخاص قد يُخفون بعض سماتهم الحقيقية.

استنادا إلى أي نموذج يمكن تحليل سلوك الأفراد بدقة أكبر؟

وفقا لعلم تحليل السلوك الحديث، نحن نتعامل مع مخرجات سلوك الأفراد. وتظهر هذه المخرجات السلوكية في عدة جوانب: في طريقة المشي، والجلوس، والنهوض، والمحادثات، وطريقة اللباس، وكذلك في أسلوب التواصل والتفاعل مع الآخرين.

وعند تحليل هذه السلوكيات، نولي اهتماما لتعبيرات الوجه، وحركات اليد، ونوع الملابس، وأسلوب المصافحة، وطريقة الوقوف. ثم نقوم بمطابقة هذه الملاحظات والبيانات مع النتائج المتوقعة من الشخص. وفي علم تحليل السلوك، هناك أربعة مكونات أو مؤشرات أساسية تُعرف بنموذج DISC.


ما أنماط السلوك في نموذج DISC (دي-آي-إس-سي) المعروف اختصارا بديسك؟

      في هذا النموذج، نقوم بتقييم 15 نمطا سلوكيا. الأشخاص من النمط (D)Dominance)) أو المهيمن، هم أولئك الذين يسعون إلى فرض السيطرة، ويريدون أن يكون كل شيء تحت إدارتهم وتحكمهم.

أما الأشخاص من النمط (I) Influence)) أو المؤثر، فهم يسعون إلى التأثير في الآخرين. ويتميّزون في الحديث، والروح المرحة، والميول الفنية، وأسلوب التواصل الذي يتّبعونه. وحتى طريقة لباسهم تكون مختلفة. فهؤلاء الأفراد غالبا ما يتبعون أسلوبا سلوكيا غير تقليدي وخارجا عن المألوف. على سبيل المثال، نرى بعض أصحاب الشخصيات الفنية يرتدون ملابس مميزة، أو يضعون وشوما، وهي أمور لا يختارها الجميع.

والأشخاص من النمط (C) (Conscientiousness)) أو المدققون/الحريصون يتميّزون باللباقة والتهذيب العالي. ويتصرّفون بشكل دبلوماسي للغاية، ويتمتعون بالحذر والدقة، ويُولون أهمية كبيرة للمعايير والمقاييس. وغالبا ما نجدهم في المجالات الفنية أو التقنية، حيث يكونون شديدي التركيز، ولا يتحدثون كثيرا، ويراقبون كل التفاصيل، ويلتزمون بالقوانين واللوائح بدقة شديدة.

أما الأشخاص من النمط (S) (Steadiness)) أو الثابتون، فهم أصحاب حسّ عال بالواجب والمسؤولية. وكثيرا ما يلعبون دورا بارزا في جمعيات حماية البيئة، ورعاية الحيوانات، أو في أقسام الموارد البشرية. ويُعطون أهمية كبيرة للعلاقات الإنسانية، ويتّسمون بالودّ الكبير، والإيثار، والتفاني في خدمة الآخرين.

كلّ واحد من هذه الأنماط السلوكية يحمل معانيه الخاصة في سياقه المناسب. ولا يمكن القول إن أحدها أفضل من الآخر، فهي جميعها جيّدة إذا وُضعت في المكان الصحيح، لكنّها قد تبدو غير مناسبة إذا تم استخدامها في غير محلها.

في أي نمط سلوكي يندرج شخص يتمتع بصفات مثل ترامب؟

إن الشخص الذي يتمتّع بخصائص شخصية مشابهة لترامب، والذي يجمع بين نمطي D (المُهيمن) وI (المؤثّر) في نموذج ديسك، هو شخص يُطلق تصريحات لاذعة وساخرة، ويسعى من خلال كلامه إلى جذب الانتباه والتأثير على الآخرين. ويمكن القول إن الأصدقاء والفريق المحيط به مهمّون جدا بالنسبة له. فهو شخص شديد الحماس والانفعال، ويحبّ أن يكون كلّ شيء تحت سيطرته، ويبحث دوما عن المديح والاهتمام ويريد أن يكون مرئيا ومُعترفا به.

وهذا النوع من الأشخاص يريد تنفيذ الأمور بسرعة والوصول إلى نتائج ملموسة، لكن حين لا يحقّق النتيجة المرجوّة، يُواجه صعوبات وتحدّيات. وإذا حاول شخص أو جهة ما أن تتحكم به أو تُظهِر له عيوبه ومواطن ضعفه، خاصة علنا أو على المستوى الدولي، فإنّه يردّ بعنف، بل وقد يتسبب بمشاكل.

وفي التعامل مع هذا النوع من الشخصيات، يجب أن يكون الأسلوب واضحا ويجمع بين إظهار القوة والقدرة على التفاوض. فهؤلاء يقدّرون أسلوب رابح-رابح في التفاوض؛ أي ينبغي أن يشعروا بأنّ مصالحهم مُصانة، وفي الوقت نفسه، أن الطرف الآخر أيضا يحصل على مكاسب.

وإذا تمّ التعامل مع هذا النوع من الشخصيات وفق أسلوب سلوكي مدروس، مع شيء من الحنكة السياسية وضبط النفس، فإن ذلك يمكن أن يكون مفيدا جدا. لكنّ بعض الأشخاص، حين يتفاعلون مع هذه الشخصية، يقعون في التناقض أو يتصرّفون بشكل مُبهم وغير مباشر، وهو ما لا يروق لهؤلاء الأفراد.

وعلى سبيل المثال في الساحة الدبلوماسية، يُعتبر أسلوب اللباس الذي يعتمده الرئيس الأوكراني زيلينسكي غير مناسب بحسب الأعراف الدبلوماسية. أما ترامب، فهو شخص يُحب الظهور بمظهر القوي، ويهتم بأناقته، ويرتدي علامات تجارية فاخرة، ويريد أن يكون لافتا للأنظار. 

كما أن الأشخاص الذين يتعاملون معه من موقع قوة يروقون له، ويجدهم جديرين بالاحترام بل ويحبهم. فعلى سبيل المثال، علاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت جيدة جدا، لأنه تعامل معه من موقع قوة.

وفي المقابل، من يظهر بمظهر الضعف أمامه لا يثير اهتمامه، بل قد يتجاهله تماما. فمثلا، إذا جلس إلى جانب شخص يتحدث من موقف ضعف، فهو لا ينظر إليه إطلاقا، حتى لو كان جالسا إلى يمينه. وهناك حالة رُصِدت، عندما كان زيلينسكي يتحدث بهدوء مع نائب ترامب، فتدخّل ترامب مباشرة في الحديث، وقام بتهديده صراحة والسخرية منه.

ما نقاط الضعف ومواطن الخلل لدى شخص مثل ترامب؟

إن هؤلاء الأشخاص لديهم شغف شديد بالظهور الإعلامي، ويحبون أن يُقال عنهم هذا هو من أنقذ العالم، أو هذا هو من أنجز هذه المهمة، أو هذا هو من حقق هذا المشروع. إنهم شخصيات تسعى دائما إلى إنهاء المهام وتحقيق النتائج.

وهذا النوع من الأشخاص، الذي يتصرف بطريقة مهيمنة جدا، لديه أيضا نقاط ضعف واضحة أو ما يُسمّى بكعب أخيل. فعندما يحصلون على مكاسب شخصية، يمكن أن يكونوا ودودين للغاية ويقدمون دعما كبيرا لأصدقائهم. ولكن دائرة الأصدقاء والمقرّبين تُحدَّد عندهم على أساس المنفعة. فهم يبذلون كل ما في وسعهم من أجل هؤلاء فقط طالما أن مصالحهم مضمونة. وإذا شعروا أن هذه المصالح لم تُلبَّ، فإنهم ينقلبون بالكامل ويقفون ضدك.

وعند تحليل سلوك مثل هذا الشخص، كأن يقول سأنسحب من الاتفاقيات الدولية أو سأنسحب من اتفاقية باريس، علينا أن ننتبه إلى خلفية هذا السلوك. فمثلا، اتفاقية باريس تركز على البيئة والاحتباس الحراري، وتُلزم الدول بالمشاركة في معالجته. أما هو، فيسعى فقط لتعظيم المصالح الاقتصادية والمالية للولايات المتحدة. وعندما يشعر أن هذه الاتفاقيات تقيده، فإن أسهل ما يفعله هو قلب الطاولة والخروج منها، وهذا ما فعله بالفعل.

ولكن بما أن قراراته تتخذ بسرعة، فهو يرتكب أخطاء كبيرة أحيانا. وقد يتراجع عنها بسرعة أيضا. على سبيل المثال، رفع التعريفات الجمركية، ثم عندما لاحظ الأضرار الاقتصادية على شركات كبرى مثل آبل، تراجع فورا وعاد عن قراره.

وفي ما يتعلق بالدول الأوروبية، نلاحظ تبعية مطلقة على الأقل في الظاهر. أليس هذا التوجه يتعارض مع ما وصفتَ به نمط شخصية ترامب الذي يحترم من يتعامل معه من موقع قوة؟ كيف تتمكن هذه الدول من الحفاظ على مصالحها رغم هذا الخضوع الظاهري؟

إن الأوروبيون يتعاملون بصبر مع شخصية مثل ترامب. فهم يضعون سياسات محددة، ويتفاوضون بهدوء، ولا يطرحون القضايا عبر الإعلام أو في المحافل العامة. بل يسعون، من خلال المفاوضات السرّية، إلى تأمين مصالحه هو أولا. وفي مثل هذه الحالة، يشعر ترامب أنه يمسك بورقة القوة، وأنه يسيطر على الأجواء الإعلامية، بينما في الكواليس تُلبّى مصالحه كما يريد.

ولكن، إذا تصدّى له أحد في الساحة الإعلامية، أو تجاهله، أو وجّه له إهانة أو شكّك فيه، فإنه يردّ بعنف شديد. وهنا يظهر الجانب الدبلوماسي من الأوروبيين الذين يتصرفون بحنكة. فعلى سبيل المثال، في بعض الحالات حين خرجت إسرائيل عن الإطار المتفق عليه، تعامل معها ترامب بشدة؛ ففي قضية محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هدّد صراحة بقطع المساعدات المالية إذا ما استمرت المحكمة، في مسعى منه للحفاظ على نتنياهو في السلطة.

فهذه الشخصيات، مثل ترامب، تسعى بقوة إلى تحقيق أهدافها ضمن أُطر جماعية، وتريد أن ترى نتائج ملموسة لما قامت به، وتتلقى ردود فعل واضحة بشأن ما أحرزته من نجاحات.

كيف يمكننا الاستفادة من علم تحليل السلوك في المجال السياسي؟

نحن في نقاشاتنا الدبلوماسية لا نستخدم تحليل السلوك وخصائص الأفراد بالشكل المطلوب. فعلم النفس يمكن أن يساعدنا كثيرا في اختيار الكلمات والتعابير وطريقة الخطاب والكتابة، حتى نعرف ماذا نقول، ومتى نقوله، وبأي أسلوب نقوله، لتقليل الأضرار والتبعات السلبية على أنفسنا.

إن إحدى المشكلات التي نواجهها في إيران هي كثرة التصريحات وتعدد المتحدثين. وعادة في العالم، لكل دولة ناطق رسمي للحكومة، وناطق باسم وزارة الخارجية، ووزير خارجية. وفي الحالات الخاصة، قد يتحدث وزير الدفاع أو المتحدث باسمه، أو يُدلي رئيس الجمهورية بتصريح حسب الظروف.

أما في إيران، فإن المرشد الأعلى علي خامنئي هو من يضع السياسات ويحدّد التوجهات، لكن مسألة مَن يتحدث مهمة للغاية. فعندما تتعدد التصريحات والآراء داخل البلد، ويظهر تباين واضح في وجهات النظر، فإن هذا قد يُفهم على أنه تعارض مع السياسات الأساسية للدولة، ويزيد من هشاشة موقفنا.

إن الدول الأخرى لا تعرف في هذه الحالة مع من تتعامل، أو ما الذي سيحدث في النهاية وسط كل هذا الضجيج. ونرى أن هذا التعدد في التصريحات له أثر فعلي. فأعضاء البرلمان، والساسة، وأساتذة الجامعات، بل وحتى وسائل الإعلام، كلّ يدلي برأيه.

والأهم في كل ذلك هو مصلحة البلاد العليا. فالتعدد في الآراء ليس أمرا سيئا من حيث المبدأ، لكن بالنظر إلى التحديات المعقدة التي نواجهها كدولة، فإننا نتحمل أثمانا باهظة نتيجة هذا التشتت.