- زاد إيران - المحرر
- 413 Views
تعيش إيران اليوم على وقع أزمة بيئية متفاقمة باتت تهدد ملامحها الطبيعية والاجتماعية في آنٍ واحد، فالمياه التي كانت يوماً رمزاً للحياة والخصب، تحولت إلى محور قلق وسبب اضطراب، بعدما ضرب الجفاف معظم أنهار البلاد، وتراجعت مخزوناتها الجوفية إلى مستويات خطيرة، وبينما تتعالى أصوات الخبراء محذرة من مستقبل مائي قاتم، تتواصل الضغوط الناتجة عن التغير المناخي، وسوء الإدارة، والتوسع الصناعي غير المنضبط، لتضع إيران أمام تحدٍّ مصيري، إما إنقاذ ما تبقى من مواردها المائية عبر إصلاح شامل وسياسات مدروسة، أو مواجهة واقع عطش يهدد الإنسان والطبيعة والهوية معاً.
فقد صرح نائب رئيس جامعة أصفهان الصناعية للشؤون البحثية، حميد رضا صفوي، الجمعة 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن زاينده رود، أحد أشهر أنهار إيران ويقع غرب إيران عند جبال زاجروس، ليس مجرد نهر، بل هو جزء من الهوية الثقافية والتاريخية لإيران الوسطى، وأن هذه الهوية إذا قدت، فسنواجه انهياراً ثقافياً وديموغرافياً ستكون عواقبه أخطر من أن تقتصر على أصفهان، بل ستمتد لتشمل البلاد بأكملها.

كما أوضح صفوي خلال مشاركته في الفعالية الخاصة التي جاءت باسم أصفهان تراث عالمي والتي أُقيمت في ختام المؤتمر الثاني والعشرين لجمعية أطباء الأسنان المتخصصين في طب الأسنان الترميمي، قائلاً: “إن تأثير هذا الجمع العلمي على مستوى البلاد كبير، وربما كانت مبادرة منظمي المؤتمر تهدف تحديدا إلى طرح قضية ذات أثر اجتماعي واسع على المستوى الوطني”.
وأضاف، مبيناً بعض الحقائق العلمية حول عواقب جفاف نهر زاينده رود: “عندما يتناقص استخدام مياه زاينده رود لأغراض الشرب والصحة العامة، فإن بعض العناصر الحيوية الموجودة في المياه، مثل الفلوريد، لا تصل إلى أجسام الناس، ويجب أن تتراوح نسبة الفلوريد المثلى بين 0.7 و1.2 ملليغرام في اللتر، إلا أن الاعتماد على المياه الجوفية جعل هذه النسبة تنخفض إلى أقل من 0.3 ملليغرام، مما أدى إلى ارتفاع معدلات تسوس الأسنان بين سكان أصفهان”.
وتابع نائب رئيس الجامعة: “من النتائج الأخرى ارتفاع المواد الصلبة الذائبة وخاصة الكالسيوم والمغنيسيوم، إذ يجب ألا تتجاوز النسبة المسموح بها 350 ملليغراماً في اللتر، بينما تجاوزت في بعض المناطق ضعف هذا الحد، مما أدى إلى زيادة الترسبات وتكون الجير على الأسنان، وهذه مجرد أمثلة على التأثيرات الجسدية، أما الآثار الأوسع فتشمل تلوث المعادن الثقيلة، وزيادة الأمراض، وتهديد الصحة العامة”.
وأشار صفوي إلى أن جفاف النهر الأهم في أصفهان ليس مجرد قضية مائية، بل يؤثر مباشرة في النفسية العامة للمجتمع، حيث أدى إلى انخفاض الحيوية الاجتماعية، وزيادة معدلات الاكتئاب، والجريمة، والطلاق، والانحرافات الاجتماعية، نتيجة تراجع دخول المزارعين وضعف الاقتصاد المحلي، وكلما انخفضت مداخيل المزارعين، زادت المشكلات الاجتماعية، مضيفاً أن للجفاف أبعاداً بيئية خطيرة أيضاً، حيث أوضح أنه تم تحديد أكثر من 130 نوعاً من النباتات والحيوانات المحلية على ضفاف النهر، والكثير منها مهدد بالانقراض، كما أدى اختفاء المواطن الطبيعية وتراجع الغطاء النباتي إلى جعل النظام البيئي في المنطقة هشاً للغاية”.

وأردف صفوي قائلاً: “في شرق أصفهان، أدى تراجع النشاط الزراعي إلى هجرة واسعة، وتزايد العشوائيات، وفقدان سبل العيش، وكانت الزراعة في هذه المنطقة تشكل حاجزاً طبيعياً أمام زحف الصحراء والعواصف الرملية، أما الآن فقد تسبب جفاف زاينده رود في تنشيط بؤر الغبار في بحيرة كاوخوني الجافة، وأصبحت الجسيمات الملوثة والمعادن الثقيلة تتناثر ضمن دائرة نصف قطرها نحو 500 كيلومتر، وتشير التقارير إلى زيادة ملحوظة في معدلات الإصابة بالسرطان في مناطق ورزنه والقرى المجاورة”.
وأكد صفوي: “نحن جميعاً نسعى في مجالاتنا المختلفة إلى تعزيز الصحة وتحسين الحياة، ولكن إن لم ننتبه إلى ينابيع الحياة وجودة البيئة فسنقع في فخ معالجة النتائج بدل الأسباب”.
أزمة نهر حمل الهوية
كان نهر زاينده رود لقرون طويلة القلب النابض لمدينة أصفهان، والشريان الذي يمدها بالحياة، فمن منابعه في جبال زاجروس إلى مصبه في بحيرة كاوخوني، كان النهر رمزاً للجمال والخصب، ومصدراً للشرب والزراعة والصناعة، وملهماً للفن والشعر والعمارة الإيرانية. لكن هذا النهر العظيم، الذي حمل في اسمه معنى الولادة وإحياء الأرض، أصبح اليوم نهراً يحتضر، ويختنق بين فكي الجفاف وسوء الإدارة.
ينبع زاينده رود من سفوح جبل زردكوه البختياري، أحد أهم سلاسل جبال زاجروس، ويمتد لمسافة تقارب 360 كيلومتراً عبر محافظات تشهار محال وبختياري وأصفهان وصولاً إلى كاوخوني، الذي كان حتى سنوات قليلة مضت من أغنى المستنقعات في إيران، وكانت مياهه تغذي أكثر من مائة ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتروي بساتين أصفهان وحدائقها التي منحت المدينة لقب المدينة البستان، كما وفرت مياهه الشرب لملايين السكان، وأسهمت في نمو الصناعة والتجارة.
على ضفافه قامت معالم خالدة، كجسر الثلاثة والثلاثين عمود، بجمال أقواسه، وجسر خواجو بزخارفه البديعة ومجالسه الملكية، جسر مارنان الذي رممه الأرمن، الجسر الخشبي الذي أمر ببنائه الشاه عباس الأول، وجسر شهرستان الساساني الذي يعد أقدم جسور النهر، وقد كانت هذه الجسور، بما تحمله من فن ومعمار، أكثر من ممرات فوق الماء، فقد صارت فضاءات لالتقاء الناس، وللاحتفالات والطقوس التي شكلت روح أصفهان عبر القرون.
منذ أواخر التسعينيات، بدأ التوازن المائي للحوض ينهار تدريجياً، فالتغيرات المناخية، وتراجع تساقط الثلوج في المنابع، وسنوات الجفاف المتكرّرة، قللت تدفق المياه من جبال زاجروس، ومع تزايد السكان والتوسع الصناعي، ارتفع الطلب على المياه بشكل غير مسبوق، ترافق مع ذلك سوء إدارة الموارد المائية، حيث شجعت الحكومة على مشروعات زراعية غير مستدامة، سمحت بزراعة الأرز ومحاصيل تحتاج إلى كميات هائلة من المياه في مناطق جافة بطبيعتها، كما سمحت بإقامة مصانع ضخمة مثل مجمع ذوب الحديد ومصفاة النفط في أصفهان التي تستهلك كميات هائلة من المياه دون نظام تدوير فعال.
في الوقت ذاته، نفذت مشاريع نقل المياه إلى مناطق أخرى، خصوصاً إلى محافظة يزد وبعض المدن الصناعية في كاشان وبروجن، وتشير الأرقام إلى أن نحو 140 مليون متر مكعب من مياه زاينده رود تحوَّل سنوياً إلى خارج الحوض لتغذية المصانع والمدن البعيدة، مما قلص حصص الزراعة والسكان المحليين.
ومع تراجع تدفق النهر، لجأ المزارعون والسكان إلى الآبار لتعويض النقص، فبين عامي 2006 و2011 فقط، حفرت أكثر من 9270 بئراً جديدة، وازداد متوسط عمقها بنحو خمسة أمتار، ما أدى إلى انخفاض حاد في منسوب المياه الجوفية، وتشير تقارير معهد الموارد المائية الإيراني إلى أن منسوب المياه الجوفية في أصفهان انخفض بأكثر من 12 مترًا خلال العقدين الأخيرين، وأن بعض المناطق تشهد هبوطاً أرضياً خطيراً يهدد المباني والبنية التحتية.
وتظهر صور الأقمار الصناعية أن مدينة أصفهان تهبط سنوياً بمعدل 5 إلى 10 سنتيمترات في بعض المناطق بسبب فراغات الطبقات الأرضية الناتجة عن ضخ المياه الجوفية. هذه الظاهرة التي كانت تُعرف نظريًا في الأبحاث، أصبحت الآن واقعًا ملموسًا يهدد مستقبل المدينة.
سوء التخطيط… والبحث عن حلول
أشارت معظم الدراسات إلى أن ما يعانيه زاينده رود ليس قدراً طبيعياً فحسب، بل نتيجة قرارات إدارية غير مدروسة، فعلى مدى عقود، جرى التعامل مع النهر كمورد اقتصادي يمكن التحكم به عبر السدود والتحويلات، دون اعتبار لتوازن الحوض البيئي، حيث يصرح خبراء البيئة بأن زاينده رود ليس خزاناً مائياً يفتح ويغلق، بل نظام بيئي له حقه المائي الطبيعي، وأن تجاهل هذا الحق أدى إلى انهيار السلسلة البيئية من الجبال حتى المستنقعات.
في مواجهة الأزمة، أطلقت الحكومة خطة تحت مسمى وثيقة إحياء زاينده رود، تشمل خمسة مسارات رئيسية هي: منع السحب غير القانوني للمياه في أعالي النهر وأسفله، تحسين أنظمة الري للحد من الهدر في الزراعة، إعادة استخدام المياه المعالجة في الصناعات الثقيلة بدلًا من المياه العذبة، نقل مياه البحر من خليج عمان لتغذية المنشآت الصناعية في أصفهان، وتخصيص حصة بيئية ثابتة للنهر والمستنقعات تقدر بـ 313 مليون متر مكعب سنوياً.
إلى جانب ذلك، تعمل وزارة الطاقة على تنفيذ مشروع سد كوهرنك 3 وأنفاق إضافية لتحويل المياه من مناطق غربية أكثر غزارة، لكن هذه الحلول تواجه انتقادات واسعة، إذ يرى مختصون أنها تزيد الضغط على أحواض أخرى بدل معالجة جوهر المشكلة وهو الاستهلاك المفرط وسوء توزيع المياه.
أزمة مياه شاملة
لا يعد نهر زاينده رود استثناءً للمشهد المائي في إيران، حيث تشهد البلاد في السنوات الأخيرة واحدة من أخطر أزماتها البيئية، إذ تتعرض مواردها المائية الطبيعية لضغط غير مسبوق بسبب التغير المناخي، وسوء الإدارة والتوسع السكاني والصناعي، وتقع أكثر من ثلثي أراضي البلاد في مناطق جافة أو شبه جافة، ومع ذلك تتزايد معدلات استهلاك المياه في الزراعة والصناعة بوتيرة تفوق قدرة الطبيعة على التعويض.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نحو 90% من المياه العذبة في إيران تستهلك في الزراعة، وغالبها بطرق تقليدية تهدر كميات ضخمة، في الوقت نفسه، تواجه البلاد موجات جفاف متكررة، وانخفاضاً حاداً في معدلات تساقط الأمطار والثلوج بنسبة تصل إلى 20% خلال العقدين الأخيرين، ما أدى إلى جفاف العديد من الأنهار والبحيرات مثل زاينده رود في أصفهان وبحيرة أرومية في شمال غرب البلاد.
كما تدهورت المياه الجوفية نتيجة الإفراط في حفر الآبار وسحب المياه بشكل غير منظم، إذ انخفض منسوبها في بعض المحافظات بما يزيد على عشرة أمتار، مسبباً هبوطاً أرضياً واسعاً يهدد المدن الكبرى كالعاصمة طهران وأصفهان، هذا التراجع انعكس أيضاً على الصحة العامة، مع زيادة ملوحة المياه وتلوثها بالمعادن الثقيلة في بعض المناطق الريفية.

ويؤكد الخبراء أن المشكلة لم تعد طبيعية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة إدارة ووعي، فالتنمية الزراعية غير المستدامة، والسياسات المركزية في توزيع المياه، ونقلها بين الأحواض المختلفة دون دراسات بيئية كافية، ساهمت في تفاقم العجز المائي، وتحذر المنظمات البيئية من أن استمرار هذا المسار قد يدفع إيران إلى أزمة عطش شاملة خلال العقد المقبل، ما لم تتخذ إجراءات عاجلة لإعادة هيكلة سياسات المياه، واعتماد تقنيات حديثة للري، وتشجيع الزراعة الذكية، والأهم، نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك بين المواطنين.

