أمن الخليج على حافة اختبار جديد: رسائل الردع الإيرانية وحدود المغامرة الأمريكية

Image

كتب: الترجمان

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب في غزة مع تصاعد التوترات على جبهات متعددة، يعود ملف أمن الخليج وممراته البحرية الحيوية إلى صدارة المشهد الدولي، ليس بوصفه قضية تقنية مرتبطة بحركة الطاقة والتجارة فحسب، بل كعنوان مركزي لصراع الإرادات بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. 

وفي قلب هذا المشهد، تسعى إيران إلى تكريس معادلة واضحة: أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، وأي محاولة لتجزئته أو احتكاره ستقود حتمًا إلى انفجار واسع النطاق.

الخطاب الإيراني في الأسابيع الأخيرة، كما تعكسه الصحف الرسمية وشبه الرسمية، لا يكتفي بتوجيه رسائل تحذير للولايات المتحدة وحلفائها، بل يعيد إنتاج سردية متكاملة حول موقع إيران الجيوسياسي، ودورها في ضمان استقرار الممرات البحرية، وحدود القوة الأمريكية في فرض وقائع أحادية. 

وبين التأكيد على نهج الصلح من جهة، والاستعداد للرد القاطع من جهة أخرى، يتبلور ما يمكن وصفه بـ”عقيدة الردع المتوازن” التي تحاول طهران ترسيخها في بيئة إقليمية مضطربة.

معادلة الأمن غير القابل للتجزئة

تصريحات محمد مخبر، مستشار ومساعد المرشد الإيراني علي خامنئي، تشكّل حجر الزاوية في هذا الخطاب. فالرجل يضع قاعدة صريحة: “الأمن والهدوء في المنطقة إما للجميع أو لا أحد”. 

هذه الصيغة، التي تبدو في ظاهرها شعارا سياسيا، تُقدَّم في الإعلام الإيراني كحقيقة جيوسياسية تحكم طبيعة الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان.

وفق هذا المنظور، فإن محاولة أي طرف فرض أمنه الخاص عبر تهديد أمن الآخرين، تشبه ـ بحسب التشبيه الإيراني المتكرر ـ نثر رماد الفوضى في الهواء، حيث لا يمكن التحكم في اتجاه الدخان ولا في حدود انتشاره. 

ومن هنا، ترى طهران أن السياسات الأمريكية القائمة على الحضور العسكري الكثيف، وبناء التحالفات الأمنية الإقصائية، تمثل جوهر المشكلة لا جزءا من الحل.

Image

إيران بوصفها فاعلا بنيويا في أمن الممرات البحرية

الصحف الإيرانية تشدد على أن موقع إيران الجغرافي يمنحها دورا بنيويا لا يمكن تجاوزه. فامتلاكها لأكثر من ألفي كيلومتر من السواحل على الخليج وبحر عمان، وتحكمها العملي في الضفة الشمالية لمضيق هرمز، يجعلها لاعبا رئيسيا في أي معادلة أمنية أو اقتصادية تتعلق بحركة الطاقة العالمية.

ويتم تقديم هذه الحقيقة ليس من باب التهديد، بل في إطار ما تصفه طهران بـ”المسؤولية التاريخية”. فإيران، وفق الخطاب الإعلامي، ليست دولة تبحث عن تعطيل التجارة أو ابتزاز العالم، بل ترى نفسها حارسا طبيعيا لاستقرار شريان الطاقة العالمي، شرط ألا يتحول هذا الشريان إلى أداة ضغط ضد مصالحها الوطنية.

نقد الوجود العسكري الأمريكي

من الثوابت البارزة في التغطيات الإيرانية، اعتبار أن الوجود العسكري الأمريكي لم يكن يوما عنصر استقرار. بل على العكس، ترى طهران أن عسكرة الخليج هي التي حولته إلى ساحة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وتستعيد الصحف الإيرانية محطات تاريخية متعددة، من حرب الناقلات في الثمانينيات، مرورا بغزو العراق، وصولا إلى التوترات الأخيرة في البحر الأحمر، لتؤكد أن كل موجات التصعيد الكبرى ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بسياسات واشنطن.

في هذا السياق، يتم تصوير الخطاب الأمريكي الأخير ـ الذي يلوّح بحماية الملاحة الدولية ـ بوصفه محاولة لإعادة تدوير الذريعة التقليدية، وتبرير استمرار الهيمنة العسكرية تحت لافتة “تأمين التجارة العالمية”.

الاقتصاد العالمي رهينة الاستقرار الإقليمي

تولي الصحف الإيرانية اهتماما خاصا للبعد الاقتصادي، باعتباره نقطة الضغط الأكثر حساسية بالنسبة للغرب. فمرور مئات المليارات من الدولارات سنويا من السلع والطاقة عبر الخليج ومضيق هرمز يجعل أي اضطراب في هذه الممرات مسألة تتجاوز الإطار الإقليمي إلى مستوى الأزمة العالمية.

ومن هذا المنطلق، تحاجج طهران بأن على القوى الكبرى أن تعيد حساباتها: فسياسات التصعيد قد تمنح مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنها تحمل في طياتها كلفة اقتصادية باهظة قد ترتد على الاقتصادات الغربية نفسها، التي تعاني أصلا من تبعات التضخم والحروب التجارية.

Image

بين الرسائل السياسية والقدرة الصلبة

اللافت في الخطاب الإيراني، كما تعكسه الصحف، هو المزج الدقيق بين اللغة السياسية الناعمة والإيحاء بالقوة الصلبة. فمن جهة، تؤكد طهران أنها دولة تريد الصلح، لا تسعى إلى الحرب، وتفضل الحوار والتفاهم الإقليمي. ومن جهة أخرى، تشدد على أن أي اعتداء على مصالحها سيقابل برد “قاسٍ ولا يُنسى”.

هذا التوازن في الخطاب يهدف، وفق القراءة الإيرانية، إلى منع سوء التقدير. فإيران لا تريد أن تُفهم بوصفها طرفا مترددا أو ضعيفا، كما لا تريد أن تُصوَّر دولة متهورة تبحث عن مواجهة شاملة.

الدعوة إلى نظام أمن جماعي إقليمي

أحد المحاور المركزية في التغطيات الإيرانية هو الترويج لفكرة إنشاء نظام أمن جماعي بين دول الخليج، دون تدخل القوى الخارجية. وتُقدَّم هذه الفكرة كبديل استراتيجي عن التحالفات العسكرية التي تقودها واشنطن.

وترى طهران أن دول المنطقة، بحكم تشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية، أقدر على صياغة ترتيبات تضمن الاستقرار طويل الأمد، بعيدا عن أجندات القوى الكبرى التي تتغير بتغير الإدارات والحسابات الداخلية.

جدير بالذكر أن التوترات في الخليج، لا تنفصل، في القراءة الإيرانية، عن الحرب الدائرة في غزة. فالصحف تعتبر أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل هو العامل الأساسي في توسيع رقعة التوتر في المنطقة.

ومن هذا المنظور، فإن أي تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر يُقرأ بوصفه جزءا من مشهد إقليمي واحد، عنوانه الأكبر هو محاولة فرض معادلة جديدة بالقوة، تقابلها معادلة مضادة تقودها قوى محور المقاومة.

حسابات واشنطن المعقدة

رغم نبرة التحدي في الخطاب الإيراني، لا تغفل الصحف الإشارة إلى تعقيد الحسابات الأمريكية. فواشنطن، بحسب هذه القراءة، تدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران يحمل مخاطر هائلة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد الظهور بمظهر العاجز عن حماية مصالحها وحلفائها.

وهذا التناقض يفسر، وفق الإعلام الإيراني، سياسة “الضغط دون الانفجار”، أي التلويح بالقوة وتكثيف الوجود العسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تطرح الصحف الإيرانية عدة سيناريوهات محتملة:

الأول، استمرار حالة الشد والجذب الحالية، مع بقاء التوتر تحت سقف المواجهة المباشرة.

الثاني، حدوث احتكاكات محدودة قد تؤدي إلى جولات تصعيد قصيرة، يتم احتواؤها بسرعة عبر وساطات إقليمية ودولية.

الثالث، وهو الأخطر، انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة نتيجة خطأ في الحسابات أو عملية مفاجئة ذات طابع استراتيجي.

غير أن الترجيح الإيراني يميل إلى السيناريوين الأولين، انطلاقا من قناعة بأن كلفة الحرب الشاملة ستكون أعلى من قدرة أي طرف على تحملها.

معركة الإرادات وحدود القوة

في المحصلة، يعكس الخطاب الإعلامي الإيراني مقاربة تقوم على تثبيت معادلة ردع جديدة في الخليج: لا أمن دون إيران، ولا استقرار مع سياسات الإقصاء. وبينما تحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها التقليدي، تسعى طهران إلى فرض واقع إقليمي متعدد الأقطاب، تكون فيه دول المنطقة صاحبة الكلمة الأولى.

المواجهة، في جوهرها، ليست مجرد صراع على ممرات مائية أو ترتيبات أمنية، بل معركة إرادات حول شكل النظام الإقليمي المقبل. وحتى تتضح ملامح هذا النظام، سيبقى الخليج ساحة اختبار مستمرة، تتجاور فيها رسائل التهدئة مع إشارات الردع، في انتظار لحظة الحسم أو لحظة التسوية الكبرى.