- محمود شعبان
- 494 Views
أفاد موقع “تجارت نيوز” بأن التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل، وما ترتب عليه من تقلبات حادة في أسعار النفط، أعادا إلى الواجهة هشاشة أمن الطاقة الأمريكي، رغم ما يُروّج له من “استقلال” تحقّق بفعل الطفرة في إنتاج النفط الصخري.

أسعار النفط
قال الموقع إن دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، أعرب عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن قلقه العميق من ارتفاع أسعار النفط، والذي قفز بنسبة تقارب 20% مقارنة بالمستوى الذي كان عليه قبل اندلاع المواجهة بين إسرائيل وإيران.
وأوضح أن ترامب، حتى قبل تنفيذ الهجمات الإيرانية الانتقامية على قاعدة “العديد” الأمريكية في قطر، كان قد طالب بخفض فوري في إنتاج النفط، محذرا العاملين في هذا القطاع بوجوب “الإبقاء على أسعار النفط منخفضة”.
وأضاف الموقع أن الساسة في الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة لطالما أبدوا تخوفهم من التأثيرات السياسية والاقتصادية للحرب على أسعار البنزين، غير أن تحذيرات ترامب كانت لافتة للنظر، لأنها جاءت متناقضة تماما مع تصريحه الذي أطلقه عقب الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2020، حين قال إن “أمريكا مستقلة ولا تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط”.
وتابع أن مجلة “فورين بوليسي” أشارت إلى أن أبرز درس يمكن استخلاصه من المواجهة التي استمرت أسبوعين بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يتمثل في أن موقع أمريكا الجديد كأكبر منتج للنفط في العالم لا يعني استقلالا حقيقيا.
وبيّن الموقع أنه قبل نحو شهر واحد فقط، كانت أسعار النفط قد انخفضت إلى حد بلغ نحو 60 دولارا للبرميل، ما دفع مديري شركات النفط إلى التحذير من نهاية ازدهار صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان فيه ترامب يصر على تنفيذ وعده بـ”تحرير” الإنتاج المحلي، إلا أن الأسابيع الأخيرة، ومع تبادل الضربات الصاروخية في منطقة الشرق الأوسط، شهدت ارتفاع الأسعار إلى نحو 80 دولارا للبرميل.
وذكر أن الخبراء توقعوا حينها أن أسعار البنزين قد ترتفع بمقدار يتراوح بين 20 و30 سنتا للجالون، قبل أن تعود إلى مستويات ما قبل الأزمة مع انحسار وتيرة الاشتباكات.

تقليل استهلاك النفط
أوضح الموقع أن المواجهة التي لم تتحقق على أرض الواقع كشفت عن حقيقة مفادها أن أفضل وسيلة لحماية السائقين والشركات من الارتفاعات الحتمية في الأسعار، ليست في زيادة الإنتاج فقط، بل في تقليل استهلاك النفط.
وأضاف أن برامج الجمهوريين تتضمن حوافز وتنظيمات قد تُسهم في تعزيز أمن الطاقة في الولايات المتحدة من خلال خفض الطلب على النفط، إلا أن استهلاك النفط في البلاد يشهد ارتفاعا سنويا متواصلا.
وذكر أنه خلال العقدين الماضيين، شهدت الولايات المتحدة تحولا غير مسبوق، إذ انتقلت من استيراد 60% من حاجتها النفطية إلى أن أصبحت مُصدّرا صافيا للنفط.
وفي سياق هذا التحول، يرى العديد من الخبراء والساسة، بمن فيهم ترامب، أن الولايات المتحدة حققت هدفها القديم المتمثل في الاستقلال في مجال الطاقة، ولم يعد هناك ما يستدعي القلق من مخاطر إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط أو مناطق أخرى.
وتابع أن من الصحيح القول إن ثورة النفط الصخري جلبت مكاسب اقتصادية وجيوسياسية هائلة للولايات المتحدة، وساعدت في السنوات الأخيرة، بما في ذلك خلال هذه الأزمة، على السيطرة على أسعار النفط، إلا أن الحديث عن “الاستقلال الحقيقي” لا يعدو كونه أسطورة.
فأسعار النفط والبنزين ما زالت تُحدد في الأسواق العالمية، وحتى وإن لم تعد الولايات المتحدة مستوردا صافيا للنفط (إذ إنها عمليا لا تزال تستورد وتصدر كميات كبيرة منه)، فإن أي خلل في إمدادات النفط في أي بقعة من العالم سيؤدي مجددا إلى ارتفاع الأسعار في محطات الوقود داخل أمريكا.
أوضح الموقع أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم أدوات أقل لمواجهة التداعيات الاقتصادية للارتفاعات الحادة في أسعار النفط.
وأضاف أن الكونغرس، خلال السنوات الأخيرة، باع جزءا كبيرا من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط الأمريكي، في خطوة اعتُبرت خطأ، استنادا إلى الاعتقاد الخاطئ بأن انخفاض معدلات الاستيراد سيحمي البلاد من تقلبات السوق العالمية والمخاطر الجيوسياسية.
وتابع أن إدارة بايدن قامت، بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، بالإفراج عن كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، رغم أن إمدادات النفط الروسي لم تتعرض فعليا لاختلالات كبيرة.
وأشار إلى أن قدرة صناعة النفط الصخري الأمريكية على تعويض النقص في الإمدادات العالمية لم تعد كما كانت في السابق؛ فبسبب انخفاض الأسعار وتراجع الموارد في حقول الشيل، من المتوقع أن يبقى مستوى الإنتاج هذا العام ثابتا أو ربما ينخفض.
وبيّن الموقع، نقلا عن استطلاع حديث أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، أن نحو نصف مديري شركات النفط يخططون لحفر عدد أقل من الآبار مقارنة بفترة بداية الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب.
وأوضح أن تصدير الولايات المتحدة الصافي للنفط يعني أن الأثر السلبي لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الكلي بات أقل حدة، إذ إن حصة أكبر من تكاليف المستهلكين المرتفعة تذهب إلى المنتجين المحليين بدلا من التحول إلى الخارج.
ومع ذلك، ذكر أن الشركات والمستهلكين لا يزالون يشعرون بثقل الضغوط الناتجة عن ارتفاع الأسعار، ولهذا السبب، دعا ترامب، في أول خطاب مهم له كرئيس للولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية وسائر أعضاء منظمة “أوبك” إلى خفض أسعار النفط، متجاوزا بذلك الادعاء الجديد القائل بأن أمريكا أصبحت “مستقلة” عن واردات النفط.

أمن الطاقة
أوضح الموقع أنه طالما أن أسعار النفط والبنزين تُحدد على المستوى العالمي، فإن أمن الطاقة الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تقليل الاستهلاك، وليس بمجرد زيادة الإنتاج.
وأضاف أن الكونغرس والحكومة يسيران للأسف في الاتجاه المعاكس، مشيرا إلى أن مشروعي القانون الضريبي والإنفاق اللذين أُقرا هذا الأسبوع بصعوبة في مجلس الشيوخ، وفي شهر مايو/أيار 2025 في مجلس النواب، ألغيا الحوافز الضريبية لشراء السيارات الكهربائية، وكذلك التمويل الفيدرالي المخصص لبنية شحن تلك السيارات.
وذكر أن إدارة ترامب، من جانبها، تمضي في إلغاء المعايير الأكثر صرامة لاستهلاك الوقود وانبعاثات السيارات، في المقابل، أوضح أن نحو نصف السيارات الجديدة المباعة هذا العام في الصين ستكون كهربائية، نتيجة الجهود المستمرة التي تبذلها بكين لتقليص اعتمادها على النفط لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وأشار إلى أن التوترات في الشرق الأوسط قد هدأت في الوقت الراهن، لكن مع استمرار الغموض المحيط ببرنامج إيران النووي، فإن خطر تصاعد التوترات لا يزال قائما، حتى إذا انتهت هذه الأزمة، فإن أزمات أخرى ستكون في الطريق.
وأكد أن السياسيين، الذين تنفسوا الصعداء اليوم بفعل انخفاض أسعار الوقود، ينبغي للكونغرس وإدارة ترامب أن يضاعفوا من جاهزيتهم لمواجهة الأزمة التالية، وختم بأن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي تقليص اعتماد الولايات المتحدة على النفط.

