إيران بين مكاسب غائبة وخسائر حاضرة في مسار الاتفاق النووي

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الثلاثاء 23 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن الاتفاق النووي (برجام) يقترب من أيامه الأخيرة، في وقت انشغل فيه أطراف الاتفاق- رغم التزام إيران الكامل به- باستغلال الثغرات القانونية الواردة فيه بدلا من الوفاء بتعهداتهم. 

وأضافت الصحيفة أنه بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وتخلّي أوروبا عن التزاماتها، لجأ الأوروبيون الآن إلى آخر امتياز متاح لهم في الاتفاق ضد إيران، ومن المرجّح أن تعود عقوبات مجلس الأمن على طهران.

وأكَّدت أنه، سواء كان الاتفاق عند توقيعه جيدا أم لا، فقد تعددت بشأنه الأحكام والتحليلات، إلا أن الموقف الراهن يكشف بوضوح أن الخسائر التي تكبدتها إيران بسببه فاقت المكاسب التي حققتها. 

وتابعت أن الأغرب من ذلك أن بعض الساسة الذين كانوا في الصف الأول للتفاوض والتوقيع على الاتفاق، قدّموا عبر المنابر الإعلامية استدلالات وأحكاما عُدّت دليلا على نظرتهم التبسيطية للمفاوضات مع مجموعة 5+1، في وقت كان الطرف المقابل يدرك تماما ما يمنحه وما يحتفظ به من صلاحيات.

وأردفت أنه في حالات متعددة، ووفقا لتصريحات وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، فإن بعض نصوص الاتفاق والعبارات الواردة فيه لم تُقرأ إلا بعد التوقيع عليه، وهذا الاعتراف بالجهل يدعم فرضية أن الخطاب التبسيطي لم يكن مقتصرا على التصريحات الإعلامية، بل يبدو أنه انعكس أيضا في مسار المفاوضات ذاتها وصولا إلى توقيع الاتفاق.

وفي ما يلي، نستعرض بعضا من تلك التصريحات التي أثارت في حينها انتقادات من الخبراء والمحللين المتخصصين في العلاقات الدولية.

بجرّة قلم
أوضحت الصحيفة أنه بعد توقيع الاتفاق، وفي اجتماع عقده ظريف مع خبراء العلاقات الدولية في المجلس الاستراتيجي بوزارة الخارجية، طُرح عليه سؤال عمّا إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تنقض اتفاق برجام، فأجاب قائلا: “إنه على حد تعبير السياسي الأمريكي توم كوتن الذي أصبح لاحقا صديقنا، وتبادلنا الرسائل عبر تويتر، فإن أمريكا (بجرّة قلم) يمكنها أن تعيد العقوبات على إيران”. 

وصرَّح قائلا: “فليعيدوا العقوبات إن أرادوا، لكن من سينفّذها في العالم؟ فحين كتب توم كوتن تلك الرسالة وأجبته، انهالت التعليقات على تغريدته تقول، استرجع نقودك من هارفارد، يبدو أنهم لم يدرّسوك القانون جيدا، فالعالم تحكمه قواعد وقوانين، وأؤكد أن أمريكا عاجزة عن ذلك”.

وأبرزت الصحيفة أن تصريحات ظريف هذه، التي تبيّن خطؤها بمرور الوقت، أثبتت أن ظريف حينها، بخلاف كوتن، لم يكن يمتلك فهما دقيقا للعلاقات الدولية، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مستندا إلى الصلاحيات الخاصة الممنوحة لرئيس الولايات المتحدة، انسحب من الاتفاق النووي، وشرع في الوقت ذاته بفرض العقوبات على إيران، مانعا إياها من الاستفادة من مكاسب الاتفاق. 

وبيَّنت أن التعهد الذي قطعه ترامب آنذاك بالبقاء في برجام، لم يكن صالحا إلا طوال فترة ولايته، كما برهنت التجربة أن القواعد والقوانين الدولية ليست تلك المدونة في النصوص، بل هي ما يفرضه أصحاب القوة.

لم تُلغَ جميع العقوبات ولم تُعلَّق

أفادت الصحيفة بأنه بعد توقيع الاتفاق النووي، أعلن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني في خطاب وجّهه إلى الشعب، أنه وفقا لهذا الاتفاق، وفي يوم تنفيذ الاتفاق، ستُلغى جميع العقوبات، حتى العقوبات التسليحية والصاروخية وعقوبات الانتشار كما وردت في قرار مجلس الأمن، فجميع العقوبات المالية والمصرفية والاقتصادية ستُلغى بالكامل، ولن تُعلَّق.

وذكرت أن حديث روحاني عن إلغاء لا تعليق جميع العقوبات، خلق لدى الرأي العام انطباعا بأن كل العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران ستُلغى أيضا، بينما الواقع أن ما كان مطروحا في هذا القرار هو إلغاء عقوبات مجلس الأمن فقط، والأهم من ذلك أن هذه العقوبات لم تُلغَ بالكامل، بل جرى تعليقها بشروط معينة.

وأبلغت أن هذا التشديد من روحاني، رغم معرفة فريق وزارة الخارجية بمضمون الاتفاق، عزّز الشكوك بأن الرئيس حينها لم يكن يضع أولوية قصوى لحماية المصالح الوطنية والشفافية مع الشعب، بل كان أكثر اهتماما بالتعاطي السياسي مع الاتفاق وتقديمه كإنجاز لاحتواء المعارضين.

اتفاق باتصال هاتفي واحد

أظهرت الصحيفة أن الاعتقاد بأن لقاء أو حوارا مع رئيس الولايات المتحدة يمكن أن يحل مشاكل إيران ليس أمرا جديدا، ففي 6 أغسطس/آب 2019، ادّعى روحاني، أنه “لو لم يلتق وزير خارجيتنا بوزير خارجية أمريكا وجها لوجه في نيويورك، ولو لم أرد على اتصال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الهاتفي، لربما تمّ هذا العمل ببطء وصعوبة أكبر، ولكن هذه الخطوات سهّلت قليلا الوصول إلى الاتفاق”.

ورأت أن هذا الادعاء طُرح في وقت كانت المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي قد بدأت بالفعل قبل وصول حكومة روحاني إلى السلطة، إذ كانت الإدارة الأمريكية حينها قد توصّلت إلى قناعة بأن الخيار العسكري ليس حلا لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، وأن التفاوض هو الطريق الوحيد الممكن، كما أن انطلاق هذه المفاوضات جاء بعد الرسالة التي وجّهها أوباما إلى المرشد الإيراني.

وأشارت إلى أن الاعتقاد بأن توقيع اتفاق بهذا الحجم تمّ بمجرد لقاء أو مكالمة هاتفية، يعكس تبسيطا مفرطا للواقع.

ألم يرد التعليق في أي موضع من برجام؟

أوردت الصحيفة أن خطاب محمد جواد ظريف في الجلسة العلنية للبرلمان في يوليو/تموز 2015 يُعد من أبرز خطاباته، إذ ما زالت بعض تصريحاته آنذاك تلفت الانتباه بعد نحو عشر سنوات، ففي تلك الجلسة، ادّعى ظريف قائلا: “إنه في أي موضع من برجام لم يرد مصطلح التعليق، وكل من ترجمها بالتعليق فقد أخطأ”. 

وأكَّد أن العقوبات أُلغيت وانتهى الأمر، وتاريخ تنفيذ الإلغاء هو حينما تقدّم الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرا يفيد بأنها تحققت من تنفيذ إيران لهذه الإجراءات الكمية، ولا وجود لأي تعليق في برجام.

وأبرزت الصحيفة أنه ما تبيّن لاحقا أن أساس عقوبات مجلس الأمن كان مبنيا على التعليق لا الرفع الكامل، وقد كشف ظريف نفسه مؤخرا تفاصيل إدراج هذا البند في الاتفاق، مشيرا إلى أن شخصا يُدعى فرانشيسكو قال لأحد زملائه إن هذه العبارة يجب أن تُدرج في النص، فوافق عليها من دون أن يُطلع ظريف أو وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على الأمر.

وأوردت أن هذا القدر من غياب الدقة في اتفاق يرتبط بالمصالح والأمن القومي الإيراني يوضح أن الضرر الذي أصاب فريق السياسة الخارجية كان مظهرا آخر من مظاهر التبسيط المفرط.

إرسال إشارات ضعف قبيل المفاوضات

لفتت الصحيفة إلى أن الساسة المخضرمين يقولون في التفاوض مقولة مشهورة، “إن عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من توقيع اتفاق سيئ”، وهذه العبارة كرّرها مرارا وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ومسؤولون أمريكيون وأوروبيون خلال المفاوضات.

ونوَّهت إلى أن الغريب أنه في خضم هذه المفاوضات، وفي سبتمبر/أيلول 2014، صرّح ظريف في مقابلة مع إذاعة NPR الأمريكية قائلا، أن أي اتفاق أفضل من عدم الاتفاق.

وأفادت بأن النتيجة الضمنية لمثل هذا التصريح في وسيلة إعلام أمريكية كانت واضحة، فإيران مستعدة للقبول باتفاق حتى لو كان سيئا لها، وهذا الكلام وجّه رسالة للطرف المقابل، مفادها أنه ينبغي التفاوض مع إيران من موقع قوة، وأن بإمكانهم انتزاع تنازلات منها، لأن طهران لا تبحث إلا عن أي اتفاق كيفما كان.

إلى أين أخذتم الخلاف؟

أوضحت الصحيفة أنه بعد توقيع الاتفاق النووي، وفي وقت كان فيه ترامب يهدد علنا في حملاته الانتخابية بتمزيق برجام، قال المرشد الإيراني ردا على هذه التصريحات: “إذا مزّقوا برجام فسوف نحرقه”.

وأظهرت أن ردّ روحاني على تصريحات ترامب كان مختلفا، إذ بدلا من أن يجيب بما يتناسب مع المصالح والأمن القومي، قال إن “البعض يظن أن هناك منقلا (موقدا)، نرمي القرار فيه فيشتعل، والقرار يجب أن يُلغى من الجهة نفسها التي صادقت عليه”.

وبيَّنت أن تحويل هذا الموضوع المصيري إلى سجال سياسي داخلي لم يكن يبعث أي إشارة إيجابية إلى الخارج، بل أثبت أن الصراعات السياسية الداخلية، بخلاف ما يزعم هذا التيار، كانت بالنسبة لهم أهم من المصالح الوطنية.

المصيدة الواسعة التي لم تُجدِ نفعا

بيَّنت الصحيفة أنه رغم كثرة المخاوف والالتباسات التي كانت لدى الخبراء والرأي العام بشأن الاتفاق النووي، اكتفى روحاني آنذاك بالسخرية من تصريحات منتقديه، ففي خضم تصاعد تهديدات ترامب، قال روحاني، لقد كان بعضهم يقول يجب ألا نتحدث أصلا مع هؤلاء (الولايات المتحدة الأمريكية)، ولا ينبغي أن نقترب منهم. 

وذكرت “أنهم كانوا يقولون إن مجرد جلوسنا معهم يعني أن لديهم قبعة واسعة سيضعونها على رؤوسنا، وكنا نقول لهم: نحن لدينا عمامة، ولا يمكن وضع قبعة على رؤوسنا، لكنهم كانوا يصرون على أن لديهم قبعة واسعة جدا، أوسع من العمامة”.

وأكَّدت أن “هذه اللغة التهكمية، بدلا من أن تكون وسيلة لتوضيح الأمور للرأي العام وطمأنة الناس، أظهرت نتيجة واضحة، أن روحاني حينها لم يكن يعتبر شرح الاتفاق للرأي العام وتبديد مخاوفه أمرا ذا أهمية تُذكر”.

تصدُّع لم يتحول إلى انهيار

سلَّطت الصحيفة الضوء على أنه “عشية تصاعد تهديدات ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، قال روحاني في سبتمبر/أيلول 2017، أن هذا الاتفاق ليس شيئا يمكن لأحد أن يعبث به، إنه كالبناء، إذا أُزيلت منه طوبة واحدة فسينهار المبنى بأكمله، لذلك على المسؤولين الأمريكيين أن يمحوا هذا التصور من عقولهم نهائيا، فإما أن يبقى برجام بكل ما فيه من خصائص، أو يزول كليا”.

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن ما جرى في الواقع بعد انسحاب الولايات المتحدة لم يعكس هذه النظرة، إذ أعلن روحاني أن إيران ستظل ملتزمة بالاتفاق، ولم يُقدَّم الموقف على أنه انهيار للهيكل كله، والأغرب أن روحاني اعتبر لاحقا قانون الإجراء الاستراتيجي الذي أقره البرلمان عقبة أمام التوصل إلى اتفاق جديد مع أمريكا، بدل أن يرى في خروج واشنطن سببا لانهيار الاتفاق برمته كما كان قد صرّح سابقا.