- زاد إيران - المحرر
- 360 Views
نشرت صحيفة “رسالت” الإيرانية، الثلاثاء 30 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناولت فيه أبعاد تفعيل الترويكا الأوروبية آلية “الزناد” ضد إيران، معتبرة الخطوة خرقا صارخا للاتفاق النووي ولقرار مجلس الأمن 2231، وخطرا يهدد استقرار النظام الدولي القائم على القوانين والالتزامات.
ذكرت الصحيفة أن العالم شهد في 27 سبتمبر/أيلول 2025، واحدا من أكثر الفصول مرارة في تاريخ الدبلوماسية الحديثة وسيادة القانون الدولي، فقد أقدمت مجموعة الترويكا الأوروبية، في خطوة اتسمت بالاتباع الأعمى لسياسات “الأخ الأكبر” الفاشلة، أي الولايات المتحدة، على تفعيل ما يُسمّى بآلية “عودة العقوبات” أو “الزناد” ضد إيران؛ وذلك في إجراء يفتقر إلى أي أساس قانوني، ويتسم بعدم المسؤولية السياسية، كما يشوبه خلل إجرائي واضح.
وأضافت أن هذا القرار، الذي جاء عبر التفاف صريح على الآليات المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) وقرار مجلس الأمن رقم 2231، لم يكن مجرد خيانة لاتفاق كانوا هم أنفسهم ضامنين له، بل مثّل أيضا سابقة خطيرة للنظام الدولي، إذ فتح الباب أمام إمكانية انتهاك الالتزامات بسهولة، ليحلّ منطق الفوضى وغياب القانون محلّ سيادة القانون.
عمق الأزمة الراهنة بالنسبة للغرب
ذكرت الصحيفة أنه لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور، فإيران، باعتبارها أحد الأعضاء القدامى والملتزمين في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1970، دافعت دائما عن حقها الأصيل وغير القابل للانتقاص ــ كما نصت عليه المعاهدة ــ في تطوير الطاقة النووية وإجراء الأبحاث واستخدامها لأغراض سلمية. وقد خضعت الأنشطة النووية الإيرانية على الدوام لإشراف كامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم يسبق أن تعرض أي بلد في التاريخ لعمليات تفتيش دقيقة وصارمة بقدر ما تعرضت له إيران.
وأضافت أنه بعد سنوات من التوتر والمفاوضات المكثفة، توصلت إيران في عام 2015 مع مجموعة (5+1) ــ التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ــ إلى اتفاق تاريخي عُرف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي). وقد شكل هذا الاتفاق إنجازا كبيرا للدبلوماسية متعددة الأطراف، إذ قام على معادلة أساسية: تقبل إيران بفرض قيود طوعية، تتجاوز التزاماتها المعتادة، على برنامجها النووي السلمي، في مقابل رفع العقوبات غير العادلة وغير القانونية المرتبطة بالملف النووي المفروضة على الشعب الإيراني.
وأوضحت أنه لم يلبث أن صادق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على هذا الاتفاق بموجب القرار رقم 2231، ليصبح جزءا من القانون الدولي، ومنذ توقيع الاتفاق، التزمت إيران التزاما كاملا وبحسن نية بجميع تعهداتها. وهذا الالتزام لم يكن مجرد ادعاء، بل حقيقة موثقة أكّدتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في خمسة عشر تقريرا متتاليا، ومن خلال ذلك، أثبتت إيران أنها تسعى إلى الانخراط البنّاء وحل الخلافات بالطرق السلمية، وأنها تؤمن بالدبلوماسية كخيار وحيد لتحقيق تسوية دائمة.

ما أثبتته أوروبا
وتابعت الصحيفة موضحة أن المسار بدأ يتعرض لضرر بالغ في مايو/أيار 2018، حين انسحبت الإدارة الأمريكية آنذاك بشكل أحادي وغير قانوني من الاتفاق النووي، ولم تكتفِ الولايات المتحدة بالتنصل من التزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن 2231، بل فرضت أيضا سياسة “الضغط الأقصى” وأجبرت الدول الأخرى على انتهاك القرار نفسه.
وأشارت إلى أنه في تلك اللحظة الحرجة، وعدت الدول الأوروبية الثلاث بأنها ستتخذ إجراءات تعويضية لتدارك انسحاب أمريكا، وضمان استفادة إيران اقتصاديا من الاتفاق النووي. واستنادا إلى هذه الوعود، واصلت إيران ــ بصبر استراتيجي ــ تنفيذ التزاماتها بشكل كامل لأكثر من عام، مانحة الدبلوماسية فرصة جديدة.
وأوضحت أنه مع مرور الوقت، تبيّن أن الترويكا الأوروبية إما تفتقر إلى الإرادة السياسية للوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية، أو أنها عاجزة فعليا عن ذلك، فآليتها المالية الموعودة “إنستكس” لم تُفعّل أبدا، ولم يتحقق أي من تعهداتها بالحفاظ على جوهر الاتفاق.
وذكرت أنه وأمام هذا الواقع، وبعد أن أثبتت أوروبا أنها لا تستطيع أو لا تريد الوفاء بالتزاماتها، لم يكن أمام إيران خيار سوى اللجوء إلى حقوقها المنصوص عليها في المادتين 26 و36 من الاتفاق النووي، وبموجب ذلك، بدأت إيران تدريجيا وبشكل قانوني وشفاف، تقليص بعض تعهداتها الطوعية.
وبينت أن هذه الخطوات لم تكن خرقا للاتفاق، بل كانت مسعى لإعادة التوازن المفقود فيه، وحثّ الأطراف الأخرى على تنفيذ التزاماتها، كما أنها كانت قابلة للعودة عنها في أي وقت، وهدفها الأساس كان إعادة جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل، لا هدم الاتفاق.

المفارقة المرة في القضية
ذكرت الصحيفة أن المفارقة المرة تكمن في أنه في 28 أغسطس/آب 2025، أقدمت الدول الأوروبية الثلاث، التي كانت هي نفسها أبرز المنتهكين للاتفاق النووي، على إرسال رسالة إلى مجلس الأمن لتبدأ بذلك مسارا كشف عن ذروة انعدام المسؤولية وسوء النية، فقد ادّعت هذه الدول أن إيران لم تلتزم بالتزاماتها الجوهرية، وفعلت ما يُسمّى بآلية “الزناد”؛ وهو إجراء من أساسه غير قانوني ولا يستند إلى أي شرعية.
وأوضحت أن ذلك لعدة أسباب منها انتهاك آلية حلّ النزاعات، وخرق مبدأ الأيدي النظيفة. ومنا أيضا الدوافع السياسية، فالتوقيت بحد ذاته كان سياسيا بامتياز؛ إذ سعت الدول الأوروبية إلى تمرير هذا الإجراء قبل أن تتولى روسيا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في أكتوبر، مدركة أن روسيا والصين ستعارضان هذه الخطوة غير القانونية. هذه العجلة تعكس بوضوح أن هدفها لم يكن الحفاظ على الاتفاق النووي، بل خلق أزمة مصطنعة وتعميق التوتر بشكل عاجل.

اختيار الغرب مسار المواجهة والخداع
ذكرت الصحيفة أنه خلال مجريات هذه الأزمة، وبينما اختار الغرب طريق المواجهة والخداع، أبقت إيران نافذة الدبلوماسية مفتوحة على الدوام، ولم تكتفِ بذلك فحسب، بل التزمت التزاما كاملا بتعهداتها ــ وفق تقارير متكررة صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ــ سواء قبل انسحاب الولايات المتحدة أو حتى لفترة طويلة بعده.
وأضافت أن هذا التحلّي بضبط النفس والوفاء بالالتزامات، في مواجهة انتهاك واشنطن لالتزاماتها وامتناع أوروبا عن توفير أي منفعة اقتصادية ملموسة، يؤكد أن إيران لم تتجه إلى خفض التزاماتها إلا ردا على هذه النكثات ومن أجل صون حقوقها السيادية، ولم تكن في أي وقت المبادر إلى خلق الأزمة.
وأشارت إلى أن هذه النوايا الحسنة قد تكرتت عمليا؛ ففي 9 سبتمبر/أيلول 2025، وقّع وزير الخارجية الإيراني في القاهرة مذكرة تفاهم مهمة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مثّلت خطوة محورية نحو تعزيز الشفافية والتعاون.
وأوضحت أنه رغم الترحيب الدولي بهذه الخطوة، إلا أنه سرعان ما أُفرغت من مضمونها بفعل المواقف غير البنّاءة من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن إيران، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قدّمت عدة مقترحات عملية لتفادي أزمة غير ضرورية، لكنها قوبلت جميعها بالتجاهل، وهو ما أظهر أن واشنطن والترويكا الأوروبية يرفعون شعار الدبلوماسية ظاهريا، لكنهم في الواقع سدّوا كل السبل أمام الحوار.
ولفتت إلى أنه اتضح ذروة هذا النهج الهدّام عند التعامل مع المبادرة المسؤولة لكلٍّ من روسيا والصين؛ إذ قدّمتا مشروع قرار لتمديد فني لستة أشهر لقرار مجلس الأمن 2231، بغية توفير الوقت والظرف المناسب لمواصلة المسار الدبلوماسي، غير أن الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة عارضت المشروع وعرقلت اعتماده.
وختمت بالقول إن هذا الموقف الصارم كشف مجددا أن هدفهم الحقيقي هو صناعة الأزمة وتصعيدها، لا الحفاظ على الدبلوماسية أو البحث عن حلول، ويتعين على الترويكا الأوروبية أن تدرك أن آلية “الزناد”، تماما مثل السياسات القائمة على الضغوط القصوى والهجمات العسكرية، لن تجلب لهم أي نجاح.

