إيران خارج طاولة التفاوض… بين حسابات الميدان وتعقيدات السياسة

كأن المنطقة كلها تحبس أنفاسها في ممر ضيق بين هدنة مؤقتة واحتمال انفجار مؤجل، حيث تتردد أصداء القرارات في فراغ ثقيل لا يحتمل الخطأ. هنا، لا تقاس اللحظات بالدقائق، بل بوزنها في ميزان القوة والهيبة، ولا تقال الكلمات إلا وهي محملة بما هو أكثر من معناها الظاهر. في خلفية المشهد، تتقاطع الطرق بين من يسعى إلى كسب الوقت، ومن يحاول إعادة رسم قواعد اللعبة، بينما يظل الأفق ملبدا بأسئلة لا تجد إجابات سريعة. كل شيء يبدو قابلا للتأويل، وكل خطوة تحمل احتمالين، أن تقود إلى باب مفتوح، أو إلى جدار أعلى. وفي هذا الالتباس، تتشكل حكاية جديدة للمنطقة، حكاية تكتب ببطء، لكنها تثقل الذاكرة قبل أن تنتهي.

كواليس الساعات الأخيرة قبل انتهاء وقف إطلاق النار

مع اقتراب الساعات الحاسمة من نهاية المهلة المحددة لوقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فجر الأربعاء 21 إبريل/ نيسان 2026، دخلت المنطقة مرحلة من التوتر المركب، حيث اختلطت الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، وارتفعت حدة حرب الأعصاب إلى مستويات غير مسبوقة. فلم تكن تلك الساعات مجرد وقت تقني لانتهاء هدنة مؤقتة، بل لحظة اختبار حقيقية لإرادة الأطراف الثلاثة، ومدى استعدادها للانتقال من ساحة المواجهة إلى طاولة التفاوض.

في تلك اللحظات، كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تحولت إلى مركز ثقل دبلوماسي، مع تكثيف جهود الوساطة التي قادتها القيادة السياسية والعسكرية في باكستان. حاولت إسلام آباد، عبر قنوات متعددة، إقناع طهران بالعودة إلى المفاوضات، مستندة إلى ما وصفته بالإشارات الإيجابية التي تلت إعلان وقف إطلاق النار الأولي. وقد نقلت مصادر باكستانية أن هناك تقدما نسبيا في تهيئة الأرضية لجولة ثانية من المحادثات، وأن الأجواء لم تكن مغلقة بالكامل أمام الحل السياسي.

Image

غير أن هذه الصورة الدبلوماسية لم تعكس الواقع بالكامل. فخلف الكواليس، كانت الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء تتسم بقدر كبير من الغموض والتناقض. في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تعلن رغبتها في استئناف المفاوضات، كانت على الأرض تستمر عمليات عسكرية محدودة، إلى جانب إجراءات وصفتها إيران بأنها استفزازية، مثل استمرار الحصار البحري واستهداف بعض السفن. هذا التباين بين الخطاب والممارسة شكل، بحسب مصادر إيرانية، عاملا حاسما في تعقيد المشهد.

Image

في المقابل، كانت طهران ترسل إشارات محسوبة بدقة. فمن جهة، لم تغلق الباب نهائيا أمام التفاوض، لكنها في الوقت نفسه امتنعت عن تقديم أي التزام واضح بالمشاركة في الجولة الجديدة. بل إن تصريحات رسمية وغير رسمية أكدت أن الذهاب إلى إسلام آباد ليس قرارا تقنيا، بل، وحسب خبراء، سياسي سيادي مرتبط بتقييم شامل لسلوك الطرف الآخر. هنا، بدا أن إيران تسعى إلى إعادة ضبط قواعد اللعبة، عبر فرض شروطها قبل العودة إلى الطاولة.

وفي اللحظة التي بدت فيها الخيارات تضيق، جاء القرار المفاجئ من واشنطن، تمديد وقف إطلاق النار من جانب واحد. هذا القرار، الذي أعلن في وقت متأخر من الليل، لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل حمل دلالات سياسية عميقة. فمن جهة، عكس رغبة أمريكية واضحة في تجنب الانزلاق إلى جولة جديدة من التصعيد، ومن جهة أخرى، أظهر أن واشنطن بحاجة إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، حتى في ظل غياب التقدم الفعلي.

Image

على خلفية ذلك، تصاعدت التكهنات حول احتمال انهيار وقف إطلاق النار وعودة العمليات العسكرية. وسائل إعلام غربية تحدثت عن مهلة قصيرة، تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام، منحها دونالد ترامب لإيران من أجل ترتيب موقفها في ظل انقسام داخلي، على حد تعبيره، والعودة إلى التفاوض. في المقابل، نفت مصادر في البيت الأبيض وجود جدول زمني واضح، ما زاد من حالة الضبابية.

Image

اللافت أن هذا التمديد جاء دون إعلان عن اتفاق مسبق مع إيران، ما يعني عمليا أن طهران لم تضطر إلى تقديم أي تنازل مباشر مقابل استمرار الهدنة. وهو ما اعتبره بعض المراقبين تحولا في ميزان القوى التفاوضي، حيث بدا أن عامل الوقت أصبح يميل لصالح إيران، التي نجحت في تجنب ضغوط اللحظة الأخيرة دون أن تتحمل كلفة الانسحاب العلني من العملية السياسية.

لماذا لم تذهب إيران إلى المفاوضات؟

قرار إيران بعدم التوجه إلى المفاوضات في إسلام آباد لم يكن مفاجئا بالكامل، بل جاء، حسب تصريحات لمسؤولين إيرانيين وخبراء، نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية ودبلوماسية خلال الأسابيع السابقة. ويمكن فهم هذا القرار من خلال مجموعة من الدوافع المتشابكة التي تعكس رؤية طهران لطبيعة الصراع وأدوات إدارته.

أول هذه الدوافع يتمثل في فقدان الثقة بالجانب الأمريكي، فقد أكدت التصريحات الإيرانية مرارا أن واشنطن لم تلتزم بتعهداتها، سواء فيما يتعلق بوقف إطلاق النار أو فيما يخص سلوكها الميداني. استمرار الحصار البحري، واستهداف السفن، والتهديدات المتكررة، كلها عوامل اعتبرتها طهران دليلا على أن الولايات المتحدة تستخدم التفاوض كغطاء لمواصلة الضغط، وليس كمسار حقيقي للحل.

Image

ثاني الدوافع يرتبط بطبيعة المطالب الأمريكية نفسها. فقد وصفت أطراف إيرانية عدة بعض الشروط المطروحة بأنها تعجيزية وغير قابلة للتفاوض، وعلى رأسها ما يتعلق ببرنامج التخصيب النووي. في هذا السياق، جاء الرفض الصريح لفكرة التخصيب الصفري أو نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، باعتبارها خطوطا حمراء تمس السيادة الوطنية. وبالتالي، فإن الدخول في مفاوضات على هذا الأساس كان سيفسر داخليا على أنه تنازل غير مقبول.

Image

أما الدافع الثالث، فيتعلق بالحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالميدان. فإيران، وفق تقديراتها، لم تدخل المفاوضات من موقع ضعف، بل من موقع ترى أنه يملك أوراق قوة مهمة، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو التأثير الإقليمي، خصوصا في مضيق هرمز. لذلك، فإن التسرع في التفاوض دون تحقيق مكاسب ملموسة كان سيعني التفريط بهذه الأوراق.

إضافة إلى ذلك، هناك عامل داخلي لا يمكن تجاهله. فالوحدة النسبية في مراكز القرار داخل إيران، كما أشارت بعض التحليلات، تعزز من قدرة القيادة على اتخاذ قرارات متماسكة، لكنها في الوقت نفسه تفرض سقفا معينا لا يمكن تجاوزه دون توافق داخلي. وفي هذا الإطار، يبدو أن المزاج العام داخل النخبة السياسية يميل إلى الحذر من الانخراط في مفاوضات تحت الضغط.

كما لعبت تجربة الاتفاق النووي السابق دورا في تشكيل هذا الموقف. إذ ترى طهران أن التنازلات التي قدمتها في ذلك الاتفاق لم تترجم إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، بسبب انسحاب الولايات المتحدة لاحقا. وبالتالي، فإن أي مفاوضات جديدة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التجربة، وهو ما يفسر الإصرار على ضمانات أقوى قبل العودة إلى الطاولة.

وأخيرا، يمكن القول إن قرار عدم الذهاب إلى إسلام آباد يعكس محاولة إيرانية لإعادة تعريف شروط التفاوض، بحيث لا تكون مجرد استجابة لضغط زمني أو سياسي، بل نتيجة مسار تفاوضي متكافئ. وهو ما يفسر أيضا أن طهران لم تغلق الباب نهائيا، لكنها في الوقت نفسه لم تقبل بالدخول إليه بالشروط الحالية.

ماذا يحمل المستقبل؟ إلى أين يتجه وقف إطلاق النار؟

مع تمديد وقف إطلاق النار، تدخل الأزمة مرحلة جديدة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين. فبينما يفتح هذا التمديد نافذة زمنية إضافية أمام الدبلوماسية، فإنه لا يضمن بالضرورة الوصول إلى اتفاق، بل قد يكون مجرد تأجيل لمواجهة محتملة.

أحد السيناريوهات المطروحة هو استمرار الهدنة لفترة أطول، في حال تمكنت الوساطات، خاصة الباكستانية، من تقريب وجهات النظر. في هذا السياق، تبدو إسلام آباد حريصة على الحفاظ على دورها كوسيط، خصوصا بعد أن نجحت في تحقيق اختراق أولي بوقف إطلاق النار. غير أن نجاح هذه الجهود سيعتمد على استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لا تزال مؤشراته ضعيفة حتى الآن.

Image

في المقابل، يبقى احتمال انهيار وقف إطلاق النار قائما. فاستمرار الحوادث في مضيق هرمز، سواء عبر استهداف السفن أو احتجازها، يشكل عامل توتر دائم يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع. كما أن الضغوط الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل قد تدفع باتجاه استئناف العمليات العسكرية، خاصة إذا اعتبر أن التفاوض لا يحقق نتائج ملموسة.

أما إيران، فتبدو في موقع يسمح لها بالمناورة بين الخيارين. فهي تعلن استعدادها للتفاوض، لكنها تربط ذلك برفع الحصار ووقف ما تعتبره انتهاكات. وفي الوقت نفسه، تؤكد جاهزيتها لأي سيناريو عسكري، ما يعني أنها لا ترى في وقف إطلاق النار نهاية للصراع، بل مرحلة ضمن مسار أطول.

السؤال الأهم يبقى من سيخرق وقف إطلاق النار أولا؟ الإجابة ليست سهلة، لأن كل طرف يسعى إلى تجنب تحمل مسؤولية التصعيد، مع الاحتفاظ بخيار الرد. هذا التوازن الهش قد يستمر لفترة، لكنه يظل عرضة للانهيار في أي لحظة، خاصة في ظل غياب آلية واضحة لإدارة الأزمات.

Image

في هذا السياق، تبرز أهمية العامل الدولي، خصوصا موقف القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، التي تدعو إلى التهدئة، لكنها في الوقت نفسه تراقب تطورات الصراع وتأثيره على مصالحها. كما أن تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي، وخاصة أسواق الطاقة، قد تدفع باتجاه ضغوط إضافية لاحتواء التصعيد.

في النهاية، يبدو أن مستقبل وقف إطلاق النار مرتبط بقدرة الأطراف على تحويله من هدنة مؤقتة إلى مسار سياسي مستدام. وهذا يتطلب، قبل كل شيء، إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة، وهو ما لا يزال مفقودا حتى الآن. وبينما تستمر لعبة التوازنات الدقيقة، يبقى احتمال العودة إلى المواجهة قائما، كما يبقى الأمل قائما أيضا في أن تنتصر الدبلوماسية، ولو بعد حين.

هدنة على حافة الاحتمالات

في ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن غياب إيران عن طاولة المفاوضات لا يعكس انسدادا كاملا في الأفق السياسي، بقدر ما يعبر عن إعادة صياغة لشروط التفاوض ومحاولة لفرض معادلة جديدة أكثر توازنا. فالمشهد الحالي لا يمكن قراءته بمنطق الحسم، بل بمنطق إدارة الأزمة، حيث تتحرك الأطراف ضمن هامش دقيق بين التصعيد والاحتواء. وبينما يمنح تمديد وقف إطلاق النار فرصة إضافية للدبلوماسية، فإنه لا يلغي احتمالات الانفجار، خصوصا في ظل استمرار التوترات الميدانية وتباين المواقف. وفي هذا السياق، تظل المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي، حيث قد تقود الحسابات الدقيقة إلى انفراجة تدريجية، أو تدفع الأخطاء الصغيرة نحو مواجهة أوسع، في مشهد يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات.