تسونامي البطالة والتضخم بعد الحرب.. اقتصاد تحت الضغط والبرلمان في مواجهة التحديات

في ظل تداعيات الحرب الأخيرة التي اجتاحت إيران لمدة أربعين يوما، يواجه الاقتصاد الوطني مرحلة حرجة وتحديات متعددة تشمل ارتفاع معدلات البطالة، اضطرابات سلاسل الإمداد، وتزايد الضغوط التضخمية، حيث أصبح من الواضح أن السياسات التقليدية وحدها لم تعد قادرة على مواجهة هذه الأزمات، إذ تتداخل عوامل مثل تدمير البنية التحتية، توقف النشاط الاقتصادي، وانعدام اليقين السياسي لتؤثر بشكل مباشر على قدرة الأسر والشركات على الصمود.

وفي هذا السياق، يبرز دور البرلمان الإيراني في وضع استراتيجيات فعّالة لمعالجة تبعات الحرب الاقتصادية، من خلال تعزيز التأمين ضد البطالة، دعم القطاع الخاص، وضمان توجيه الموارد بشكل يوازن بين الحاجة إلى حماية المعيشة وتحقيق الانضباط المالي، فهذه الفترة، التي تعرف بـ«اقتصاد الحرب»، تتطلب إدارة دقيقة وشفافة للموارد، مع تبني سياسات مستدامة لتخفيف آثار الأزمة وحماية الفئات الأكثر تضررا من الصدمات الاقتصادية.

تسونامي البطالة تحت ظل الحرب

بعد انحسار نيران الحرب على إيران، والتي استمرت أربعين يوما، تواجه الآن أحد أكبر التحديات الاقتصادية في سوق العمل، حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن تدمير البنية التحتية، توقف النشاط الاقتصادي، وانقطاع الإنترنت أدى إلى بطالة واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد، وتحدث هذه الأزمة في وقت كان يتبع فيه البرلمان الإيراني سياسة انكماشية عند إعداد ميزانية 2026، وفي الأيام الماضية، أعلن غلام حسين محمدي، نائب وزير العمل، بإحصاءات مروعة عن أبعاد هذه الأزمة، حيث أشارت التقديرات الأولية إلى أن الحرب أدت إلى فقدان أكثر من مليون فرصة عمل مباشرة.

وبحسب قوله، مع الأخذ بعين الاعتبار البطالة غير المباشرة في سلاسل التوريد والخدمات، يواجه حاليا مئات الآلاف تحديات كبيرة في مجال التوظيف، وفي هذا السياق، أشار أحمد میدري، وزير العمل، إلى ضرورة الدعم الفوري، معلنا في 22 أبريل/ نيسان 2026، عن زيادة مبالغ التأمين ضد البطالة، وعن إطلاق نظام جديد لتسجيل معلومات المتضررين بدقة، بهدف إنشاء قاعدة بيانات شاملة لتوزيع الدعم بشكل موجه، كما أشار وزير العمل إلى أن 147 ألف متقدم جديد لتلقي التأمين ضد البطالة قد سجلوا خلال الشهرين الماضيين، وهو ما يمثل زيادة قدرها 50 ألفا مقارنة بالمتوسط الشهري للعام الماضي.

Image

توقعات البرلمان لتبعات الحرب الاقتصادية

في هذا السياق، يلعب البرلمان الإيراني دورا حيويا في إعداد السياسات العليا لمواجهة هذه الأزمة، حيث أوضح أحمد فاطمي، عضو لجنة الشؤون الاجتماعية في البرلمان وأحد أعضاء لجنة الدمج في اعتماد ميزانية 2026، في حوار مع صحيفة «دنیاي اقتصاد» في 22 أبريل/ نيسان 2026، أبعاد التخطيط البرلماني لإدارة هذه الأزمة.

أشار فاطمي إلى أنه عند إعداد الميزانية، تم أخذ الظروف الخاصة للبلاد في الاعتبار، لذا تم إعداد ميزانية انكماشية وواقعية وشفافة، مع محاولة جعل المصروفات حقيقية ومنع خلق النقود الذي يؤدي إلى التضخم، مضيفا: «فيما يخص التأمين ضد البطالة ونسبة البطالة، يجب القول إن أحد نتائج الحرب كان زيادة معدل البطالة، ويجب على الحكومة أن تتخذ إجراءات بشأن التأمين ضد البطالة؛ وهذه صلاحية من منظمة التخطيط والموازنة لتنظيم التحويلات ضمن وزارة العمل نفسها والحكومة ملزمة باستخدام أي موارد متاحة لتأمين التمويل».

ونوه، خلال هذا الحوار، إلى الاجتماعات المستمرة بين البرلمان والهيئة التنفيذية للبلاد، قائلا: «في لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس أجرينا عدة اجتماعات مع المسؤولين ووزير العمل لإعداد الظروف اللازمة»، موضحا أنه إذا لم تدفع الحكومة ديونها لصندوق الضمان الاجتماعي، فلن يكون للصندوق القدرة على دفع إعانات البطالة.

وتابع: «واحدة من القضايا المهمة الآن هي دفع إعانات البطالة للعمال الذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب الأخيرة؛ هذه مسؤولية الحكومة ومنظمة التخطيط، والبرلمان بدوره يدعم المنظمة بكل قوة، كما يجب تأمين الموارد، وأن تدفع الحكومة ديونها لصندوق الضمان الاجتماعي لتصبح هذه القضية أولوية».

وردا على سؤال حول ما يمكن أن تفعله الحكومة لدعم القطاع الخاص الذي لا يستطيع دفع الرواتب كاملة، قال أحمد فاطمي: «يجب أن تقدم البنوك تسهيلات بفوائد منخفضة لأصحاب المشاريع، وأن تُعبئ الحكومة وكل المؤسسات المالية لتقديم التسهيلات، ويجب أيضا منح تسهيلات بشأن تأمين العمال، وبالنسبة للضرائب، يجب أن يكون هناك تعاون مماثل، وأن يحصل أصحاب المشاريع والمعامل على تسهيلات مقبولة وبفوائد منخفضة».

وفي الوقت نفسه، حذرت النقابات من وضعية الأمن الوظيفي للعمال، حيث قالت سمية گلپور، رئيسة الهيئة الإدارية للاتحاد العالي لجمعيات العمال في إيران، في حديث لوسائل الإعلام: «قرارات مثل الإجازات الإلزامية والفصل التعسفي ليست قانونية، ويجب على الحكومة التدخل فورا»، مضيفة أنه وفق المواد 14، 15، و21 من قانون العمل، هناك إجراءات دقيقة لتعليق أو إنهاء العقود، داعية صندوق الضمان الاجتماعي لإصدار تعليمات عاجلة لتوفير التأمين ضد البطالة، إذ أن عدم قدرة الصندوق بسبب الديون المتراكمة للحكومة أصبح تحديا وطنيا.

متابعة البرلمان لوضع العمال الأكثر تضررا

في 20 أبريل/ نيسان 2026، عُقد اجتماع مشترك بين نواب الرئيس ورؤساء اللجان المتخصصة مع وزير العمل وتم خلاله التركيز على العمال البسطاء والبنائين الأكثر تضررا، وطالب عباس بابي زادة، عضو الهيئة الرئاسية في البرلمان، بمتابعة وضع الأشخاص الذين لم يتمكنوا من التسجيل للتأمين ضد البطالة بسبب طبيعة عملهم، فيما شدد رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان، على دعم العمال غير المهرة، ولفت موسی أحمدي، رئيس لجنة الطاقة، إلى الوضع الحرج لموظفي شركات البتروكيماويات الذين أُجبروا على الإجازة، مطالبا بمتابعة دقيقة من وزارة العمل لضمان معيشتهم، وكشفت تصريحات المسؤولين وأعضاء البرلمان عن أن توزيع موارد ميزانية 2026 يحتاج إلى دقة عالية.

Image

توقعات التضخم والبطالة في اقتصاد الحرب

وفي حوار أجرته «اقتصاد نيوز» في 21 أبريل/ نيسان 2026، مع سهراب دلنگيزان، أستاذ الاقتصاد، ركّز على جذور التضخم في ظل اقتصاد الحرب، مستعرضا التحديات اللوجستية، في محاولة لتقديم صورة أوضح لمسار الاقتصاد الإيراني في المرحلة المقبلة، حيث ترتبط العلاقة بين التضخم والركود والبطالة بشكل وثيق بجودة السياسات الاقتصادية وإدارة الأزمات.

وفيما يتعلق بتوقعات معدل التضخم والبطالة في اقتصاد الحرب، قال: “توقعي لشهر أبريل/ نيسان هو استمرار التضخم عند مستويات شهر مارس/ آذار؛ لأن الطاقة التضخمية لا تزال موجودة، ورغم أن استقرار سعر الصرف قد يخفف جزءا من ذلك، إلا أن فقدان البنية التحتية سيظل عاملا للتضخم”، مؤكدا أن إدارة التوقعات التضخمية تتطلب ثبات السياسات الحكومية وشفافيتها، مع استخدام أدوات غير تضخمية مثل سندات الخزانة بدلا من الاقتراض من البنك المركزي.

وفي حوار بين «اقتصاد نيوز» والاقتصادي مهدي بازوكي، في 22 أبريل/ نيسان 2026، للتركيز على تحليل أهم تحديات اقتصاد إيران في فترة ما بعد الحرب وضرورات الإصلاحات الهيكلية، قال بازوكي إن الحرب الأخيرة ستنتهي في نهاية المطاف، وفترة ما بعد الحرب هي زمن إعادة الإعمار، مشيرا إلى أن الإصلاحات الاقتصادية يجب أن تُنفذ بهدف الحفاظ على المصالح الوطنية للشعب الإيراني.

وأكد أنه في الوقت الحالي يعاني اقتصاد إيران بشدة من عدم الاستقرار بسبب ظروف الحرب وسيطرة السياسات غير المختصة، وأهم مؤشر على هذا هو معدل التضخم المتصاعد، مشددا على أن الحكومة تلتزم بإتباع سياسات رشيدة للتحرك نحو استقرار الاقتصاد خلال فترة ما بعد الحرب، مضيفا: “للأسف، لا توجد حاليا مؤشرات إيجابية في هذا الصدد”. 

وتبرز أزمة ما بعد الحرب في إيران صورة واقعية للتحديات الاقتصادية التي تفرضها النزاعات المسلحة على سوق العمل والاقتصاد الوطني، فقد أدى الدمار في البنية التحتية، توقف النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة إلى ضرورة تدخل البرلمان والحكومة بوضع سياسات دعم دقيقة، تشمل التأمين ضد البطالة وتسهيلات للقطاع الخاص، مع الحفاظ على الانضباط المالي وتوجيه الموارد بشكل مستهدف.

كما أن إدارة هذه المرحلة الحرجة تتطلب تنسيقا فعالا بين السلطات التشريعية والتنفيذية، واتباع نهج رشيد يوازن بين حماية الأسر المتضررة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لضمان قدرة البلاد على التعافي والنهوض بعد الصدمات الحادة التي خلفتها الحرب.

كلمات مفتاحية: