- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 9 Views
كتب: الترجمان
خلال حرب الـ 40 يوما، لم تكن إيران تخوض مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل كانت تخوض “حرب روايات” كبرى تقودها مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيراني (الإذاعة والتلفزيون الإيراني). وفي ظل انقطاع الإنترنت الدولي وتعطل شبكات الأقمار الصناعية، وجدت المؤسسة نفسها “لاعبا وحيدا” في ميدان الإعلام، مما منحها فرصة تاريخية لاستعادة مرجعيتها المفقودة، لكن هذه الفرصة سرعان ما اصطدمت بصخرة الانتقادات الهيكلية التي تلاحق أداءها منذ عقود.
لم يعد السؤال اليوم مقتصرا على “ماذا نقلت الشاشة؟”، بل امتد ليشمل “من غيبت؟” و”كيف أدارت الروح المعنوية والاحتياجات اليومية للمواطن في ظل الحصار والبارود؟”.
معضلة التعددية تحت القصف: سياسة الصوت الواحد في زمن الأزمات
لقد سعى القائمون على “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” منذ اللحظات الأولى لاندلاع المواجهة إلى تصميم جدول برامجي يبدو في ظاهره ممتلئا وحيويا، حيث تم التركيز بشكل مطلق على تغطية التحركات العسكرية وإدارة التوتر. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا الحجم البرامجي لم يفلح في إخفاء الثغرات العميقة في “المحتوى”.
فبينما كان الشارع الإيراني يغلي بتساؤلات مشروعة حول مستقبل البلاد، اختار التلفزيون الالتزام بنهج الأحادية الصوتية، حيث استضافت الاستوديوهات وجوها تنتمي في غالبيتها العظمى لتيار سياسي وفكري واحد.
هذا الغياب المتعمد للخبراء المستقلين أو ممثلي الأطياف السياسية المختلفة جعل من البرامج الحوارية مجرد صدى للرواية الرسمية، مما أفقدها القدرة على إقناع القطاعات المتشككة من الجمهور، وحوّل “الفرصة الذهبية” لاستعادة الثقة إلى مجرد تكرار لسياسات قديمة أثبتت عدم جدواها في زمن التعددية الرقمية.
إن الإصرار على تقديم رواية أحادية الجانب في وقت تغيب فيه المصادر الإعلامية البديلة نتيجة انقطاع الإنترنت، يضع المؤسسة في موقف أخلاقي ومهني حرج. فالمواطن الذي لجأ إلى التلفزيون “مضطرا” كان يتوقع أن يرى تعبيرا عن هواجسه المتنوعة، لا أن يجد نفسه أمام خطاب تعبوي يغفل التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تفرضها الحرب.
هذا التوجه دفع بشخصيات سياسية وإعلامية بارزة للتساؤل عما إذا كان الإعلام الرسمي قد تعلم دروس الماضي، أم أنه ما زال يرى في الأزمات الوطنية وسيلة لإحكام السيطرة على العقول بدلاً من كسب القلوب عبر المصداقية والانفتاح.

لغة الاستطلاعات: حين تتقاطع الكفاءة الإخبارية مع الأزمات الهيكلية
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الأبحاث في منظمة الإذاعة والتلفزيون أن هناك جانبا من النجاح التقني لا يمكن إنكاره؛ إذ تشير الأرقام إلى أن 76.5% من المستطلعة آراؤهم اعتبروا أداء المؤسسة في “نشر أخبار الهجمات” مناسبا أو مناسبا جدا.
كما أن نسبة الرضا عن سرعة نقل الخبر بلغت 73.9%، وعن دقة الخبر 72.5%. هذه الأرقام تعكس نجاحا واضحا في “الإدارة الإخبارية العسكرية”، حيث استطاعت المؤسسة أن تكون المصدر الأول للمعلومة الميدانية.
لكن، خلف هذه الأرقام الوردية، تكمن فجوة اجتماعية سحيقة؛ فنسبة من يتابعون التلفزيون كمرجع أساسي لا تتجاوز 58.5%، بينما بدأت منصات مثل “إيتا” و”روبيكا” في سحب البساط التدريجي من تحت أقدام الشاشة الرسمية، مما يعني أن الثقة في “الخبر العسكري” لا تعني بالضرورة الثقة في “التحليل السياسي” أو “المسار العام” الذي تروج له المؤسسة.
علاوة على ذلك، كشفت هذه الاستطلاعات عن تباينات مثيرة في الرأي العام الإيراني حيال مخرجات الحرب؛ فبينما يرى 71.7% أن وضع إيران سيتحسن بعد الحرب، نجد انقساما حادا حول وقف إطلاق النار، حيث أيده 48% وعارضه 43%. هذه الفجوة الضيقة بين المؤيدين والمعارضين للسلام كانت تستدعي مساحة نقاش واسعة على شاشة التلفزيون.
لكن “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” فضلت التركيز على صور التجمعات الحماسية في الميادين، متجاهلة الصمت القلق الذي خيّم على غرف الجلوس في المنازل الإيرانية، مما جعل الرواية الرسمية تبدو وكأنها تغرد خارج سرب المشاعر الشعبية الحقيقية والمتضاربة.

التعليم “قربان” الحرب: حين يتحول البث الوطني إلى عبء مالي
لعل الفشل الأكبر الذي رصده المراقبون خلال “حرب الـ 40 يوما” تمثل في ملف التعليم، خاصة بالنسبة لطلاب المرحلة الابتدائية. فمع إغلاق المدارس نتيجة المخاطر الأمنية وتدهور جودة التعليم الافتراضي بسبب ضعف الخوادم، كانت الآمال معقودة على “المدرسة التلفزيونية”.
إلا أن المفاجأة الصادمة جاءت من تصريحات وكيلة وزارة التربية والتعليم لشؤون التعليم الابتدائي، رضوان حكيم زادة، التي انتقدت بشدة “بخل” المؤسسة الإعلامية في تخصيص وقت للبث التعليمي. فبينما تخصص دول الجوار قنوات كاملة لكل مرحلة دراسية، لم تمنح “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” التعليم سوى خمس ساعات يوميا، موزعة على كافة المراحل، وهو وقت لا يكفي حتى لشرح أساسيات القراءة والكتابة لطلاب الصف الأول.
والأدهى من ذلك، هو ما كشف عنه نواب في البرلمان حول قيام الإذاعة والتلفزيون بـ “فرض رسوم مالية” على وزارة التعليم مقابل بث البرامج التعليمية. هذا التصرف أثار موجة عارمة من الغضب، حيث اعتُبر تحويل التعليم الوطني في وقت الحرب إلى “سلعة ربحية” بمثابة طعنة في ظهر العدالة التعليمية.
فالمؤسسة التي تتلقى ميزانيات ضخمة من جيوب دافعي الضرائب، طالبت بمبالغ إضافية لأداء واجبها الوطني الأساسي، مما أدى في النهاية إلى تضرر الفئات الأكثر فقرا والمناطق المحرومة التي لا تملك وسيلة للتعليم سوى شاشة التلفزيون، مما جعل “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” تبدو في نظر الكثيرين كـ “تاجر أزمات” لا كـ “مرشد وطني”.

التلفزيون بين “بطولات الشارع” و”رنج الخبز”
حذرت صحيفة “خراسان” المحسوبة على التيار الأصولي من ظاهرة خطيرة أسمتها (تآكل التضامن الوطني) نتيجة انحياز التلفزيون لتمثيل فئة واحدة من المجتمع. يرى المحلل أن هناك وجهين للوطنية في إيران اليوم: “الوطنية الملموسة” التي تظهر في الشوارع حاملة الأعلام ومرددة للهتافات، و”الوطنية الصامدة” التي يمثلها العمال العاديون، وسائقو “تاكسي الإنترنت”، وأصحاب المهن الصغيرة الذين يصارعون البقاء تحت وطأة التضخم وركود الحرب. المشكلة تكمن في أن “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” تحصر مفهوم “الشعب” في الفئة الأولى فقط، بينما تتجاهل “الأبطال الصامتين” الذين يدفعون الثمن الاقتصادي الأكبر للحرب.
إن هذا التغييب المتعمد للهموم المعيشية على الشاشة الرسمية يخلق شعورا بالدونية والإقصاء لدى ملايين المواطنين. فعندما يرى العامل الذي فقد عمله نتيجة الحرب أن التلفزيون لا يتحدث إلا عن “الملاحم”، يشعر بأنه خارج “دائرة الانتماء”. هذا “الشرخ تحت القشرة الاجتماعية” يهدد الوحدة الوطنية.
إذ يتحول التلفزيون من مرساة للأمان النفسي إلى أداة تزيد من حدة الاستقطاب الطبقي والسياسي. فالصمود الوطني لا يُبنى بالخطابات الحماسية وحدها، بل بالشعور بأن الدولة، عبر إعلامها، ترى وتسمع وتقدر تضحيات كل فرد، مهما كان نوعها.

“مرافئ الطمأنينة” الغائبة: أطفال إيران وسط ضجيج المدافع
من النقاط التي سجلت إخفاقا ذريعا للمؤسسة هو عجزها عن تكييف محتواها الترفيهي مع الواقع النفسي للأطفال في زمن الحرب. فرغم مرور أكثر من 50 يوما على اندلاع الحرب، ظلت الشاشة الإيرانية تفتقر إلى البرامج الكوميدية والترفيهية التي تمنح الصغار مساحة للتنفس النفسي بعيدا عن مشاهد الانفجارات والتهديدات.
يرى خبراء علم النفس أن “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” فشلت في أن تكون ملجأ نفسيا للمجتمع؛ إذ أن الإصرار على البقاء في حالة استنفار برامجي دائم يؤدي إلى استنزاف القوى النفسية للمواطنين، وخاصة الجيل الجديد الذي يعاني أصلاً من القلق تجاه المستقبل.
إن غياب “المدرسة التلفزيونية” المتكاملة، وتراجع البرامج الترفيهية النوعية، جعل من التلفزيون الرسمي “جهازا للتوتر” بدلا من أن يكون “أداة للطمأنة”. فالحرب ليست فقط جبهات قتال، بل هي إدارة للحياة اليومية بكل تفاصيلها الصغيرة.
وعدم قدرة المؤسسة على الموازنة بين “الإعلام الحربي” و”الإعلام الحياتي” يعكس ضعفاً في التخطيط الاستراتيجي وفهماً قاصراً لدور الإعلام في المجتمعات الحديثة، حيث يُنتظر من الإعلام الرسمي أن يقود عملية “تطبيع الحياة” في أصعب الظروف للحفاظ على توازن المجتمع.
أبعد من تغيير الرؤساء: هيكل متصلب أمام جمهور متحول
مع تزايد الإشاعات حول تغيير رئيس الهيئة، يبرز رأي وازن يرى أن أزمة “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” ليست أزمة أشخاص، بل هي أزمة “هوية ووظيفة”. فالمنظمة تعاني من تضخم بيروقراطي وانفصال عن الواقع الاجتماعي المعقد لإيران القرن الحادي والعشرين.
الجيل الجديد، الذي يمثل النسبة الأكبر من الجمهور، نشأ في بيئة إعلامية مفتوحة، وهو لا يتقبل “الوصاية الفكرية” التي تمارسها المؤسسة. الانتقادات اللاذعة التي وجهها شخصيات مثل حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، تعكس هذا الواقع؛ حيث يتم تهميش العقول الوطنية الوازنة لصالح “مؤثرين” على منصات محلية (مثل إيتا) لا يملكون وزنا حقيقيا في الشارع، لكنهم يُمنحون ساعات من البث المباشر.
إن استمرار المؤسسة في العمل كـ “جهاز بروباغندا” أحادي الاتجاه بدلا من أن تكون “ساحة للحوار” يهدد بتحويلها إلى مؤسسة مهجورة بمجرد عودة الإنترنت والبدائل الإعلامية. فالجمهور اليوم يملك خيارات المقارنة، وهو يبحث عن “الصدق في الرواية” قبل “الضخامة في الإنتاج”.
إذا لم يتم إعادة تعريف علاقة “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” بالشعب الإيراني بجميع أطيافه، وإذا لم يتم فك التداخل بين “الأيديولوجيا” و”الخدمة العامة”، فإن المؤسسة ستظل تراوح مكانها، تفقد مرجعيتها يوما بعد يوم، وتتحول من “رسالة وطنية” إلى “جدار إعلامي” يفصل بين السلطة والمجتمع بدلا من أن يكون جسرا بينهما.

الدروس المستفادة من “إعلام الطوارئ”
إن تجربة “الإذاعة والتلفزيون الإيراني” في حرب الـ 40 يوما تمثل درسا قاسيا حول حدود القوة الإعلامية المنغلقة. فالحرب أثبتت أن امتلاك البث لا يعني بالضرورة امتلاك “العقول”. لقد نجحت المؤسسة في نقل أخبار الصواريخ، لكنها فشلت في نقل نبض الشارع وهموم الأمهات وأحلام الأطفال الموؤودة خلف الشاشات المتعطلة لتطبيق “شاد”، المنصة التعليمية الرسمية في إيران.
إن العودة إلى الشعب هي المخرج الوحيد؛ وهي عودة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالخطأ، وانفتاحاً على النقد، وإيمانا بأن قوة الإعلام الرسمي تستمد من قدرته على احتواء “الجميع”، وليس فقط من يصفقون في الميادين. إن إيران ما بعد الحرب تحتاج إلى إعلام يكون “مرآة” لا “فلتر”، و”منصة حوار” لا “منبرا للخطابة”، وإلا فإن الصمت الشعبي الذي واجه بعض برامجها قد يتحول إلى قطيعة نهائية لا ينفع معها تغيير في الأسماء أو زيادة في الميزانيات.
.

