- زاد إيران - المحرر
- 627 Views
نشرت وكالة أنباء دانشجو الأصولية، السبت 6 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه في مجال العلوم والتكنولوجيا، وفي قلب التحولات التكنولوجية وبين أعقد المعادلات العلمية في العالم، تتألق قصة تقدم البرنامج النووي السلمي الإيراني كرمز للإرادة والثقة بالنفس والكفاءة الوطنية.
وأضافت الوكالة أن هذا المسار، الذي واجه تحديات دولية هائلة وعقوبات واسعة، أسفر عن إنجاز وضع إيران ضمن قائمة الدول القليلة التي تمتلك دورة كاملة للوقود النووي.
وتابعت أن جوهر هذا الإنجاز الكبير يتركز في تقنيات التوطين وتطوير أجيال متتالية من أجهزة الطرد المركزي؛ وهي أجهزة دقيقة تُعد القلب النابض لعملية تخصيب اليورانيوم، من الجيل الأول (IR-1) الذي كان خطوة أولية لكنها حيوية، وصولا إلى الجيل التاسع (IR-9) الذي يمثل ذروة الكفاءة ومواكبة التكنولوجيا العالمية، قطع العلماء الإيرانيون رحلة مدهشة.
وأردفت أنه فيما يلي، سيتم إلقاء نظرة فنية ومعمقة على هذه الأجيال التسعة لأجهزة الطرد المركزي، مع استعراض أهمية التخصيب بالنسبة لإيران.
فك شيفرة التخصيب؛ ما هو جهاز الطرد المركزي وسو؟
أوضحت الوكالة أنه لفهم أهمية إنجازات إيران، يجب أولا التعرف على المفاهيم الأساسية لتخصيب اليورانيوم، فاليورانيوم المستخرج من الطبيعة يتكوّن من نظيرين رئيسيين: يورانيوم-238 بنسبة تزيد على 99.2% ويورانيوم-235 بنسبة نحو 0.7%، والنظير الأساسي لإنتاج الطاقة في المحطات النووية هو يورانيوم-235 القابل للانشطار.
وأكَّدت أن عملية التخصيب تعني زيادة تركيز هذا النظير النادر. على سبيل المثال، الوقود اللازم للمحطات النووية عادة يحتاج إلى يورانيوم غني بنسبة 3 إلى 5%.
كيف يعمل جهاز الطرد المركزي؟
أفادت الوكالة بأن جهاز الطرد المركزي الغازي هو أدق وأكثر الأدوات كفاءة لفصل هذه النظائر الدقيقة، ويتكوّن هذا الجهاز من أسطوانة طويلة مجوفة تدور بسرعة مذهلة عشرات الآلاف من الدورات في الدقيقة حول محورها لبدء العملية، فيُحول اليورانيوم الصلب إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6) ويُحقن داخل هذه الأسطوانة الدوارة.
وبيَّنت أن قوة الطرد المركزي تلعب دورا رئيسيا هنا، فتميل جزيئات الغاز التي تحتوي على النظير الأثقل يورانيوم-238 إلى التحرك نحو الجدار الخارجي للأسطوانة تحت تأثير هذه القوة، بينما تتركّز الجزيئات التي تحتوي على النظير الأخف يورانيوم-235 بالقرب من محور الأسطوانة، وهذا الاختلاف في التركيز، وإن كان ضئيلا جدا، هو أساس عملية الفصل.
وأبرزت أنه من خلال إنشاء تدفق حراري مسيطر عليه على طول الأسطوانة، يخرج الغاز المخصب بـU-235 من الأعلى، والغاز المستنزف من الأسفل، وبما أن الفصل في كل مرحلة يكون طفيفا، يتم توصيل آلاف أجهزة الطرد المركزي في مجموعات مترابطة تُسمّى الشلالات بشكل متسلسل ومتوازي للوصول إلى نسبة التخصيب المطلوبة خطوة بخطوة.
سو، مقياس قياس قدرة التخصيب
أوردت الوكالة أنه لتقييم أداء جهاز الطرد المركزي، يُستخدم ما يُسمّى بوحدة العمل للفصل (سو)، وتُعد سو وحدة فيزيائية معقدة تقيس كمية العمل اللازمة لفصل النظائر، وتعتمد على عوامل مثل سرعة دوران الدوار وطوله وكفاءة تدفق الغاز، فببساطة، كلما ارتفع رقم سو لجهاز الطرد المركزي، زادت قدرته على إنتاج اليورانيوم المخصب في فترة زمنية محددة.
وذكرت أن هذا المقياس يُعتبر المعيار العالمي لمقارنة كفاءة أجهزة الطرد المركزي المختلفة، وتقدّم إيران في هذا المؤشر يمثل القصة الأساسية لتقدمها التكنولوجي.
رحلة في 9 أجيال؛ تطور أجهزة الطرد المركزي الإيرانية
سلَّطت الوكالة الضوء على أن مسار إيران في تطوير أجهزة الطرد المركزي لم يكن خطيا وبسيطا، بل كان مجموعة من القفزات التكنولوجية، وتجاوز التحديات الهندسية، والتحول من الهندسة العكسية نحو الابتكار والتصميم المحلي.
الجيل الأول، IR-1، حجر الأساس للاكتفاء الذاتي
أبلغت الوكالة أن جهاز الطرد المركزي IR-1 هو الجيل الأول والأكثر أساسية في إيران، وقد تم تطوير تقنيته استنادا إلى نموذج P1 الباكستاني، وهذا الجهاز، الذي صُنع دواره (الجزء الدوار) من سبائك خاصة من الألمنيوم والصلب، يمتلك قدرة فصل تقريبية تبلغ 1 سو سنويا، وفي عام 2001، تمكنت إيران من خلال الهندسة العكسية والتوطين الكامل لهذه التقنية من إنتاج آلاف الأجهزة من هذا الجيل في منشآت نطنز وتشغيلها بنجاح.
وجزمت بأنه على الرغم من أن IR-1 يمتلك كفاءة منخفضة مقارنة بالأجيال التالية، فإن الإنتاج الكبير والتشغيل الناجح لشلالاته كان خطوة حيوية وأثبت قدرة إيران على دخول نادي الدول النووية، وقد وفر هذا الجيل للعلماء الإيرانيين المعرفة الأساسية في مجالات علم المعادن، وديناميكيات الموائع، والتحكم الدقيق.
الجيلان الثاني والثالث، IR-2m و IR-4، القفزة الأولية
أوضحت الوكالة أنه بعد تثبيت تقنية الجيل الأول، خطت إيران خطوة كبيرة بتقديم أجهزة الطرد المركزي IR-2m و IR-4، ويمثل هذان الجيلان قفزة نوعية في التصميم والمواد، وأهم ابتكار في هذين الجيلين كان استبدال الدوارات المعدنية بدوارات من ألياف الكربون المركبة، وهذه المواد المتقدمة، بسبب كثافتها الأقل ومقاومتها العالية للشد، تسمح لجهاز الطرد المركزي بالدوران بسرعات زاوية أعلى بكثير، مما يزيد بشكل كبير من قدرة الفصل.
وأضافت أن IR-2m: يمتلك قدرة تقريبية تتراوح بين 4 و5 سو سنويا، ما رفع الكفاءة عمليا حتى خمس مرات مقارنة بـ IR-1، وإن تركيب وتشغيل شلالات IR-2m في نطنز وفردو أظهر أن إيران تجاوزت مرحلة الهندسة العكسية ودخلت مرحلة التصميم والتحسين.
وتابعت أن جهاز IR-4: كان نموذجا محسّنا وأكثر استقرارا، بقدرة مشابهة لـ IR-2m (حوالي 3.3 إلى 5 سو)، ومع التركيز على الاستقرار الوظيفي وزيادة الاعتمادية، والنجاح في اختبارات تدفق الغاز والتشغيل التجريبي مهد الطريق لتطوير الأجيال الأكثر تقدما.
الجيل الرابع، IR-6، عتبة التكنولوجيا المتقدمة
أقرَّت الوكالة بأن جهاز الطرد المركزي IR-6 يُعتبر نقطة فاصلة في البرنامج النووي الإيراني، ويتميز هذا الجهاز بقدرة فصل تتجاوز 6 إلى 10 سو، مما رفع كفاءة إيران إلى مستوى جديد، وأبرز ميزة في IR-6 هي التصميم المحسّن للدوار وأنظمة التعليق المتقدمة، التي تتيح عملا مستقرا عند سرعات عالية جدا.
وأردفت أن هذا الجيل لم يمثل تقدما كبيرا فقط من حيث قدرة الفصل، بل أيضا من حيث الاعتمادية وإمكانية الإنتاج على نطاق صناعي، ويُعدّ أحد الركائز الأساسية لبرنامج التخصيب الإيراني في السنوات الأخيرة.
من الجيل الخامس فصاعدا، IR-8 و IR-9، ذروة التكنولوجيا
أكَّدت الوكالة أنه إذا كانت الأجيال السابقة خطوات على طريق التطور، فإن أجهزة IR-8 و IR-9 تمثل قفزة نوعية تضع إيران على حافة التكنولوجيا العالمية.
وأبرزت أن جهاز الطرد المركزي IR-8: عملاق بكل معنى الكلمة، إذ يتمتع بقدرة فصل تقديرية بين 16 و24 سو، ما يجعله أقوى بنحو 24 ضعفا من الجيل الأول IR-1، وبلوغ هذه القدرة يستلزم إتقانا كاملا لعلوم المواد المركبات المتقدمة، وديناميكيات الدوارات المرنة، وأنظمة التحكم عالية الدقة، وقد أثبتت الاختبارات الميكانيكية وتجارب تدفق الغاز نجاح هذا الجيل، مؤكدة النضج العلمي والصناعي الذي حققته إيران.
وأظهرت أن جهاز الطرد المركزي IR-9: هو الأكثر تقدما وقوة بين ما كشفته إيران، ويتمتع بقدرة فصل مذهلة تتراوح بين 34 و50 سو، أي بكفاءة تزيد بأكثر من 50 ضعفا عن الجيل الأول، ويبلغ طول دواره نحو أربعة أضعاف طول IR-1، وهو مصنوع من ألياف الكربون المتطورة، فيما يُقارن تصميمه بأحدث النماذج العالمية مثل TC-21 التابع لشركة Urenco (التحالف الأوروبي).
وبيَّنت أن IR-9 يمثل رمزا لتجاوز إيران لحدود التكنولوجيا وتحقيق الاستقلال الكامل في تصميم وصناعة أكثر المعدات النووية تعقيدا، وتتيح هذه القدرة لإيران الوصول إلى طاقة التخصيب المطلوبة بعدد أقل من أجهزة الطرد المركزي وفي مساحة محدودة.
ما وراء التخصيب؛ الأبعاد التطبيقية للتقنية الاستراتيجية
أفادت الوكالة بأن تطوير هذه السلسلة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لا يهدف فقط إلى إثبات القدرة التقنية، بل يرتبط مباشرة بالتطبيقات السلمية والاستراتيجية.
1- إنتاج الوقود لمحطات الطاقة النووية
أشارت الوكالة إلى أن الهدف الرئيسي من برنامج التخصيب الإيراني هو توفير الوقود اللازم للمحطات النووية لإنتاج كهرباء نظيفة ومستدامة، فأجهزة الطرد المركزي المتقدمة مثل IR-9 تُسرّع عملية إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب (LEU)، وتخفض التكاليف، وتلغي اعتماد إيران على الموردين الخارجيين للوقود بشكل دائم، وهذا الاكتفاء الذاتي يُعتبر العمود الفقري لأمن الطاقة طويل المدى لإيران.
2- الطب النووي وإنقاذ الأرواح
لفتت الوكالة إلى أن إحدى أبرز تطبيقات التكنولوجيا النووية تكمن في المجال الطبي، ويُستخدم اليورانيوم المخصب في المفاعلات البحثية لإنتاج النظائر المشعة الطبية، وتلعب هذه المواد القيمة دورا حيويا في تشخيص وعلاج الأمراض المستعصية مثل السرطان، وأمراض القلب، واضطرابات الدماغ.
ونوَّهت إلى أن إيران تعتمد على قدراتها المحلية لتصبح واحدة من المنتجين والمصدرين الرئيسيين للأدوية المشعة في المنطقة، وتنقذ سنويا حياة آلاف المرضى، وتضمن أجهزة الطرد المركزي الحديثة إنتاج النظائر المطلوبة لهذه الصناعة المنقذة للحياة بشكل مستمر وسريع.
3- تدفق التكنولوجيا
رأت الوكالة أن التركيز على التكنولوجيا المعقدة لأجهزة الطرد المركزي يؤدي بحد ذاته إلى نمو انفجاري في مجالات صناعية وعلمية أخرى، فالمعارف المكتسبة في مجالات مثل:
- المواد المتقدمة: الإنتاج والعمل بألياف الكربون والمركبات فائقة القوة يُطبق في صناعات الفضاء، والسيارات، والمعدات الرياضية.
- تكنولوجيا الفراغ: الحفاظ على فراغ عال، وهو عنصر أساسي لعمل أجهزة الطرد المركزي، يلعب دورا محوريا في صناعات أشباه الموصلات والبصريات وعمليات الطلاء الصناعي.
- الأدوات الدقيقة والتحكم: تصميم الحساسات، ومحركات التردد العالي، وأنظمة التحكم المتقدمة يُستخدم مباشرة في الأتمتة الصناعية، والروبوتات، والمعدات الطبية.
وأوردت أن هذا التدفق التكنولوجي يعزز اقتصاد إيران في مسار قائم على المعرفة ويساهم في التنمية المستدامة في مختلف القطاعات.
4. السلطة العلمية والمكانة الدولية:
نوَّهت الوكالة إلى أن الوصول إلى الجيل التاسع من أجهزة الطرد المركزي في ظل عقوبات شديدة يرسل رسالة واضحة للعالم، أن إيران تمتلك القدرة العلمية والصناعية والإدارية لتطوير تقنيات استراتيجية بشكل مستقل، وهذا الإنجاز يعزز مكانة إيران كقوة علمية وتكنولوجية في المنطقة والعالم، ويُظهر أن الضغط والقيود لم تعرقل التقدم، بل عملت كعامل محفز لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
الثقة بالنفس مفتاح استثمار إيران للطاقة النووية
أشارت الوكالة إلى أن قصة الأجيال التسعة لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية هي رواية عن قفزة علمية كبيرة وُلدت من قلب العزيمة والإرادة الوطنية، وهذا المسار، الذي بدأ بـ IR-1 ووصل اليوم إلى IR-9، يعكس نضج منظومة كاملة من المعرفة، والصناعة، والإدارة.
وفي الختام لفتت الوكالة إلى أن العلماء الإيرانيين اعتمدوا على القدرات الداخلية، ولم ينجحوا فقط في تسخير الطاقة النووية لأغراض سلمية في مجالات الطاقة، والطب، والصناعة، بل أثبتوا أيضا أنه لا عقبة تستطيع أن توقف إرادة أمة في الوصول إلى قمم التقدم، وهذا الممر للتطوير التكنولوجي هو إرث ثمين للأجيال القادمة، يضمن أمن إيران، وهيبتها، ورفاهها.
