إيران والعدالة الصحية المهددة أمام جشع بعض الأطباء

يشهد القطاع الطبي في إيران جدلا واسعا بسبب تفشي ظاهرة فرض مبالغ إضافية على المرضى رغم وجود التأمين الصحي، وتكشف هذه الممارسات عن أزمة ثقة بين المجتمع والجهاز الطبي، وتطرح تساؤلات جدية حول غياب الرقابة وضعف التدخل الحكومي، ومع تزايد شكاوى المواطنين، تتعاظم الحاجة إلى تحرك عاجل يضمن العدالة في العلاج ويحافظ على مكانة المهنة
الطبية.

نشر موقع جهان نيوز، الجمعة 19 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكر فيه أنه من المتوقع أن تؤدي حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، نظرا إلى وجود طبيب على رأسها وحضور ما لا يقل عن طبيبين آخرين في منصب نائب الشؤون التنفيذية ووزارة الصحة، أداء أفضل في المجال العلاجي، وبالطبع، فإن النائب البرلماني السابق لبزشكيان شهرام دبيری، هو الآخر طبيب وصاحب مستشفى.

وأضاف أن إلقاء نظرة على هيكل الحكومة، بدءا من بزشكيان ومرورا بالنواب وحتى المحافظين وغيرهم، يُظهر بوضوح الشخصيات التي مارست مهنة الطب سابقا، والتي حصلت الآن في حكومة بزشکیان على مناصب مهمة وخاصة.

وتابع أن من بين هؤلاء محمد جعفر قائم‌ بناه الذي عمل يوما ما مع بزشکیان في وزارة الصحة والعلاج خلال حكومة الإصلاحات الثانية، ويشغل الآن منصب نائب الرئيس التنفيذي، وهو متخصص في طب العيون، أما وزير الصحة محمد رضا ظفر قندي، فهو أيضا من أطباء الحكومة، ومتخصص في الأوعية الدموية والكسور.

وأردف أن محافظ مازندران مهدي يونسي رستمي، الذي كان قد أدلى قبل فترة بتصريحات مثيرة للجدل، هو أيضا طبيب. 

وأوضح أنه مع هذه المعطيات، يُفترض أن تكون حساسية الحكومة تجاه قضايا علاج الناس أكبر من السابق، غير أن ما يبعث على القلق هو ما يحدث حاليا في المجال الطبي، وتحديدا في قطاع حساس مثل الجراحة، إذ يشهد ظاهرة آخذة في الانتشار تتطلب من الحكومة معالجة عاجلة.

وأكَّد أن الناس يعتمدون على التأمين الصحي لتلقي العلاج، وأحيانا يُضاف إلى هذا التأمين الأساسي تأمين مكمّل لتغطية النفقات الطبية وتقليل العبء المالي، ولكن يُلاحظ أن بعض الأطباء – وللأسف عددهم ليس قليلا – يفرضون مبالغ إضافية فوق ما يغطيه التأمين الأساسي أو التكميلي، مما يزيد العبء على كاهل المرضى.

وعلى سبيل المثال، يصرّح بعض الجراحين بأن أموال العلاج والتأمين غير كافية، ويطلبون من المرضى وأسرهم مبالغ إضافية تتراوح بين 10 ملايين ريال إيراني أي حوالي (237.74  دولار أمريكي) وتصل أحيانا إلى أكثر من 100 مليون ريال، أي نحو (2377.41 دولار) نقدا لإجراء العمليات الجراحية.

وأبرز أن الأطباء الذين يقدمون على مثل هذا الفعل يلجؤون إلى ذرائع مختلفة، مثل الادعاء بأنهم جراحون مهرة أو أن مستحقات التأمين التكميلي تُدفع متأخرة، ليضغطوا على مرضاهم من أجل إجراء العملية، وفي بعض الحالات، وبسبب الوضع الحرج أو الخاص للمريض، تُلبّى هذه المطالب، فتدخل المبالغ الإضافية إلى جيوب الأطباء.

وبيَّن أنه بقيام الجراحين بهذه الممارسات، يُعاد ضخّ القلق في المجتمع مجددا، إذ يبقى الناس، رغم امتلاكهم للتأمين التكميلي، قلقين من التكاليف الجانبية الإضافية، ومع صعوبة العمليات الجراحية، أو ما يسميه الأطباء البراعة والأيدي الذهبية، ترتفع هذه الأرقام أكثر، وقد امتدت هذه الظاهرة حتى إلى مجالات مثل عمليات الولادة والقلب وغيرها.

ورأى أن “هذا الأمر للأسف آخذ في التحول إلى قاعدة شائعة وعرف طبي، وذلك داخل شريحة تُعَدّ من أكثر الفئات ثراء ودخلا في المجتمع، لكنها تبدو غير مكتفية بحقوقها، ومع هذه السلوكيات غير الأخلاقية تُعرّض قطاع العلاج للخطر، وفي الوقت نفسه، لم تقم الحكومة ووزارة الصحة بخطوات جادّة في هذا المجال”.

وأفاد بأن بزشكيان كان قد أكد في وعوده الانتخابية، وبعدها، أنه يقف إلى جانب الناس وجاء ليرفع عنهم القلق، ومن جهة أخرى، وبما أن بزشکیان نفسه طبيب قلب، فقد كان دائما مدافعا عن الأطباء، وتحدث عن رفع أجورهم لمنع هجرتهم وتشجيعهم على العمل داخل إيران، ودافع عن زيادة أجور الكشف الطبي. 

وأورد أن هذه الخطوات لا تكفي بعض الأطباء، وبالتالي فإن الأطباء، على الأقل في هذه الفترة، يحظون بدعم بزشكيان، بينما الناس بدورهم بحاجة إلى دعم يبدّد قلقهم.

وأبرز أنه إذا لم يتم وضع حدّ لمثل هذه الممارسات، فسيفقد التأمين التكميلي فعاليته، وسيبقى الناس بلا حماية فعلية، ليصبح العلاج في إيران مرادفا للقدرة المادية فقط، وتضعف العدالة الاجتماعية في هذا المجال، وكأن المواطنين دائما في موقع متأخر خطوة عن مخاوف العلاج وتكاليفه التي لا تنتهي، ويأتي ذلك في وقت يتجه فيه المجتمع إلى الشيخوخة، ما يستدعي توسيع الخدمات الطبية والعلاجية وتسهيل الوصول إليها.

وذكر أنه في ظل هذه الأوضاع، يتعيّن على حكومة بزشكيان، ولا سيما وزارة الصحة والعلاج، أن تراجع هذا النهج الخاطئ وغير السليم، وأن توقفه من خلال التفتيش ومحاسبة الأطباء المخالفين لقطع الطريق أمام هذه الممارسات غير الصحيحة، فهذا الموضوع قد أطلق بالفعل جرس الإنذار، وعوامله معروفة بوضوح، فيما لدى الناس تجارب مريرة في هذا المجال. 

وفي الختام أقرَّ الموقع بأن “الأمر يستدعي أن يتدخل بزشكيان شخصيا، بصفته طبيبا سبق أن أقسم على الالتزام بأخلاقيات الطب، ليقوم بإجراء خاص وحاسم تجاه هذه السلوكيات المنافية للأخلاق الطبية”.