إيران وحرب الروايات.. بين صورة التهديد ومعركة الاستقرار

نشر موقع مشرق نيوز، الجمعة 29 أغسطس/آب 2025، تقريرا أشار فيه إلى أن مرحلة التحول في النظام الدولي جعلت حرب الروايات أحد الأبعاد الحاسمة في المنافسات الجيوسياسية، إذ لم يعد توجيه الرأي العام وصياغة التصورات العالمية عن أي فاعل دولي أقل أهمية من القوة العسكرية أو الاقتصادية في تأمين المصالح الوطنية. 

وأضاف الموقع أن القوى الغربية، بهدف إعادة تشكيل النظام الأمني والاقتصادي في مناطق استراتيجية مثل غرب آسيا، بشكل متزايد، تلجأ إلى استخدام أداة الوسم الاستراتيجي لعزل خصومها واحتوائهم.

وتابع أن من أبرز هذه الوسوم تصوير إيران كقوة مخرّبة يُفترض أنها العقبة الأساسية أمام السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة، وهذا النهج لا يقتصر على كونه تكتيكا إعلاميا، بل يمثل استراتيجية متعددة المستويات تهدف إلى نزع الشرعية عن نفوذ إيران الإقليمي وتهيئة الأرضية لفرض المزيد من الضغوط.

وأردف أن هذه المقالة، تسعى من خلال تحليل أحد أحدث الوثائق الأمنية الغربية، وهو استراتيجية الأمن القومي البريطانية 2025، إلى الإجابة عن السؤال المحوري التالي، كيف يجري إرساء هذه الرواية في الوثائق الاستراتيجية للقوى الأوروبية؟ وما التداعيات الاستراتيجية التي قد تترتب على هذا المسار بالنسبة لأمن ومصالح إيران على المدى المتوسط والبعيد؟

من وصم العناوين إلى استراتيجية الاحتواء

أوضح الموقع أن التحولات الجوهرية في البيئة الدولية والإقليمية دفعت القوى الغربية إلى إعادة تعريف مصالحها واستراتيجياتها، فمحاولة فرض نظام جديد في غرب آسيا يضمن مصالحها بعيدة المدى، وتستلزم إضعاف أو إقصاء اللاعبين الذين يقاومون هذا النظام، وقد وُضِعت إيران، نظرا إلى عمقها الاستراتيجي واستقلالها في السياسة الخارجية وقدرتها على التأثير في معادلات المنطقة، في صميم هذه الاستراتيجية الرامية إلى احتوائه.

وأفاد بأنه نظرا إلى كون الإقصاء الميداني أو الإضعاف المفاجئ لقوة إيران عبر مواجهة عسكرية مباشرة خيارا مكلفا ومحفوفا بالمخاطر، فقد تم اعتماد حرب معرفية وإدراكية متواصلة تستهدف استنزاف شرعيتها وعزلها سياسيا.

وأبرز أن جوهر هذه الحرب يقوم على إنتاج وترويج مقولة تُصوّر إيران لا كفاعل عقلاني وصاحب مصالح مشروعة، بل كعنصر إرباك وزعزعة استقرار، وهذه الأطر تسعى إلى تحقيق أهداف متعددة، أولا، خلق إجماع دولي حول إجراءات تقييدية؛ ثانيا، ردع اللاعبين الإقليميين عن التعاون مع إيران؛ وثالثا، تبرير السياسات العدائية أمام الرأي العام الداخلي لديهم.

إضفاء الطابع المؤسسي على تصوير إيران كتهديد في وثائق الغرب

أورد الموقع أن هذا النهج يمكن تتبعه بوضوح في الوثائق الاستراتيجية الأخيرة للقوى الغربية، على سبيل المثال البارز، وثيقة استراتيجية الأمن القومي البريطاني 2025 التي نُشرت في يونيو/حزيران 2025، وصفت إيران، بشكل غير مسبوق كتهديد مباشر. 

وأبلغ أنه في قسم المواجهة من هذه الوثيقة، جاء الادعاء التالي، أن النشاط العدائي لإيران داخل الأراضي البريطانية في تزايد، كجزء من مساعي النظام الإيراني لإسكات منتقديه في الخارج وأيضا كتهديد مباشر لبريطانيا، وتواصل الوثيقة اتهام إيران بأنشطة هجومية ومزعزعة للاستقرار، وتشير بشكل مباشر إلى المواجهة العسكرية مع النظام الإسرائيلي.

وأظهر أن بريطانيا وضعت إيران، إلى جانب روسيا، في إطار خطة تسجيل النفوذ الأجنبي، في مرتبة أعلى مستوى من التهديد، ما يقتضي رقابة صارمة على الأنشطة المرتبطة به داخل بريطانيا.

وبيَّن أن “الجدير بالملاحظة هنا هو غياب التوازن الاستراتيجي في الخطاب الرسمي لإيران مقارنة بخطاب الغرب، ففي حين أن وثيقة بهذا المستوى تصف إيران صراحة بأنها تهديد وتتهمها بأنشطة عدائية، فنادرا ما نجد في الوثائق الاستراتيجية أو البيانات الرسمية لإيران لهجة مشابهة تجاه بريطانيا أو القوى الأوروبية الأخرى”.

ونوَّه إلى أن “الخطاب في سياستنا الخارجية يقوم غالبا على مفاهيم عامة مثل نظام الهيمنة أو تدخل القوى من خارج المنطقة، ويتجنب تسمية الدول بشكل مباشر كعدو أو مصدر تهديد مخل، وعدم التوازن هذا، وإن كان قد ينشأ من مقاربة دبلوماسية مختلفة، يضع إيران في ميدان حرب الروايات في موقع دفاعي، فبينما يوجّه الطرف المقابل اتهامات صريحة ويعرّفنا كمصدر تهديد، نمتنع نحن رسميا عن إبراز الدور التاريخي والمعاصر لهذه القوى في خلق عدم الاستقرار والإخلال بالمنطقة”. 

وذكر أن هذا الفراغ يمنح الغرب فرصة لترسيخ روايته باعتبارها الإطار التحليلي الغالب في المحافل الدولية من دون مواجهة جدية.

تكاليف التغافل عن حرب الروايات

سلَّط الموقع الضوء على أن تداعيات هذا المسار بالغة الخطورة، فترسيخ صورة إيران المخلّة عشية اتخاذ قرارات مصيرية، مثل تفعيل آلية الزناد، قد يسهّل بناء إجماع دولي ضد إيران ويرفع كلفة الصمود الدبلوماسي على الدول المستقلة، وهذه الرواية تعيد تأويل أي خطوة لإيران في سبيل حماية مصالحها المشروعة في المنطقة- من دعم محور المقاومة وصولا إلى تطوير البرامج الدفاعية- باعتبارها دليلا على سلوك هدّام. 

وأشار إلى أنه “في مثل هذا المناخ، تُقابَل حتى المبادرات السلمية والدبلوماسية الإيرانية بريبة وتُفسَّر كتكتيكات لتمرير أهداف خفية، في النهاية، تصوغ هذه العملية إدراكا نفسيا وسياسيا يمهّد لمزيد من الضغوط، بل يتيح تبرير خيارات أكثر صرامة ضد الأمن القومي، ما يدفع مشروع إيرانوفوبيا إلى مرحلة جديدة أكثر عملية وفاعلية”.

الخلاصة والتوصيات

لفت الموقع إلى أن تحليل وثيقة الاستراتيجية الأمنية الوطنية البريطانية والوثائق الغربية المشابهة التي نُشرت خلال السنوات الأخيرة يُظهر بوضوحٍ أن تصوير إيران كقوة مُعطِّلة ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو استراتيجية مدروسة وجزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل منطقة غرب آسيا على أساس إضعاف محور المقاومة وتقليص نفوذ إيران. 

وأكَّد أن هذا التصنيف يشكل حجر الأساس لمنح الشرعية لسياسات الاحتواء الشامل، بدءا من العقوبات الاقتصادية وصولا إلى العزلة الدبلوماسية والتهديدات الأمنية، وإذا لم نتمكن من مواجهة هذه السردية بفاعلية وذكاء واستمرار، وتثبيت سردية بديلة خاصة بنا، فسنُفاجأ أكثر في ساحة الحرب الإدراكية، ونشهد تزايد تشكّل إجماعات دولية ضد مصالحنا الوطنية. 

وجزم بأنه في هذه المرحلة الحساسة، التي يمكن وصفها بمرحلة ما بين الحروب، تُعد إدارة صورة إيران على المستوى الدولي ضرورة استراتيجية لا يمكن إنكارها، ولمواجهة هذا المسار، يصبح تبنّي استراتيجية شاملة لدبلوماسية السردية أمرا ضروريا، وهذه الاستراتيجية يجب أن تتجاوز حدود الإجراءات الانفعالية أو الحملات الدعائية، وأن تستند إلى عدة محاور أساسية:

أولا، إعادة النظر وإحداث تحول جذري في البُنى والهياكل والأشخاص والمؤسسات المسؤولة عن الدبلوماسية العامة والإعلامية في إيران، فالأداء الذي قدّمته هذه الهيئات خلال السنوات الماضية، رغم ما تمتلكه من موارد مالية وبشرية ضخمة، لم يكن مقبولا بأي شكل في إحباط مشروع إيرانوفوبيا وتقديم صورة فعّالة ومبتكرة وإيجابية عن إيران، والحاجة إلى ضخ تفكير استراتيجي وإبداع وجرأة في هذا المجال باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ثانيا، الانخراط النشط في إنتاج الرواية والترويج الذكي لسردية إيران بوصفها قوة استقرار وتنمية، فبدلا من الوقوع في فخ الرد المستمر على الاتهامات، يجب إبراز قدرات إيران في مكافحة الإرهاب التكفيري، واستضافة ملايين اللاجئين، وضمان أمن شرايين الطاقة، ودفع مشروعات الاندماج الاقتصادي مثل ممر الشمال ـ الجنوب، أمام الرأي العام والنخب والشعوب في العالم.

ثالثا، الاستفادة من الدبلوماسية متعددة الأطراف وبناء التحالفات مع الدول المستقلة لمواجهة السرديات الغربية الأحادية، وينبغي عرض الدور التاريخي والمعاصر لهذه القوى نفسها في إثارة الحروب والاحتلالات والانقلابات وزرع الفوضى في منطقة غرب آسيا بشكل موثق وعلمي داخل المحافل الدولية

وفي الختام شدد الموقع على أن “حسم الصراع غير المتماثل يتطلب قناعة عميقة بجدوى القوة الناعمة، وتوظيفا استراتيجيا لآليات التأثير في الإدراك، مبينا أن إهمال هذا الجانب يفتح الباب أمام تآكل إنجازات إيران في الميادين الصلبة، وأن موقعها الإقليمي والدولي سيتحدد إلى حد كبير بقدرتها على رواية قصتها”.