اتفاق عسكري إيراني روسي… إعادة تموضع دفاعي وتحالفات تحت الاختبار

شكلت الحرب التي استمرت ١٢ يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران ٢٠٢٥ نقطة تحول استراتيجية في الحسابات الدفاعية لطهران، فالهجمات التي طالت مواقع عسكرية ونووية حساسة، والانضمام الأمريكي المحدود إلى الضربات الجوية، كشفت ثغرات في شبكة الدفاع الجوي الإيرانية، لا سيما في مواجهة الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز منخفضة الارتفاع، وبعد أيام قليلة فقط من انتهاء المواجهة، بدأت إيران تحركات دبلوماسية وعسكرية متسارعة لتعويض الخسائر وإعادة بناء قدراتها الدفاعية سواء على المستوى الداخلي او الخارجي، فيما تم الكشف عن أبرز هذه التحركات مؤخرا.

تفاصيل الصفقة العسكرية بعد حرب الـ١٢ يوم… إعادة بناء منظومة الردع

فبحسب ما كشفه تقرير صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فقد وقعت طهران وموسكو في ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٥ اتفاقا عسكريا بقيمة تقارب ٥٠٠ مليون يورو ينص على تزويد إيران بـ٥٠٠ منصة إطلاق محمولة من طراز فيربا و٢٥٠٠ صاروخ من طراز 9M336، يتم تسليمها على ثلاث دفعات بين عامي ٢٠٢٧ و٢٠٢٩، واستندت هذه المعلومات إلى وثائق روسية مسربة وإفادات مصادر مطلعة على مجريات التفاوض.

Image

هذا فيما تكمن أهمية الصفقة في طبيعة السلاح المتعاقد عليه، فصواريخ فيربا تعد من أحدث أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف في الترسانة الروسية، وهي مصممة لاعتراض الأهداف الجوية منخفضة الارتفاع، مثل الطائرات الهجومية، والمروحيات، والطائرات المسيرة، وصواريخ كروز، فيما يعتمد النظام بتلك الصواريخ على توجيه بالأشعة تحت الحمراء، ويتميز بحساسية عالية تجاه البصمة الحرارية للهدف، ما يمنحه قدرة إصابة دقيقة في بيئات قتالية معقدة.

Image

على أن الجانب العسكري للصفقة لم يكن محل الجدل الأوحد، فالأبعاد المالية للصفقة تعكس أيضا حجم الرهان الإيراني، إذ تشير الوثائق إلى أن سعر الصاروخ الواحد يبلغ نحو ١٧٠ ألف يورو، بينما تقدر قيمة منصة الإطلاق الواحدة بنحو ٤٠ ألف يورو، كما يتضمن العقد تزويد إيران بـ٥٠٠ جهاز رؤية ليلية من طراز Mowgli-2، ما يعزز القدرة التشغيلية للوحدات البرية في ظروف الليل أو الرؤية المنخفضة. وتظهر هذه التفاصيل أن طهران لا تسعى فقط إلى شراء صواريخ، بل إلى بناء شبكة دفاعية مرنة ومتنقلة قادرة على العمل في بيئات حرب غير تقليدية.

Image

توقيت الصفقة يحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، فطلب إيران الرسمي للحصول على هذه الأنظمة قد قدم بداية في يوليو/ تموز ٢٠٢٥، أي مباشرة بعد انتهاء الحرب، وهذا يشير إلى أن التجربة الميدانية خلال المواجهة لعبت دورا مباشرا في تحديد نوعية السلاح المطلوب، كما أن جدولة التسليم بين ٢٠٢٧ و٢٠٢٩ تعكس حسابات بعيدة المدى، إذ يبدو أن طهران تخطط لإعادة هيكلة تدريجية لمنظومتها الدفاعية بدلًا من الاكتفاء برد فعل آني.

إلى جانب هذه الصفقة، تحدثت تقارير عن تسلم إيران عددا من المروحيات الهجومية الروسية من طراز Mi-28 في مطلع عام ٢٠٢٦، واستمرار مفاوضات حول شراء مقاتلات سوخوي ٣٥”، وفي حال صحت تلك التقارير، فإنها تعكس مسارا تصاعديا في نوعية التعاون العسكري بين البلدين، يتجاوز الأنظمة الدفاعية قصيرة المدى إلى تعزيز سلاح الجو الإيراني.

Image

هذا وقد أوضح مراقبون أنه لا يمكن قراءة تلك الصفقة بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، فهي ليست مجرد عقد سلاح تقليدي، بل جزء من استراتيجية إيرانية لإعادة تثبيت ميزان الردع بعد اختبار عسكري صعب. وفي الوقت نفسه، تمثل رسالة سياسية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل مفادها أن طهران قادرة على إعادة التسلح بسرعة، وأن لديها شركاء مستعدين لتلبية احتياجاتها الدفاعية رغم العقوبات والضغوط.

التعاون العسكري بين إيران وروسيا… من ذاكرة الصراع إلى شراكة المصالح

امتدت العلاقات بين إيران وروسيا لقرون، لكنها لم تكن يوما خطا مستقيما من التحالف، ففي القرن التاسع عشر، خاضت إيران القاجارية حربين ضد الإمبراطورية الروسية انتهتا بخسارة أراضٍ واسعة في القوقاز، بموجب معاهدتي جلستان وتركمانجاي، وتركت تلك الهزائم أثرا عميقا في الوعي السياسي الإيراني، حيث ارتبط اسم روسيا لفترة طويلة بالتوسع الإمبراطوري والهيمنة.

في القرن العشرين، ومع بروز الاتحاد السوفيتي، اتخذت العلاقة طابعا أيديولوجيا معقدا، فموسكو دعمت قوى يسارية داخل إيران، وسعت إلى توسيع نفوذها في شمال البلاد. وبعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، لم تكن العلاقة أفضل حالا، إذ وقفت موسكو إلى جانب العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وزودت نظام صدام حسين بأسلحة متطورة.

غير أن انهيار الاتحاد السوفيتي غير المعادلة، فروسيا الاتحادية، التي وجدت نفسها في وضع اقتصادي صعب وتبحث عن أسواق جديدة، رأت في إيران شريكا محتملا. وفي المقابل، كانت طهران، الخارجة من حرب مدمرة وتواجه عزلة دولية، بحاجة إلى شريك عسكري وتقني. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من التعاون في التسعينيات، شملت استكمال محطة بوشهر النووية وتوسيع صفقات السلاح.

Image

في العقد الأول من الألفية الجديدة، ارتفع حجم التبادل العسكري والتجاري بين البلدين، وأصبحت إيران من كبار مستوردي السلاح الروسي. لكن العلاقة بقيت محكومة بحسابات دقيقة، فعلى سبيل المثال، عارضت روسيا في بعض المراحل تطوير القدرات النووية العسكرية الإيرانية، وشاركت في قرارات مجلس الأمن التي فرضت عقوبات على طهران، الأمر الذي عكس طبيعة الشراكة، تعاون في مجالات محددة، مع احتفاظ كل طرف بهامش مناورة مستقل.

التحول الأبرز جاء بعد عام ٢٠١٥، عندما تدخلت روسيا عسكريا في سوريا بالتنسيق مع إيران لدعم نظام بشار الأسد، فيما شكلت الساحة السورية نقطة التقاء عملياتي مهمة بين الجيش الروسي والحرس الثوري الإيراني، ما عزز الثقة المتبادلة ورفع مستوى التنسيق العسكري. كما شهدت السنوات الأخيرة تنظيم مناورات بحرية مشتركة بين إيران وروسيا، وأحيانا بمشاركة الصين، في الخليج وبحر عمان، في رسائل رمزية موجهة إلى الغرب.

ومع توقيع معاهدة شراكة استراتيجية بين موسكو وطهران في يناير/ كانون الأول ٢٠٢٥، بدا أن العلاقة دخلت مرحلة مؤسساتية أعمق.، غير أن هذه المعاهدة، رغم تأكيدها على التعاون الدفاعي، لم تصل إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم، فروسيا من جانبها تحرص على إبقاء علاقاتها مع إيران ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية، دون التورط في التزامات قد تقيد حركتها الإقليمية والدولية.

Image

هل تدعم روسيا إيران في مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة؟ حسابات الردع وحدود التحالف

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد حرب الـ١٢ يوم هو ما إذا كانت روسيا مستعدة للذهاب أبعد من صفقات السلاح والتصريحات السياسية في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وبهذا الشأن يوضح الخبراء أن التجربة الأخيرة تشير إلى أن موسكو تميل إلى الدعم غير المباشر بدل الانخراط العسكري المباشر.

فخلال الحرب القصيرة بين إيران وإسرائيل، لم تتدخل روسيا عسكريا، واكتفت بمواقف دبلوماسية عامة، وهذا يعكس حسابات جيوسياسية أوسع. فروسيا، المنخرطة في حرب أوكرانيا، تواجه بالفعل مواجهة مفتوحة مع الغرب، وقد لا تجد مصلحة في فتح جبهة مباشرة جديدة مع واشنطن في الشرق الأوسط. كما أن لديها علاقات مع إسرائيل وعدد من الدول العربية، ما يجعل انحيازها العسكري الكامل لإيران خطوة معقدة سياسيا.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن موسكو ترى في إيران شريكا مهما في مواجهة النفوذ الأمريكي. ولذلك قد تقدم دعما تقنيا واستخباراتيا، وتسارع في تنفيذ صفقات السلاح، وتنسق معها سياسيا في مجلس الأمن. هذا النموذج من الدعم دون الحرب يسمح لروسيا بالحفاظ على شراكتها مع طهران دون تجاوز الخط الأحمر المتمثل في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

Image

ثمة بعد آخر يتعلق بسيناريو تغيير النظام في إيران، فيرى بعض المحللين أن انهيار النظام الإيراني أو استبداله بحكومة موالية للغرب قد يعد تهديدا استراتيجيا لروسيا، ما قد يدفعها إلى دعم أقوى لطهران. ومع ذلك، حتى في هذا السيناريو، يبقى التدخل العسكري المباشر احتمالا ضعيفا مقارنة بأشكال دعم غير مباشرة، مثل تعزيز التعاون العسكري والتقني والاقتصادي.

في النهاية، تبدو العلاقة الروسية الإيرانية قائمة على مبدأ توازن المصالح. فموسكو لا ترغب في رؤية إيران ضعيفة أو منهارة، لكنها أيضا لا تسعى إلى خوض حرب مباشرة من أجلها. وبين هذين الحدين، ستستمر لعبة الدعم المحسوب، حيث تبقى صفقات السلاح والتنسيق السياسي أدوات رئيسية في إدارة الشراكة، فيما يظل خيار الحرب الشاملة مستبعدا في الحسابات الروسية الراهنة.

كلمات مفتاحية: