ليلة الاجتماع الغامض… كيف اهتزت طهران سياسيا في ظل الاحتجاجات؟

في لحظة سياسية مشحونة بالتوتر الداخلي والتحديات الإقليمية، تكشفت في إيران سلسلة من الروايات المتقاطعة التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول توازنات السلطة، وحدود النقد، ومستقبل العلاقة بين التيار الإصلاحي ومؤسسات النظام. بين تسريبات عن تحركات داخلية، وشائعات اعتقال، وبيانات سياسية أعقبها تصعيد قضائي، وصولا إلى دعوات لإصلاحات عميقة، بدت البلاد وكأنها تعيش مرحلة مفصلية تتجاوز الاحتجاجات إلى نقاش أوسع حول شكل الدولة وإدارة أزماتها.

 تفاصيل رواية محاولة الإطاحة… اجتماع ليل ٨–٩ يناير وخطة تتعثر عند لاريجاني

ففي ذروة احتجاجات يناير/ كانون الثاني 2026 داخل إيران، ومع بلوغ التظاهرات مرحلة وصفت بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، برزت رواية صحافية منسوبة إلى صحيفة لو فيغارو الفرنسية تتحدث عن تحرك داخلي هدفه إبعاد المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، عن رأس السلطة، قاده الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، قبل أن ينهار في لحظاته الأخيرة.

Image

فبحسب هذه الرواية، التي نشرت في تقرير الصحيفة الصادر الأحد 22فبراير/ شباط 2026، فإن اجتماعا عقد في وقت متأخر من ليل ٨–٩ يناير/ كانون الثاني، وضم عددا من المسؤولين السابقين وشخصيات دينية وسياسية، في محاولة لبحث آلية مختلفة لإدارة الأزمة التي كانت تتصاعد في الشارع. وحسب التقرير، فإن روحاني قد جمع عددا من أعضاء حكومته السابقة، بينهم وزير الخارجية الأسبق، محمد جواد ظريف، إضافة إلى رجال دين من مدينة قم، وشخصيات وصفت بأنها قريبة من الحرس الثوري، في لقاء هدفه نقل صلاحية إدارة الأزمة من المرشد الأعلى إلى دائرة أوسع من المسؤولين في إطار حالة أزمة.

Image

وتشير الرواية إلى أن المقترح كان يقوم على توسيع نطاق القرار في لحظة استثنائية، عبر إعادة توزيع الصلاحيات داخل بنية النظام، بما يعني عمليا تقليص الدور المركزي للمرشد في إدارة المرحلة، غير أن الخطة، وفق المصدر نفسه، انهارت في مرحلتها النهائية بسبب عدم حصولها على دعم علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يقال إن لاريجاني كان ممثلا في الاجتماع، لكنه لم يؤيد الخطوة، الأمر الذي أسقطها عند محطتها الأخيرة.

Image

كما تفيد الرواية بأن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، لم يكن على علم بهذه النقاشات، وأن استبعاده كان مقصودا لتفادي أي تسريبات محتملة، أو لحمايته من تداعيات الخطة في حال انكشافها، وتضيف أن ما أعقب ذلك كان فرض إقامة جبرية لعدة أيام على روحاني وظريف، واحتجازا مؤقتا لبعض الشخصيات الإصلاحية القريبة منهما، قبل الإفراج عنهم لاحقا.

ورغم خطورة ما ورد في هذه الرواية، فإن السلطات الإيرانية لم تصدر تعليقا رسميا مباشرا بشأنها، كما لم يتم التحقق من هذه الادعاءات بشكل مستقل، ما أبقى القصة في إطار ما نقل عن مصادر إعلامية دون تثبيت رسمي.

 شائعة اعتقال روحاني وظريف… من إطلاق الادعاء إلى النفي والظهور العلني

بالحديث عن تلك الفترة، فقد انتشرت رواية أخرى داخل إيران خلال الاحتجاجات تفيد باعتقال روحاني وظريف لأسباب غير معلومة، وقد نسب إطلاق هذا الخبر إلى شخصيات سياسية قريبة من تيار أصولي حديث التأسيس يدعى شريان ظهر ممثلوه في برنامج مرئي عبر الإنترنت وأعلنوا امتلاك معلومات عن اعتقال الرجلين.

Image

سرعان ما أثار الخبر جدلا واسعا، لا سيما في ظل القيود المفروضة على الإنترنت في تلك الفترة، ما دفع بعض المتابعين إلى التساؤل عن ملابسات نشره وتوقيته، غير أن النفي جاء سريعا من عدة جهات، حيث نفت مواقع إخبارية مقربة من التيار الإصلاحي صحة الرواية، ووصفت الحديث عن وضع روحاني وظريف تحت السيطرة أو اعتقالهما بأنه كذب، كما خرج صهر روحاني، كامبيز مهدي زاده، ليصف ما جرى بأنه اتجار بالأمن القومي يضعف الثقة العامة ويضر بالتلاحم الداخلي.

لاحقا، أعادت مواقع أخرى نشر النفي بعد مرور يوم على انتشار الشائعة، مؤكدة أن ما تم تداوله لا أساس له من الصحة، وجاءت الإشارة الأكثر وضوحا على سقوط رواية الاعتقال عبر ظهور روحاني وظريف في مناسبة عامة بعد أيام قليلة من انتشار الخبر، حيث شاركا في مراسم تأبين والدة محمد شريعتمداري في مسجد نور بطهران، وهو ظهور علني اعتبر بمثابة رد عملي على شائعة التوقيف.

Image
Image

خطاب روحاني بعد انتهاء التظاهرات: إصلاح كبير واستفتاء ورفض العناد مع الشعب

كذلك، فقد استمر ظهور روحاني بعد أحداث يناير/ كانون الثاني، فبعد انحسار موجة الاحتجاجات، ألقى روحاني خطابا مطولا ركز فيه على ضرورة الاستجابة لمطالب الشعب وعدم الدخول في حالة عناد مع الناس، وأكد أن الهدف يجب ألا يكون مجرد تهدئة الشارع، بل تحقيق رضا المواطنين عبر إصلاح كبير لا تغييرات جزئية.

روحاني أشار إلى أن المشكلات التي تمر بها البلاد تختلف عن السابق، وأن الأمن القومي تعرض لضرر، داعيا إلى قراءة الأسباب بعمق بدل الاكتفاء بإلقاء اللوم على الخارج. وشدد على أن إدارة التوتر مع القوى الخارجية تتطلب تدبيرا سياسيا، لا شعارات، مؤكدا أن العداء يمكن إدارته وضبطه.

Image

وفيما يتعلق بالداخل، اعتبر روحاني أن الشعب قام بالدور الأهم خلال المواجهة الأخيرة، وأن الدولة باتت مديونة له برد سياسي حقيقي، مشيرا إلى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة باعتبارها رسالة واضحة من المواطنين، ومؤكدا أن تجاهل هذه الرسالة سيؤدي إلى تعميق الفجوة.

أبرز ما طرحه روحاني كان الدعوة إلى إجراء استفتاء عام حول عدد من القضايا الأساسية، في السياسة الداخلية والخارجية والاقتصادية والاجتماعية، مع الالتزام المسبق بنتائجه، ورأى أن مثل هذه الخطوة كفيلة بإعادة بناء الثقة وإغلاق باب التدخلات الخارجية، لأن وحدة الداخل، وفق تعبيره، هي السلاح الأهم في مواجهة الضغوط، وختم بالتأكيد على أن الحكم يعني خدمة الشعب، لا إصدار الأوامر له، وأن الدولة يجب أن تصغي إلى المواطنين قبل أن يصلوا إلى الشارع، لأن العناد مع الناس لا يؤدي إلا إلى طريق مسدود.

الإصلاحيون وخامنئي في زمن الحرب والاحتجاج… بيانات، اعتقالات وافراجات مشروطة

منذ حرب الاثني عشر يوما في يونيو/حزيران ٢٠٢٥، دخلت العلاقة بين التيار الإصلاحي والمرشد الأعلى الإيراني مرحلة أكثر حساسية وتعقيدا، تداخل فيها البعد الأمني مع السجال السياسي الداخلي. تلك الحرب، التي اعتبرت نقطة تحول في المشهدين السياسي والأمني، لم تنتج فقط خطابا رسميا حول الصمود والوحدة فحسب، بل أطلقت أيضا نقاشا داخل التيار الإصلاحي حول شكل إدارة الدولة، وآليات صنع القرار، وحدود النقد في زمن المواجهة.

ففي أعقاب الحرب مباشرة، برزت بيانات إصلاحية حاولت الجمع بين تأكيد رفض التدخل الخارجي وبين الدعوة إلى مراجعة داخلية. من بين أبرز هذه المحطات بيان مير حسين موسوي، رئيس وزراء إيران السابق والموضوع تحت الإقامة الجبرية منذ العام 2009، الذي أعاد طرح أسئلة تتعلق ببنية النظام السياسي وضرورة العودة إلى الإرادة الشعبية بوصفها مصدر الشرعية والاستقرار. بيان موسوي، الذي جاء في لحظة مشحونة أمنيا، لم يقدم كدعوة إلى القطيعة مع النظام، بل كنداء لإصلاحات جوهرية تعيد الاعتبار لموقع الشعب في المعادلة السياسية، وهو ما اعتبره الأصوليون تجاوزا للخطوط الحمراء في ظرف حساس.

Image

ومع امتداد تداعيات الحرب إلى الداخل، تصاعدت التوترات وصولا إلى احتجاجات يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، حيث تحولت البيانات السياسية إلى موضع مساءلة أمنية. فبعد انتهاء الاحتجاجات وما تلاها من تصعيد، شهد التيار الإصلاحي حملة اعتقالات طالت عددا من أبرز رموزه، فقد جرى اعتقال جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات والأمين العام لمجمع الإيثار، بعد مداهمة منزله، سبق ذلك اعتقال آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات، وإبراهيم أصغر زاده، رئيس اللجنة السياسية للجبهة، إضافة إلى محسن أمين زاده، نائب وزير الخارجية الأسبق في حكومة محمد خاتمي، إلى جانب شخصيات أخرى، مع تقارير عن استدعاءات وتحقيقات طالت عدداً من الناشطين الإصلاحيين.

Image

وتوضيحا لذلك، أعلنت السلطة القضائية أن النيابة العامة في طهران أقامت دعاوى ضد هؤلاء الأشخاص، مشيرة إلى أنهم نظموا أنشطة أخلّت بالأوضاع السياسية والاجتماعية في ظل ما وصفته بتهديدات عسكرية خارجية، فيما جرى اتهام بعضهم بتهييج الأجواء الداخلية والعمل لصالح أطراف خارجية. كما اتهم رئيس السلطة القضائية، محسني إيجئي، من يصدرون بيانات ضد النظام داخل البلاد بأنهم متناغمون مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في إشارة مباشرة إلى الخطاب الإصلاحي الذي تزامن مع الاحتجاجات.

لاحقا أعلنت السلطة القضائية أن بعض المعتقلين أفرج عنهم بعد استكمال التحقيقات الأولية وتحويل قرارات التوقيف إلى كفالات مناسبة، مع الإفراج عنهم بشكل مشروط إلى حين استمرار المسار القضائي. في المقابل، نفذت أحكام نهائية بحق آخرين، وصادقت محكمة الاستئناف على أحكام بالسجن ضد بعض الأسماء البارزة، في رسالة مفادها أن المجال السياسي في زمن الأزمات يخضع لحسابات أمنية دقيقة.

في المقابل، كانت شخصيات إصلاحية قد أصدرت بيانات تعزية وانتقاد عقب الاحتجاجات، تحدثت فيها عن العائلات الثكلى وضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مؤكدة أن متابعة حقوق المتضررين واجب إنساني. هذا الخطاب، الذي ركز على العدالة والشفافية، اعتبر من قبل السلطات تجاوزا في لحظة أمنية حساسة، خصوصا أنه تزامن مع أجواء توتر إقليمي أعادت إلى الواجهة خطاب الوحدة في مواجهة الخارج.

Image

ولم تتوقف المحطات الإصلاحية عند حدود البيانات التعزوية، ففي ذروة الجدل السياسي، طرحت دعوات داخل جبهة الإصلاحات لإعادة الاحتكام إلى الشعب عبر آليات دستورية، من بينها الدعوة إلى استفتاء عام حول قضايا مفصلية تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية، تلك التي أطلقها أحمد زيد آبادي، الصحفي الإصلاحي الشهير. هذه الدعوات، التي رأت فيها شخصيات إصلاحية مخرجا سياسيا من حالة الاستقطاب، قوبلت بتشكيك وتحفظ من قبل دوائر أصولية، واعتبرت في بعض القراءات محاولة لإعادة توزيع مراكز القوى داخل النظام.

Image

تعكس هذه التطورات حالة شد وجذب مستمرة بين التيار الإصلاحي ومؤسسات الدولة، منذ حرب يونيو/حزيران ٢٠٢٥ وحتى احتجاجات يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦. ففي حين شدد المرشد الأعلى في أكثر من مناسبة على أولوية الوحدة الداخلية في مواجهة التهديدات، حاول الإصلاحيون الدفع باتجاه مراجعة داخلية تعيد الاعتبار للمشاركة الشعبية وتوسيع المجال السياسي. وبين هذين المسارين، تبلورت مرحلة اتسمت بتداخل الحرب مع الاحتجاج، والبيان السياسي مع الملف الأمني، في مشهد يعكس تعقيدات العلاقة بين الإصلاحيين وقيادة النظام في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية الحديث.

وبين رواية محاولة الإزاحة، وشائعة الاعتقال التي سقطت بالنفي والظهور العلني، وحملة الاعتقالات التي طالت الإصلاحيين ثم الإفراج عن بعضهم، وخطاب روحاني الداعي إلى إصلاح جذري، تتضح ملامح مرحلة سياسية شديدة التعقيد في إيران، تتقاطع فيها أزمات الشرعية الداخلية مع تحديات الأمن القومي، وتبقى فيها الأسئلة مفتوحة حول مستقبل العلاقة بين مؤسسات النظام والتيار الإصلاحي في مرحلة ما بعد الاحتجاجات.

كلمات مفتاحية: