- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 315 Views
تشهد الساحة السياسية الإيرانية جدلا متصاعدا مع اقتراب انتخابات الدورة السابعة لمجالس المدن، في ظل إعلان نتائج الفحص الأولي لأهلية المرشحين وما تبعه من استبعاد عدد كبير من الشخصيات، ولا سيما المنتمين إلى التيار الإصلاحي، إلى جانب شخصيات أخرى من أجنحة مختلفة، بينهم منتقدون لأداء إدارات محلية قائمة، خصوصا في طهران. التطورات الأخيرة لم تقتصر على البعد الانتخابي، بل امتدت إلى نقاشات قانونية ودستورية بشأن آليات الرقابة، وحدود صلاحيات الهيئات المعنية، وصولا إلى تدخل المجلس الأعلى للأمن القومي في إعادة فتح باب الاعتراض أمام المرشحين المستبعدين، رغم أن التعديل الأخير للقانون كان قد ألغى هذا المسار عمليا.
تأتي هذه التطورات في وقت أشار فيه بعض الخبراء في الشأنين الحضري والسياسي إلى أن احتمال إجراء الانتخابات، في ظل الظروف الراهنة، ليس مرتفعا، وإن كانت الجهات الرسمية تواصل التحضيرات وفق الجدول المقرر. وبين التوقعات المتحفظة والمضي الرسمي في الإجراءات، أحدث إعلان النتائج الأولية لفحص الأهلية موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والإعلامية، لا سيما في العاصمة طهران.
عاصفة الاستبعادات وسياقها السياسي
فقد أظهرت النتائج الأولية لفحص أهلية المرشحين في طهران استبعاد عدد كبير من الأسماء البارزة المحسوبة على التيار الإصلاحي، كان من بين المستبعدين نادرة رضائي، ناشطة سياسية وإعلامية إصلاحية، مهدي شيرزاد، ناشط مدني وعضو سابق في هيئات استشارية بلدية، وإسماعيل كرامي مقدم، عضو المجلس المركزي لحزب اعتماد ملي والمتحدث السابق باسمه، وعلي تاجر نيا، طبيب وناشط سياسي إصلاحي وعضو سابق في البرلمان، ومحمد خون جمن، ناشط سياسي وعضو في أطر تنظيمية إصلاحية، وأبو الفضل رضوي، مسؤول سابق في مؤسسات تنفيذية وناشط سياسي، وإسماعيل دوستي، عضو سابق في مجلس مدينة طهران، إضافة إلى شخصيات أخرى ذات حضور حزبي أو إعلامي.



هذا التطور لم يكن مفاجئا بالكامل لبعض الأوساط السياسية، إذ كانت بعض الأحزاب الإصلاحية قد أعلنت سابقا قرارها عدم المشاركة في انتخابات المجالس، في حين كان بعض المرشحين قد صرحوا بأنهم يعتبرون أنفسهم خارج العملية الانتخابية، وبالتالي لن يتقدموا باعتراض حتى في حال استبعادهم. غير أن اتساع دائرة المستبعدين، وطبيعة الأسماء المشمولة، أعادتا الملف إلى واجهة النقاش العام.
في السياق الأوسع، لطالما اعتبرت انتخابات المجالس المحلية أقل حساسية من الناحية الأمنية والسياسية مقارنة بانتخابات البرلمان ورئاسة الجمهورية، فآلية فحص الأهلية فيها كانت تقع على عاتق الهيئات التنفيذية والرقابية المحلية، وليس مجلس صيانة الدستور، ما أتاح في دورات سابقة مساحة أوسع لظهور شخصيات مستقلة أو محلية أو حتى منتقدة للسلطات. وقد شكلت المجالس في بعض الحالات منصة لدخول قوى جديدة إلى السياسة الوطنية.

غير أن ما جرى في الدورة الحالية عزز انطباعا لدى قطاع من النخب بأن نمط الرقابة المتشددة، الذي ارتبط في الوعي العام بمفهوم الرقابة الاستصوابية في الانتخابات الوطنية، كالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بدأ يمتد عمليا إلى الانتخابات المحلية، فاستبعاد مرشحين لا يعرف عنهم سوى مواقف نقدية أو تمايز محدود عن الخط الرسمي عد لدى منتقدي الخطوة مؤشرا على تضييق نطاق المنافسة.
هذا الاتساع في طيف المستبعدين لم يقتصر على الإصلاحيين فحسب، بل شمل أيضا بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الأصولي لكنها تتخذ مواقف نقدية، ما دفع بعض المراقبين إلى القول إن المسألة تتجاوز حدود المنافسة بين جناحين، لتعكس نوعا من الانكماش البنيوي في المجال السياسي المحلي.
السؤال الأبرز الذي طرح مع إعلان النتائج كان يتعلق بمصير المشاركة الشعبية، فقد أظهرت تجارب سابقة أن تضييق دائرة المنافسة، وجعل النتائج أكثر قابلية للتوقع، يؤديان إلى تراجع الدافع لدى الناخبين للمشاركة، ويرى منتقدو الاستبعادات أن المجالس المحلية، بحكم ارتباطها المباشر بشؤون الحياة اليومية للمواطنين، من خدمات ونقل وتخطيط عمراني، كانت يمكن أن تشكل ساحة لإعادة تنشيط المشاركة السياسية، لا سيما في ظل أجواء اجتماعية واقتصادية ضاغطة.
طهران في قلب الجدل… شبهة تضارب المصالح
على أن الجدل في طهران اتخذ بعدا إضافيا، بسبب ارتباط عدد من المستبعدين بانتقادات علنية لأداء عمدة المدينة علي رضا زاكاني وفريقه، فقد أشار بعض أعضاء مجلس مدينة طهران الحاليين إلى أن استبعاد مرشحين يعدون من أبرز منتقدي إدارة البلدية يثير تساؤلات حول حياد عملية الفحص.
في هذا السياق، برزت مسألة تضارب المصالح داخل هيئات الرقابة على الانتخابات، مع وجود شخصيات ذات انتماءات حزبية وعلاقات وثيقة ببعض المسؤولين التنفيذيين، فيما وجه سبعة نواب عن طهران، من بينهم سيد علي يزدي خواه، رسالة إلى رئيس الهيئة المركزية للرقابة على الانتخابات، محمد صالح جوكار، طالبوا فيها بأخذ آراء نواب العاصمة والتشاور معهم عند تشكيل هيئات الرقابة، وبمراجعة دقيقة لأدائها.

من جهة أخرى، أثار بعض أعضاء المجلس الحاليين مسألة الأساس القانوني للاستبعاد، فقد أشار ناصر أماني إلى أن أهلية أربعة من أعضاء المجلس كانت قد حظيت بموافقة الجهات القانونية المختصة، من بينها وزارة الاستخبارات، ومنظمة استخبارات الحرس الثوري، والشرطة، والسلطة القضائية، قبل أن ترفض من قبل هيئة الرقابة في طهران استنادا إلى الفقرة هـ من المادة ٤٣، المتصلة بالمادة ٤٢ التي تمنع المشهورين بالفساد والمجاهرين بالفسق من الترشح.

كما أماني وصف هذه التهمة بأنها ثقيلة، متسائلا كيف يمكن لشخص أن يكون ممثلا للناس لدورة كاملة دون تسجيل أي مخالفة أو قضية أو إدانة، ثم يستبعد بهذا الوصف، وأضاف أنه إذا كان المقصود من هذه العناوين هو الاعتراض على قرارات غير قانونية أو مساءلة العمدة بشأن مخالفات إدارية أو تعيينات مثيرة للجدل، فإنه يفتخر بما قدمه من تنبيهات خلال فترة عضويته.
كما حذر مهدي عباسي، عضو مجلس مدينة طهران، من أن سياسات الإقصاء قد تضر بالثقة العامة، مشبها المنتقد بـالمرآة التي تعكس الخلل، معتبرا أن كسر المرآة لا يعالج المشكلة، بل يخفيها مؤقتا، وذهب جعفر تشكري هاشمي، البرلماني السابق، إلى القول إن استبعاد منتقدي العمدة يعزز شبهة تضارب المصالح، خصوصاً إذا كانت الجهات الخمس المختصة قد أقرت أهليتهم.

في المقابل، نفى علي رضا زاكاني أي تدخل له في مسار فحص الأهلية، مؤكداً أنه لم يتحدث مع أحد بشأن الاستبعادات ولم يتابعها، وأن تركيزه منصب على خدمة المواطنين، معتبرا أن من يوجه اتهامات في هذا الشأن عليه أن يتحمل مسؤوليتها.
حق الاعتراض وتدخل المجلس الأعلى للأمن القومي
وسط هذا الجدل، برز تطور قانوني مهم تمثل في إعلان وزارة الداخلية إتاحة فرصة الاعتراض أمام المرشحين المستبعدين لدى الهيئة المركزية للرقابة، رغم أن آخر تعديل لقانون تشكيلات المهام وانتخابات المجالس الإسلامية وانتخاب رؤساء البلديات، الصادر في مارس/ آذار 2025، كان قد جعل هيئة الرقابة في المحافظة المرجع النهائي، ما يعني عمليا إلغاء مسار الاعتراض المركزي.
هذا التناقض الظاهري أثار تساؤلات حول الجهة التي أعادت فتح الباب، خصوصا أن البرلمان كان قد رفض سابقا مقترحا يقضي بإعادة إتاحة الاعتراض لدى الهيئة المركزية، وقد أعلن علي زيني وند، نائب وزير الداخلية للشؤون السياسية ورئيس هيئة الانتخابات، على هامش اجتماع عبر الإنترنت مع نواب المحافظين للشؤون السياسية والاجتماعية والأمنية، أن المرشحين الذين ترفض أهليتهم في المحافظات يمكنهم تسجيل اعتراضهم لدى الهيئة المركزية للرقابة.
ولاحقا تبين أن المجلس الأعلى للأمن القومي هو الجهة التي أصدرت الترخيص، مؤكدا ضرورة العمل في انتخابات الدورة السابعة كما جرت العادة. هذا التدخل واجه انتقادات من بعض نواب البرلمان، من بينهم محمد رضا صباغيان، الذي اعتبر أن إقرار ما رفضه البرلمان يمثل عمليا تهميشا لدوره التشريعي.

في توضيحاته، قال زيني وند إن الحكومة كانت قد قدمت مشروع قانون لإعادة إتاحة الاعتراض لدى الهيئة المركزية، وكان رئيس البرلمان واللجنة المختصة يتابعان الموضوع، لكن انشغال المجلس بمناقشة موازنة العام 2026 حال دون إقراره قبل الانتخابات، وأضاف أن مختلف التيارات السياسية، وبيت الأحزاب، والمحافظين، طالبوا بإتاحة هذا الحق، وأن الحاجة إلى مشاركة ومنافسة جديتين دفعت المجلس الأعلى للأمن القومي إلى اتخاذ هذا التدبير بشكل مؤقت، إلى حين تعديل القانون في الدورات المقبلة.
كما أوضح أن قانون عام 1998 كان يتيح للمرشحين في المدن التي يزيد عدد سكانها على ٢٠٠ ألف نسمة الاعتراض لدى الهيئة المركزية، وأن الهيئة قررت، في ضوء مطالبات سابقة خلال انتخابات الدورة السادسة، النظر في جميع الاعتراضات. وأُعلن عن مهلة أربعة أيام لتسجيل الاعتراضات، في إشارة إلى محاولة احتواء جزء من الجدل السياسي.
مواقف الشخصيات الإصلاحية وانتقاداتها
في خضم هذه التطورات، عبرت شخصيات إصلاحية مستبعدة عن مواقف ناقدة لما جرى، حيث قال إسماعيل كرامي مقدم أن حجم وشكل الاستبعادات أظهرا أن الأمور تسير على المنوال نفسه، وأنه لم تتخذ أي خطوة إصلاحية في سلوك الأجهزة الحاكمة تجاه تغيير الظروف السياسية في البلاد، كما أشار إلى أن القوى السياسية، بما فيها الإصلاحيون، وقفت في أوقات سابقة إلى جانب الدولة في مواجهة أزمات، فيما كان ينتظر أن ينعكس ذلك في مقاربة أكثر انفتاحا للمشاركة.

كرامي مقدم اعتبر أن استبعاد شخصيات يحتمل فوزها انتخابيا على حد وصفه يعكس سعيا للتأثير على نتائج المنافسة، محذرا من أن ذلك يزيد من إحباط المواطنين ويعمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات، وأكد أنه لم يتخذ قرارا نهائيا بشأن الطعن في قرار استبعاده.
أما محمد صادق جوادي حصار، فقد وصف المناخ الحالي بأنه نتيجة أداء تيار سياسي لا يرى ضرورة لتغيير قواعد اللعبة، معتبرا أن الرقابة الاستصوابية هي نتاج هذا المسار، وأن توقع نتيجة مختلفة كان ضربا من التبسيط، كما أشار إلى أن العلاقة بين الانتقاد والاستبعاد باتت تثير شبهة واضحة، خاصة عندما يستبعد منتقدون رغم حصولهم على موافقات الجهات القانونية المختصة.

جوادي حصار أوضح أنه يحترم القانون، لكنه لا يرى جدوى من الطعن إذا كان القرار مبنيا على تقديرات سياسية أو اجتهادية، مشيرا إلى أنه سيتصرف في النهاية وفق قرار الحزب الذي ينتمي إليه.
في المحصلة، تكشف انتخابات المجالس في إيران هذا العام عن تداخل معقد بين الاعتبارات السياسية والقانونية والأمنية، فبين استبعادات واسعة أثارت تساؤلات حول حدود المنافسة، وتدخل استثنائي للمجلس الأعلى للأمن القومي لإعادة فتح باب الاعتراض، تتشكل صورة انتخابات محلية تتجاوز في دلالاتها الإطار البلدي الضيق، لتعكس اتجاهات أوسع في المشهد السياسي الإيراني. مدى تأثير هذه التطورات على نسبة المشاركة، وعلى شكل المجالس المقبلة، سيبقى مؤشرا مهما على مسار العلاقة بين الدولة والمجتمع في المرحلة القادمة.

