- زاد إيران - المحرر
- 463 Views
مرة أخرى، تقف الولايات المتحدة وإيران أمام محطة تفاوضية حساسة في جنيف، في لحظة تختلط فيها الدبلوماسية بالردع العسكري، والمرونة المشروطة بالخطوط الحمراء الصلبة، فالإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تلوح بإمكانية اللجوء إلى ضربات محدودة إذا فشلت المساعي السياسية، فيما تتحرك طهران لإعداد مقترح مكتوب تقول إنه سيفتح الباب أمام اتفاق سريع يضمن سلمية برنامجها النووي ويرفع عنها العقوبات.
بين هذه المعادلات المتقاطعة، تتشكل الجولة المقبلة بوصفها اختبارا حقيقيا لقدرة الطرفين على تجاوز إرث انعدام الثقة، وتحديدا حول ملف التخصيب، الذي تحول إلى كلمة السر في أي صيغة محتملة. وفي الخلفية، يبرز اسم جاريد كوشنر، صهر ترامب، كأحد مهندسي الإطار السياسي للصفقة إن وُلدت.
جنيف… جولة جديدة منتظرة ونقاشات لم تحسم بعد
فوفق ما كشفه موقع أكسيوس الأمريكي في تقريره الأحد 22 فبراير/ شباط 2026، فمن المتوقع أن يلتقي مفاوضون أمريكيون وإيرانيون في جنيف يوم الخميس القادم لبحث مقترح إيراني مكتوب ومفصل بشأن اتفاق نووي جديد. فوفق التقرير، أوضح مسؤول أمريكي رفيع أن إدارة ترامب تنتظر تسلم المسودة الإيرانية قبل الاجتماع، تمهيدا للدخول في مفاوضات تفصيلية على نص يمكن أن يشكل أساسا لاتفاق شامل، فيما تؤكد واشنطن أن هذا المسار قد يكون الفرصة الأخيرة قبل انتقالها إلى خيارات أكثر صرامة، في ظل استعداد عسكري معلن في المنطقة.

جديرا بالذكر أن الفترة الماضية قد شهدت جولتان من التفاوض بين طهران وواشنطن، الجولة الأولى من المحادثات، التي جرت بوساطة عمانية في مسقط في 6 فبراير/ شباط 2026، كانت قد أعادت فتح قنوات التواصل بعد فترة من التوتر والتصعيد. الجولة التي حملت، حسب مراقبون، طابعا استكشافيا، هدفه اختبار نيات الطرفين ورسم حدود التفاوض.

أما الجولة الثانية في جنيف، التي عقدت الثلاثاء 17 فبراير/ شباط، فقد شهدت انتقالا من العموميات إلى طلب صياغة مكتوبة تعالج المخاوف الأمريكية بشكل مباشر. وخلالها، طلب المبعوثان الأمريكيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تقديم مقترح مفصل خلال أيام.

تصريحات ويتكوف بعد الجولة الثانية عكست بوضوح المزاج السائد داخل البيت الأبيض، حيث صرح خلال مقابلة أجراها السبت 21 فبراير/ شباط، أن الرئيس ترامب ينتابه الفضول لمعرفة لماذا لم تستسلم إيران تحت الضغط العسكري الأمريكي على حد قوله، موضحا أن الرئيس يمتلك بدائل كثيرة، وأنه لا يزال يدرس خياراته.

وشدد ويتكوف خلال مقابلته على أن الموقف الرسمي لترامب هو صفر تخصيب على الأراضي الإيرانية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى استعداد واشنطن للنظر في صيغة تتضمن تخصيب رمزي إذا تمكنت طهران من إثبات أن ذلك لا يفتح أي مسار نحو إنتاج سلاح نووي.

في المقابل، كان عراقجي قد صرح في مقابلة الجمعة 20 فبراير/ شباط، أي قبلها بيوم واخد، أن إيران لم يطلب منها رسميا الموافقة على صفر تخصيب خلال المفاوضات السابقة، وأن ما يجري بحثه هو كيفية ضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني لفترة طويلة. كما أعلن أن مسودة المقترح الإيراني ستكون جاهزة خلال أيام، في إشارة إلى رغبة طهران في إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا رغم تصاعد التهديدات.

هذا على أن الخبراء يصرحون أن المعادلة في جنيف لا تقوم على النصوص وحدها، بل على ضغط الوقت، فترامب كان قد تحدث عن مهلة قصيرة للتوصل إلى اتفاق، فيما أفادت تقارير بأن الجيش الأمريكي أبلغ الرئيس بقدرته على تنفيذ ضربات في حال صدور القرار السياسي. وفي الوقت ذاته، نقلت مصادر عن مستشارين مقربين من ترامب أن الرئيس لم يتخذ بعد قراره النهائي، وأنه يوازن بين مسار الدبلوماسية وسيناريوهات القوة.
هذه الازدواجية، المتمثلة في التفاوض تحت سقف الاستعداد العسكري، تضفي على جولة جنيف المقبلة طابعا مصيريا، فالمحادثات لم تعد مجرد استكشاف لنوايا، بل اختبار لقدرة الطرفين على صياغة نص قابل للتطبيق، يمكن للرئيس الأمريكي تسويقه داخليا بوصفه اتفاقا جوهريا، ويمكن للقيادة الإيرانية الدفاع عنه باعتباره حفاظا على السيادة والحقوق النووية.
التخصيب بين الصفر والرمزي… عقدة الحل ومفتاح الانفراج
إذا كان لجولة جنيف عنوان واحد، فهو بلا شك التخصيب، فهذا الملف لا يمثل مجرد بند تقني في اتفاق محتمل، بل هو جوهر الخلاف ورمز السيادة بالنسبة لطهران، وخط الأمان الاستراتيجي بالنسبة لواشنطن. فالإدارة الأمريكية، ووفق تصريحات ويتكوف ومسؤولين آخرين، تضع صفر تخصيب كخط أحمر أساسي، معتبرة أن أي قدرة إيرانية على التخصيب تحمل في طياتها احتمال الانزلاق نحو العتبة النووية.

غير أن ظهور مصطلح التخصيب الرمزي في التقارير الأمريكية يشير إلى وجود مساحة تفاوضية قيد التشكل، ويفهم من هذا المصطلح المتداول حدثيًا أن المقصود قد يكون تخصيبا بمستوى منخفض جدا، أقل من ٣٪ أو نحو ١٪، وهو مستوى لا يتيح إنتاج مواد صالحة للاستخدام العسكري. هذه الصيغة، إن اعتمدت، ستسمح لكل طرف بادعاء تحقيق إنجاز، حيث تقول واشنطن إنها أغلقت كل المسارات نحو السلاح النووي، وتؤكد طهران تؤكد لم تتنازل عن مبدأ التخصيب.
لكن هذا الحل الوسطي محفوف بالتعقيدات، فالسؤال لا يتعلق فقط بنسبة التخصيب، بل بطبيعة الرقابة الدولية، وعدد أجهزة الطرد المركزي، ومستوى الشفافية، ومدة القيود الزمنية. كما أن قبول الرمزي قد يواجه معارضة داخلية في الولايات المتحدة، خاصة من أطراف ترى أن أي تخصيب داخل إيران يشكل خطرا استراتيجيا. وفي المقابل، قد يواجه الصفر رفضا إيرانيا قاطعا باعتباره مساسا بالحق السيادي الذي طالما جرى الترويج له في الخطاب الداخلي.

من منظور طهران، لا تكمن الحساسية في النسبة بقدر ما تكمن في الاعتراف بالمبدأ، فقبول مبدأ صفر تخصيب قد يفسر داخليا على أنه تراجع استراتيجي. أما التخصيب الرمزي، فقد يسوّق داخليا باعتباره انتصارا رمزيا يحفظ الحق، حتى وإن كان بلا قيمة عملية كبيرة، وهنا يتضح أن المعركة ليست تقنية فقط، بل سياسية ونفسية أيضا.
إسرائيل، بدورها، تراقب هذا المسار بقلق، إذ سبق أن أعلنت أن استئناف التخصيب سيقابل برد. وبالتالي فإن أي صيغة حول الرمزي يجب أن تكون مصحوبة بضمانات تقنية صارمة وشفافية غير مسبوقة لتخفيف المخاوف الإقليمية.
جاريد كوشنر… مهندس الصفقة أم ظلها السياسي؟
في خلفية هذا المشهد المعقد، يبرز اسم جاريد كوشنر كلاعب غير رسمي لكنه مؤثر، حيث تصفه الصحف الإيرانية بمهندس الاتفاق القادم، مستندة إلى دوره البارز في صياغة اتفاقيات أبراهام خلال الولاية الأولى لترامب. اليوم، ومع اقتراب جنيف، يطرح اسمه مجددا بوصفه أحد العقول التي ترسم الإطار السياسي للصفقة المحتملة مع إيران.

كوشنر، وإن كان لا يشغل منصبا رسميا في الإدارة الحالية، لكنه يحتفظ بقرب مباشر من الرئيس، ما يمنحه نفوذا يتجاوز كثيرا من المسؤولين الرسميين، فيما تشير تقارير إلى أنه يشارك في صياغة الرؤية العامة للاتفاق، بينما يتولى مبعوثون مثل ويتكوف إدارة التفاصيل التقنية. هذا النموذج يعكس أسلوب الدبلوماسية الشخصية الذي يميز ترامب، حيث تلعب الثقة الشخصية دورا حاسما.
خبرة كوشنر في ملفات الشرق الأوسط، خاصة في إدارة مسار التقارب العربي الإسرائيلي، حسب وصف الصحف الإيرانية، تقوم على الجمع بين الضغط السياسي والحوافز الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يعتقد أنه قد يسعى لربط أي اتفاق نووي مع إيران بحزمة أوسع تشمل رفعا تدريجيا للعقوبات وفتح الباب أمام اندماج اقتصادي إقليمي، في محاولة لتحويل الاتفاق من مجرد تسوية تقنية إلى مشروع استقرار أوسع.
لكن حضوره لا يخلو من الجدل، خاصة في ظل ارتباطاته الاستثمارية مع صناديق سيادية خليجية، فمنتقدوه يرون في ذلك تقاطعا بين السياسة والمصالح الاقتصادية، فيما يرى مؤيدوه أن هذا النموذج يعكس براجماتية عملية تركز على النتائج.

وسواء كان مهندس الاتفاق أو مجرد أحد مستشاريه، فإن دور كوشنر يعكس طبيعة المرحلة، دبلوماسية غير تقليدية، تقوم على مزيج من الضغط العسكري، والمرونة المشروطة، والحوافز الاقتصادية. وإذا نجحت جنيف في إنتاج اتفاق، فسينظر إليه كأحد صانعي الإطار السياسي له. أما إذا تعثرت، فسيبقى اسمه جزءا من محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وطهران في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
في المحصلة، تقف جنيف عند تقاطع طرق، فإما أن تفتح باب صفقة جديدة تعيد رسم ملامح التوازن في الشرق الأوسط، أو أن تتحول إلى محطة أخيرة قبل تصعيد عسكري لا يعرف أحد حدوده. وبين الصفر والرمزي، وبين النصوص المكتوبة والخيارات العسكرية، يتحدد مصير مرحلة كاملة من الصراع والدبلوماسية.

