توتر في الحرم الجامعي… اشتباكات وشعارات متضادة في شريف

Image

شهد الحرم الجامعي خلال الساعات الماضية حالة من الترقب والتوتر عكست حجم الحساسية التي تحيط بالمشهد الطلابي في البلاد. وبين دعوات إلى التهدئة والتمسك بالدور الأكاديمي للمؤسسات التعليمية، وأصوات تؤكد حق الطلاب في التعبير عن مواقفهم، برزت الجامعة مجددا بوصفها مساحة تتقاطع فيها الاعتبارات العلمية مع التحولات الاجتماعية والسياسية. في هذا السياق، تكشفت تفاصيل يوم استثنائي حمل في طياته مشاهد متباينة بين الاحتجاج والانضباط، وبين الانقسام ومحاولات الاحتواء.

كيف بدأت القصة؟

فقد شهدت جامعة شريف الصناعية يوم أمس السبت 21 فبراير/ شباط 2026، واحدة من أكثر أيامها توترا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تزامن تنظيم مراسم عزاء لإحياء الذكرى الأربعين لضحايا أحداث مظاهرات يناير/ كانون الثاني 2026 مع اعتصام صامت دعا إليه طلاب آخرون في ساحة الجامعة. هذا التزامن، الذي بدأ في إطار فعاليات طلابية متوازية، سرعان ما تحول إلى مواجهة مفتوحة بين مجموعتين تحملان رؤيتين مختلفتين، ما أدى إلى وقوع احتكاكات لفظية وجسدية، وإصابة عدد من الطلاب، وتدخل إدارة الجامعة لاحتواء الموقف.

Image

جاءت هذه التطورات في أول أيام الفصل الدراسي الجديد، بعد فترة توقف قصيرة شهدتها بعض الجامعات. وبينما اختارت مؤسسات تعليمية اعتماد التعليم عبر الانترنت، كانت جامعة شريف من بين الجامعات التي قررت استئناف المحاضرات بشكل طبيعي، في خطوة اعتبرتها الإدارة تأكيدا على استقرار العملية الأكاديمية. إلا أن اقتراب موعد الذكرى الأربعين لضحايا أحداث التظاهرات أضفى على اليوم طابعا سياسيا واجتماعيا حساسا منذ ساعاته الأولى.

فمنذ الصباح، أعلنت هيئة الزهراء، وهي إحدى الهيئات الدينية داخل الجامعة، تنظيم مراسم عزاء في مسجد الحرم الجامعي بعد صلاتي الظهر والعصر، بمشاركة طلاب وأساتذة وموظفين. في المقابل، دعا عدد من الطلاب إلى اعتصام صامت في ساحة أخرى من الجامعة، تحديدا في الجهة الشمالية لمبنى المطعم الجامعي، إحياء لذكرى الضحايا. وقد بدا في البداية أن الفعاليتين ستجريان بشكل منفصل، مع اختلاف في الشكل والمضمون.

Image

من اعتصام صامت إلى مواجهة مباشرة

حسب التقارير الصحافية، ففي قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرا، تجمع نحو مئتي طالب في موقع الاعتصام الصامت. ساد الهدوء المكان، وأُوقفت الموسيقى التي كانت تبث في محيط الساحة بناء على طلب المشاركين، حمل بعضهم صورا للضحايا وأشعلوا الشموع، في مشهد رمزي هدفه، بحسب المنظمين، التعبير عن الحزن وإحياء الذكرى بعيدا عن الشعارات السياسية. غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا.

Image

فمع ارتفاع صوت الأذان في أرجاء الجامعة، تغيرت أجواء التجمع، حيث أشارت روايات متعددة إلى أن بعض الحاضرين بدأوا بالتصفيق وإطلاق الصفير والهتاف، فيما تحركت مجموعة من المشاركين باتجاه البوابة الرئيسية للجامعة. في تلك اللحظات، تحوّل الاعتصام من حالة صمت رمزي إلى تجمع تخللته شعارات حادة، بعضها وصف بأنه راديكالي ولا يمت بصلة مباشرة إلى هدف إحياء الذكرى.

في المقابل، كان موكب العزاء قد انطلق في محيط مسجد الجامعة، متضمنا لطما ورفعا للعلم الإيراني وصور الضحايا، إلى جانب ترديد شعارات ذات طابع ديني وسياسي. ومع اقتراب المجموعتين من بعضهما في الشارع الرئيسي داخل الحرم الجامعي، تشكلت حالة من الاستقطاب الحاد، حيث تبادل الطرفان الهتافات والردود، وسط تزايد التوتر في المكان.

لم يقتصر الأمر على السجال اللفظي، فوفقا لعدد من التقارير الإعلامية ومقاطع الفيديو المتداولة، تطورت المواجهة إلى احتكاكات جسدية محدودة، وتحدثت بعض الروايات عن رشق حجارة وأجسام صلبة، بل وعن مصادرة سكاكين من قبل حراس الجامعة، كما أُفيد بأن عددا من الطلاب أصيبوا بجروح في الرأس والوجه، فيما نقل اثنان منهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.

Image

روايات متباينة واتهامات متبادلة

الرواية التي قدمتها بعض وسائل الإعلام الرسمية، والأصولية على حد سواء، اعتبرت أن التجمع الصامت انحرف عن مساره بفعل بعض القادة الذين حملوا أسلحة بيضاء وسعوا إلى تأجيج الوضع، مشيرة إلى أن الشعارات التي رفعت تضمنت عبارات مناهضة للنظام وأخرى مرتبطة بتيارات معارضة في الخارج. وذهبت بعض التقارير إلى حد اتهام جهات خارجية بمحاولة استغلال المناسبة لإثارة الفوضى داخل الجامعة.

Image

في المقابل، رأى مشاركون في الاعتصام أن هدفهم كان إحياء ذكرى الضحايا بطريقة سلمية، وأن التوتر نشأ نتيجة استفزازات متبادلة بين مجموعتين تختلفان في الرؤية السياسية، وأكد بعض الطلاب أن الاحتكاك بدأ بعد تحرك موكب العزاء باتجاه منطقة التجمع الصامت، ما أدى إلى تقارب مكاني أفضى إلى التصعيد.

Image

كما أثير جدل حول طبيعة الشعارات التي رفعت، إذ تحدثت مشاهدات ميدانية عن هتافات متضادة، بعضها داعم للثورة الإسلامية ومندد بالمعارضة، وأخرى تنتقد السلطة وتطالب بتغيير سياسي. هذا التباين في الخطاب عكس حجم الانقسام داخل الحرم الجامعي، حيث لم تعد الفعاليات تقتصر على طابع تأبيني، بل حملت أبعادًا سياسية واضحة.

وفي خضم هذه السجالات، انتشرت صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها أظهر لحظات التدافع ورشق الأجسام، فيما شككت تصريحات أخرى في صحة بعض الصور المتداولة، مؤكدة أن جزءا منها قديم ولا يعود إلى الأحداث الجارية.

تدخل الإدارة ورسالة استمرار العملية التعليمية

مع تصاعد التوتر، حضر رئيس الجامعة، مسعود تجريشي، وعدد من الأساتذة وأعضاء هيئة الرئاسة إلى موقع التجمع، في محاولة لاحتواء الموقف، فيما خاطب تجريشي الطلاب من الطرفين، داعيا إلى ضبط النفس، ومؤكدا أن الجامعة فضاء للحوار لا ساحة للصدام، وقال إن الاحتجاج قيمة معترف بها، لكنه لا ينسجم مع الإهانات أو التخريب أو العنف.

Image

كما شدد رئيس الجامعة على أن إدارة الحرم الجامعي تقع على عاتقه، وأنه ماضٍ في الحفاظ على التعليم المباشر بحضور الطلاب للمحاضرات في حرم الجامعة رغم الضغوط، وأوضح أن الجامعة كان بإمكانها التحول إلى التعليم الافتراضي بالكامل، إلا أن هذا الخيار، على حد تعبيره، يخدم من يسعى إلى تعطيل الحياة الأكاديمية، كما أردف أن مهمة الجامعة الأساسية هي التعليم والبحث العلمي، وأن استمرار المحاضرات يمثل رسالة بأن الحياة الأكاديمية لن تتوقف بسبب التوترات.

وفي السياق ذاته، أصدرت وزارة العلوم الإيرانية توضيحا بشأن ما جرى في الجامعة حيث أكد محمد علي دادكستر نيا، المستشار الإعلامي لوزير العلوم، أن الجامعة تحيا بحضور طلابها، وأن هناك من يسعى إلى إبقاء الجامعات مغلقة أو تحويل التعليم إلى صيغة افتراضية، إلا أن الوزارة لن تسمح بجعل البيئة الجامعية غير آمنة. وأضاف أن إحياء الذكرى حق لجميع التيارات الطلابية، وأن العقلانية والمداراة واحترام القواعد الجامعية تمثل الأساس في إدارة الاختلاف، مشددا على أن الجامعة هي المكان الطبيعي لتعلم قبول الرأي الآخر وممارسة الحقوق دون عنف.

ومع اقتراب الساعة الخامسة مساء، بدأت أعداد المشاركين في التجمعين بالتراجع تدريجيا، وعادت الساحة إلى قدر من الهدوء النسبي، غير أن ما جرى ترك أثرا واضحا في أوساط الطلاب، وطرح تساؤلات حول مستقبل الحراك الطلابي في واحدة من أعرق الجامعات الإيرانية.

الجامعة بين رمزية العلم واستحقاقات الانقسام

الأحداث التي شهدتها جامعة شريف لم تكن معزولة عن سياق أوسع تشهده بعض الجامعات في البلاد، حيث تحولت ذكرى ضحايا التظاهرات إلى مناسبة تعكس عمق الانقسام في الرؤى والتوجهات. وبين من يرى في هذه الفعاليات واجبا تأبينيا وطنيا، ومن يعتبرها منصة للاحتجاج السياسي، يبقى الحرم الجامعي مساحة حساسة تتقاطع فيها الاعتبارات الأكاديمية مع التفاعلات الاجتماعية والسياسية.

صحيح أنه وبنهاية اليوم، حاولت الإدارة التأكيد على أن الجامعة ستبقى مفتوحة للحوار، وأن العملية التعليمية ستستمر. غير أن مشاهد الاشتباك، وما رافقها من اتهامات متبادلة، أظهرت أن الجامعة، بما تمثله من رمزية علمية ونخبوية، لا تزال ساحة تعكس التوترات الأوسع في المجتمع، وأن إدارة هذا التوازن بين حرية التعبير واستقرار المؤسسة الأكاديمية سيبقى تحديا قائما في الأيام المقبلة.

كلمات مفتاحية: