- زاد إيران - المحرر
- 399 Views
تتجدد في الساحة السياسية الإيرانية سجالات حادة تعكس عمق التباين بين التيارات الفكرية حول طبيعة صنع القرار وحدود المشاركة الشعبية في القضايا المصيرية. وفي ظل ظروف إقليمية دقيقة وتحولات دولية متسارعة حول طهران، تتداخل الاعتبارات السياسية مع الحسابات الاستراتيجية، لتفتح نقاشا واسعا حول مفهوم الشرعية وآليات إدارة الملفات الكبرى. هذا الجدل لا يقتصر على تباين في وجهات النظر، بل يكشف عن اختلافات جوهرية في قراءة المرحلة وتحديد الأولويات، بين من يدعو إلى توسيع دائرة النقاش العام، ومن يحذر من تداعيات ذلك على الاستقرار والسيادة الوطنية.
زيد آبادي… الاتفاق ليس شأنا حكوميا صرفا
فقد أثارت التصريحات الأخيرة للصحافي والمحلل السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية الإيرانية، بعدما دعا إلى طرح مسألة الاتفاق أو عدم الاتفاق مع الولايات المتحدة على الرأي العام، بل وإجراء استفتاء في حال وصول المفاوضات إلى مرحلة حرجة. هذه الدعوة أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود المشاركة الشعبية في القرارات السيادية الكبرى، كما فتحت بابا جديدا للسجال بين التيارات الإصلاحية والأصولية.

زيد آبادي، الذي نشر مواقفه عبر قناته على تطبيق تلجرام الجمعة 20 فبراير/ شباط 2026، أكد أن الاتفاق يخص المجتمع، وأنه ليس قرارا حكوميا صرفا يمكن حسمه داخل دوائر السلطة المغلقة وأوضح أنه “إذا وصلت المقترحات المطروحة بين إيران وأميركا للتوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف إلى نقطة حرجة، فعلى الطرف الإيراني، بدل اتخاذ أي قرار سلبي من جانب واحد، أن يضع خلاصة هذه المقترحات بوضوح أمام الرأي العام”، كما شدد على أن من حق من وصفهم “بخبراء الشأن العام والمواطنين المهتمين” إبداء رأيهم في قبول الاتفاق أو رفضه، مضيفا أنه “في حال الضرورة يمكن إجراء استفتاء بشأنه”.
وفي قراءته لطبيعة المفاوضات، اعتبر زيد آبادي أن تداعيات الاتفاق أو عدم الاتفاق لا تنحصر في السلطة التنفيذية أو في مؤسسات الحكم، بل تمس مستقبل المجتمع الإيراني ككل، وأشار إلى أن القرارات المصيرية التي ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد والعلاقات الخارجية يجب أن تكون شفافة، وأن تعرض نتائجها على المواطنين بصورة واضحة، بحيث تتحول من شأن حكومي إلى شأن عام يخضع للنقاش المفتوح.

وفي سياق متصل، كان زيد آبادي قد طرح سابقا رؤية سياسية أوسع تقوم على ما سماه قاعدتين سلبيتين وقاعدة إيجابية، فالقاعدة الأولى تتمثل في عدم التعويل على الانتخابات داخل إيران بوصفها وسيلة لتغيير موازين القوة، محذرا من تصويرها كحل شامل للأزمات. أما القاعدة الثانية فتدعو إلى عدم جر المواطنين إلى الشارع للاحتجاج ما لم تتوافر القدرة على إدارة الحشود وحمايتها من العنف والقمع. في المقابل، شدد على القاعدة الإيجابية التي تقوم على الاحتجاج المدني العادل والمستمر” بهدف إصلاح القوانين والممارسات الضارة.
ويضع زيد آبادي دعوته إلى الاستفتاء في إطار هذا المنهج، إذ يرى أن الاحتجاج المدني والحوار العام قد يفضيان، في لحظة معينة، إلى ضرورة الاحتكام إلى رأي الشعب مباشرة في قضايا مصيرية. وبحسب طرحه، فإن اللجوء إلى الاستفتاء لا ينبغي أن يفهم كأداة تصعيد، بل كآلية ديمقراطية لتخفيف التوتر وتوزيع المسؤولية السياسية على المجتمع بأسره.
تجدر الإشارة إلى أن فكرة الاستفتاء في القضايا الكبرى لم تطرح لأول مرة من قبل زيد آبادي، إذ سبق للسياسي الإيراني الواقع تحت الإقامة الجبرية وأخر من شغل منصب رئيس الوزراء في إيران، مير حسين موسوي، أن دعا إلى استفتاء دستوري وتشكيل مجلس تأسيسي لصياغة هيكل جديد للنظام السياسي، وذلك في أعقاب الحرب الإيرانية الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2025، معتبرا أن البنية الحالية لا تمثل جميع الإيرانيين. وقد أثارت دعوة موسوي آنذاك نقاشا واسعا، بين من رأى فيها مخرجا سلميا للأزمات، ومن اعتبرها تمهيدا لمراجعات جذرية قد تمس أسس النظام.

دعوة زيد آبادي الأخيرة، وإن جاءت في سياق محدد يتعلق بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، أعادت استحضار تلك الطروحات، ووسعت دائرة الجدل لتشمل مفهوم الشرعية وآليات اتخاذ القرار في القضايا السيادية. ففي الوقت الذي يؤكد فيه أن الاستفتاء قد يكون خيارا عند الضرورة، يشدد على أن الخطوة الأساسية تتمثل في عرض مضمون المقترحات بشفافية أمام الرأي العام، بدل حصرها في إطار مغلق.
انقلاب تحت عباءة استفتاء
في المقابل، جاءت صحيفة جوان الأصولية والمقربة من الحرس الثوري، برد حاد على تصريحات زيد آبادي، فاعتبرت أن مفهوم الاستفتاء في خطاب بعض الإصلاحيين بات يؤدي وظيفة شبيهة بالانقلاب، ولكن لصالح الأجنبي، ورأت الصحيفة أن الدعوة إلى استفتاء حول الاتفاق مع الولايات المتحدة، في ظل ظروف إقليمية متوترة، تمثل محاولة لتقييد قرار الدولة وإخضاعه لضغوط إعلامية واقتصادية قد تُستغل خارجيًا.
واستندت الصحيفة في نقدها إلى مقارنة بين سلوك إيران وسلوك الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر معارضة نسبة كبيرة من الأميركيين لأي هجوم على إيران، ومع ذلك لا تطرح فكرة الاستفتاء في واشنطن بشأن الحرب أو السلم. وتساءلت الصحيفة إذا كان مبدأ رأي الشعب يعتبر أساسا لمنح الشرعية للقرارات المصيرية، فلماذا لا يطبق المعيار ذاته في الدول الغربية التي تتخذ فيها قرارات الحرب والعقوبات داخل دوائر محدودة في البيت الأبيض والبنتاغون؟

ورأت جوان أن في هذا الطرح ازدواجية في المعايير، إذ يطالب بعض التيارات الداخلية باستفتاء في طهران حول قضايا الأمن القومي، في حين لا يوجهون الانتقاد ذاته إلى الدول الغربية عند اتخاذها قرارات قد تمس حياة الإيرانيين بشكل مباشر، معتبرة أن هذا الانتقائية تكشف عن نسبية أخلاقية في التعامل مع مفهوم الديمقراطية.
وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الدعوة إلى الاستفتاء في ظل ما تصفه بالضغوط الخارجية قد تتحول إلى أداة ديمقراطية موجهة تهدف إلى إضعاف النظام في مواجهة التهديدات، لا إلى تعزيز السيادة الوطنية. وبحسب تحليلها، فإن طرح الاستفتاء في لحظة حساسة، عندما يكون المناخ الاقتصادي والإعلامي متوترا، قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس نقاشا هادئا بقدر ما تعكس تأثير الحملات والضغوط.
كما أشارت الصحيفة إلى أن القرارات المصيرية، سواء في إيران أو في الولايات المتحدة، غالبا ما تتخذ ضمن مؤسسات الدولة المختصة، وأن تحويل كل قضية استراتيجية إلى استفتاء عام قد يعرض الأمن القومي لمخاطر ويُدخل البلاد في حالة استقطاب حاد. واعتبرت أن الدعوة إلى الاستفتاء بشأن اتفاق محتمل مع واشنطن تُختزل في كونها أداة ضغط سياسية أكثر منها رؤية متكاملة لإدارة الدولة.
وفي سياق نقدي، ذكرت جوان بسجالات سابقة بين زيد آبادي والصحيفة، مشيرة إلى أنه استند في إحدى المرات إلى ما وصفته بقناة صفراء لنقل خبر غير دقيق عنها، ولم يقم بتصحيحه رغم التوضيحات، و ألمحت إلى أن من يقدم نصائح أخلاقية وسياسية للآخرين ينبغي أن يلتزم، في رأيها، بمعايير مهنية صارمة في نقل المعلومات.
بين إشراك المجتمع وهواجس الأمن القومي
الجدل بين زيد آبادي وصحيفة جوان يعكس في جوهره خلافا أعمق حول طبيعة النظام السياسي وحدود المشاركة الشعبية في القرارات الكبرى، فبينما يرى التيار الإصلاحي أن توسيع دائرة النقاش وربما اللجوء إلى الاستفتاء يعزز الشرعية ويخفف الاحتقان، يعتبر التيار الأصولي أن هذه الآليات قد تتحول، في ظروف معينة، إلى أدوات ضغط تهدد تماسك الدولة.
وفي ظل استمرار المفاوضات وتبدل المعطيات الإقليمية، يبدو أن النقاش حول الاستفتاء لن يتوقف عند حدود هذا السجال، بل سيبقى جزءا من معركة أوسع حول تعريف المصلحة الوطنية وكيفية ترجمتها إلى قرارات عملية. وبين الدعوة إلى إشراك المجتمع في الخيارات المصيرية، والتحذير من مخاطر تدويل القرار الداخلي، تبقى الساحة الإيرانية مفتوحة على مزيد من النقاشات التي تعكس حيوية المشهد السياسي وتعدديته، حتى وإن اتسمت أحيانا بحدة السجال وتباين الرؤى.

