ازدواجية الحكم في إيران.. بين خطاب المصالحة وممارسات العناد

شكلت فترة ما بعد الحرب بين إيران وإسرائيل مرحلة مهمة في تاريخ الشعب الإيراني، فلم تكن المرحلة إعادة بناء فحسب، بل أيضا لحظة فارقة في العلاقة بين السلطة والشعب، ففي تلك الحرب، ظهرت ملامح نادرة من التلاحم الداخلي، حين تجاوزت الانقسامات الحزبية لتصطف شرائح مختلفة من المجتمع خلف الدولة، دفاعا عن السيادة والكرامة الوطنية.

 غير أن الأسابيع التالية لوقف إطلاق النار كشفت عن تناقضات صارخة في مواقف الحكم الإيراني، بين خطاب رسمي يدعو إلى التفاهم والوحدة، يقابله سلوك سياسي وإعلامي يبدو وكأنه مصمم لإعادة إنتاج الشروخ القديمة، في هذا السياق، تتجلى أزمة الازدواجية داخل بنية الحكم في إيران.

الرئيس الإصلاحي والسعي للوفاق الوطني

 فخلال لقائه مع أعضاء جبهة الإصلاحات الإيرانية، صباح الثلاثاء 22 يوليو/تموز، أعرب الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عن امتنانه لسلوك الشعب الإيراني الواعي في المنعطفات الحساسة، فقال: “في الحرب التي استمرت 12 يوما، كان أداء الناس قائما على التفاعل لا المواجهة، وهذه الثروة الاجتماعية تضاعف مسؤولية الحكومة في متابعة المطالب الشعبية. لذلك، من الضروري أن تستند السياسات إلى تمكين المجتمع ومشاركة الناس في إطار الأحزاب والجمعيات والمجموعات والمنظمات غير الحكومية”.

آماده‌ایم حتی با اپوزیسیون هم گفت‌و‌‌‌گو کنیم

وتابع بزشكيان: “إن طريق الإصلاحات طريق معقد، بعض الأقوال قد تبدو بسيطة وسهلة نظريا، لكن تنفيذها عمليا أكثر تعقيدا بكثير، فالإصلاحات عملية تستغرق وقتا، وبعض التغييرات قد تتطلب عقدا كاملا لتحقيقها، ونحن مستعدون للحوار حتى مع المعارضة، أثبت الشعب خلال الحرب وعيه العميق ومعدنه الوطني الأصيل، والآن حان دور المسؤولين للوفاء بالتزاماتهم”.

 		 			پزشکیان: امروز حتی آمادگی داریم با اپوزیسیون هم گفت‌وگو کنیم / دستگاه‌های امنیتی به این جمع‌بندی رسیده‌اند که یکی از ترفندهای دشمن، انگ‌زنی به نخبگان و طرد آن‌ها از مسائل کلان کشور است 		 	 			پزشکیان: امروز حتی آمادگی داریم با اپوزیسیون هم گفت‌وگو کنیم / دستگاه‌های امنیتی به این جمع‌بندی رسیده‌اند که یکی از ترفندهای دشمن، انگ‌زنی به نخبگان و طرد آن‌ها از مسائل کلان کشور است

وأضاف بزشكيان أنه “علينا أن نتجنب الدخول في المواضيع المثيرة للخلاف”، موضحا “تراجع الطرفين خطوة في القضايا الخلافية يعني الاقتراب من حل حقيقي، وهذه هي جوهر الإصلاحات، أي أن يتنازل كل طرف عن جزء من موقفه”.

تغريدة ولايتي.. مناشدة التغيير من داخل النظام

في سياق غير بعيد عن تصريحات بزشكيان، كتب علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في الشؤون الدولية، تغريدة لافتة على حسابه بمنصة إكس، الإثنين 21 يوليو/تموز 2025، قال فيها: “إن الحفاظ على الانسجام الوطني، الذي يؤكد ه سماحة قائد الثورة، يمكن أن يشمل تغيير بعض التوجهات الاجتماعية لدى الحكم، وجعل رضا الناس محورا ملموسا بالنسبة إليهم، لقد أثبت الشعب نفسه، والآن جاء دور المسؤولين، فالأساليب البالية لم تعد مجدية للمجتمع ما بعد الحرب”.

ولایتی: مردم خود را اثبات کردند و اکنون نوبت مسئولین است

هذه الدعوة، رغم صدورها من شخصية محسوبة على التيار الأصولي، عكست، حسب خبراء، إدراكا متزايدا داخل بعض أروقة الحكم بأن الاستمرار في تجاهل الرأي العام بعد هذا التحول الشعبي سيكون مكلفا، فاللافت في كلام ولايتي أنه قدم رضا الناس باعتباره ضرورة استراتيجية، لا مجرد إجراء تجميلي.

الوجه الآخر.. الإذاعة والتلفزيون، وحجب الإنترنت، وعودة صديقي

في المقابل، تكشف الوقائع اليومية عن ممارسات رسمية تتناقض تماما مع ما تقوله القيادة التنفيذية، ما يعمق الشعور العام بأن ثمة حكومتين داخل الدولة، إحداهما تتحدث عن التغيير، والأخرى متمسكة بنهج الصدمة والتجاهل.

ففي تقرير لصحيفة ابتكار الإصلاحية، الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، قالت إنه خلال أيام الحرب، برزت بيانات وتصريحات من شخصيات إصلاحية بارزة مثل محمد خاتمي ومهدي كروبي ومصطفى تاجر زاده، عبرت عن دعمها لموقف الدولة ضد العدوان الإسرائيلي، لكن الإعلام الرسمي، وتحديدا هيئة الإذاعة والتلفزيون، تجاهلها تماما، في إصرار بالغ منها على حجب أي خطاب لا يصدر من الدوائر التقليدية للسلطة.

A close up of a sign

AI-generated content may be incorrect.

ويكمل التقرير أن هذا التجاهل لم يكن مجرد قرار تحريري، بل رسالة سياسية بأن التلفزيون الإيراني لا تزال تعتبر التيارات الإصلاحية خارج حدود الوطنية المقبولة، على حد تعبير الصحيفة، حتى لو وقفت إلى جانب الدولة في لحظة حرب، في حين أن شخصيات مثل جواد لاريجاني عادت لتحتل الشاشات بخطاب تصعيدي يهدد الغرب تارة، ويتهم الإصلاحيين تارة أخرى، ما اعتبرته الصحيفة عودة إلى الوراء بدلا من فتح أفق جديد.

كذلك، فقد أثار تأجيل رفع الحجب عن شبكات التواصل الاجتماعي جدلا واسعا بعد أنباء عن مصادقة المجلس الأعلى للفضاء السيبراني على مشروع يعزز شبهة الإنترنت الطبقي في إيران، ما فجر مواجهة حادة بين بزشكيان وأمين المجلس محمد أمين آقا ميري، صهر جواد لاريجاني.

اینترنت طبقاتی و زخم‌های همزیستی

 ورغم أن تفاصيل المشروع لم تكشف، فإن بقاء آقا ميري، الذي يتهم بدعم استمرار الحجب، يتعارض مع وعود الحكومة بتحرير الإنترنت، هذا التعارض يظهر ازدواجية في السلطة التنفيذية، حيث تتقاطع إرادة التغيير مع نفوذ قوى محافظة، ما يجعل المجتمع وحده الطرف الذي يواصل رفع صوته وسط هذا التناقض الرسمي.

على أن أخر التحركات غير المفهومة في الوقت الحالي تمثلت في العودة المفاجئة لكاظم صديقي، إمام جمعة طهران المؤقت، إلى منبر صلاة الجمعة موجة واسعة من الجدل في الأوساط الإعلامية والسياسية الإيرانية، حيث وصفها كثير من المراقبين بأنها صفعة للشعب، ومؤسفة، وضد وحدة الصف الوطني.

بازگشت صدیقی به تریبون نماز جمعه؛ زیدآبادی: مردم از این نمادها خسته‌اند!

هذا وكانت وسائل الإعلام قد نشرت، قبل اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، خبر اعتقال ابن صديقي، ما أثار حينها تكهنات بشأن انتهاء دوره في صلاة الجمعة. وفي ذلك الوقت، أعلن وزير التراث الثقافي، عزت الله ضرغامي، أن صديقي طُلب منه التوقف مؤقتا عن إمامة الجمعة، وقد وافق على ذلك.

A person in a suit

AI-generated content may be incorrect.

لكن الأسبوع الماضي، ووسط دهشة المراقبين، أُعلن أن صديقي سيعود لإمامة صلاة الجمعة في طهران، ما فجر موجة من الانتقادات حتى داخل التيار الأصولي، وفي افتتاحية نارية، وصف مسيح مهاجري، مدير تحرير صحيفة جمهوري إسلامي،هذه العودة بأنها نوع من العناد مع الشعب وإصرار على دعم شخص لا يمتلك المؤهلات اللازمة لهذا المنصب.

A person in a white turban and a gray robe

AI-generated content may be incorrect.

ازدواجية السلطة.. بين مؤسسات تحكم وأخرى تمثّل

كل هذه الأمثلة تشير إلى حقيقة سياسية صعبة، وهي أن إيران اليوم ليست فقط في صراع مع الخارج، بل في نزاع داخلي بين سلطتين، واحدة تحاول أن تنفتح على الناس وتفهم التغيرات الاجتماعية العميقة، وأخرى تتمترس خلف خطاب تعبوي لم يعد قادرا على التأثير أو الإقناع.

الرئيس يدعو إلى الحوار، والإعلام يقصي من يخالف، مستشار المرشد يطالب بالتغيير، بينما تفعل خطط لإغلاق المجال الرقمي أكثر، الشعب يُشيد بتضحيته، لكن يعود من تسببوا له بالإحباط إلى واجهة المشهد.

في الوقت نفسه، تبدو السلطة الإيرانية اليوم واقعة بين حاجتين متناقضتين، من جهة، إدراكها أن الحرب الأخيرة أفرزت واقعا اجتماعيا جديدا يصعب تجاهله، ومن جهة أخرى، إصرار بعض مؤسساتها على الاستمرار في ممارسات عفي عليها الزمن، وبين هذين الاتجاهين، يتآكل رصيد الثقة.

ربما تكون الحرب قد أظهرت أن الشعب الإيراني قادر على الوحدة إذا شعر بأنه طرف في المعادلة، لا مجرد أداة في معركة، لكن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب ما هو أكثر من التغريدات والخطب، إنه يحتاج إلى قرارات شجاعة تنهي الانقسام الداخلي في الحكم نفسه، وإلا فإن الازدواجية الحالية لن تكون مجرد أزمة حكم، بل مشروع محكوم عليه بالفشل.