- زاد إيران - المحرر
- 1027 Views
نشرت صحيفة “إيران” الإيرانية، الثلاثاء 2 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تقريرا تناولت فيه استراتيجية الحكومة الشاملة لزيادة إنتاج البنزين وتحسين استهلاكه، مع التركيز على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بتعديل أسعار الوقود وتعزيز الاستثمار في الطاقة النظيفة.

ذكرت الصحيفة أنه بعد مرور عقدين على وضع وثيقة الرؤية العشرينية، لم يصل اقتصاد إيران إلى المرتبة الاقتصادية الأولى في المنطقة، وبالتزامن مع تباعد المنافسين واندماج عدة أزمات، لم يتحقق النمو السريع والمستدام.
وتابعت أنه في قلب هذا الفشل، يكمن إدارة موارد الطاقة، وخصوصا البنزين، التي تحولت بدعم غير مستهدف إلى معضلة متعددة الأبعاد، والآن، تحاول الحكومة الحالية، من خلال إدراج تعديل أسعار البنزين على جدول أعمالها، كسر هذه الدورة المعيبة.

الوضع المتناقض: ثروة النفط، وفقر الميزانية
ذكرت الصحيفة أن إيران تنتج يوميا نحو 8 ملايين برميل من النفط والمكثفات الغازية، والتي كان من الممكن أن تولد، في حال تصدير كامل هذه الكمية، حوالي 180 مليار دولار سنويا من العائدات.
وتابعت أنه على الرغم من ذلك فإن إيران الآن في موقف تصرف فيه 6 إلى 8 مليارات دولار من مواردها النقدية الثمينة على استيراد البنزين، في حين أن شريحة كبيرة من المجتمع (الطبقات ذات الدخل المحدود والريفية) محرومة من الاستفادة من استهلاك هذا البنزين، وتُصرف موارد البلاد بدلا من تأمين الغذاء والصحة، على وقود السيارات الخاصة.
المعادلة غير العادلة: فوز الأقليات، خسارة الأغلبية
وأضافت أنه في الواقع، تكونت معادلة بسيطة لكنها غير عادلة: الموارد الوطنية التي كان ينبغي أن تُستخدم في رفاهية العامة، تُخصص لاستيراد البنزين، وانخفاض أسعار الوقود يزيد من الميل لاستخدام السيارات الخاصة ويرفع من استهلاك البنزين.
وأوضحت أن هذه الدورة لا تلتهم الموارد المالية للبلاد فحسب، بل تسهم أيضا في تدهور جودة الهواء في المدن الكبرى، مما يفرض عبئا ماليا ضخما على ميزانية الصحة.
نزع الطابع السياسي عن سلعة اقتصادية
وأكدت أنه قد مر ست سنوات على آخر تعديل في سعر البنزين، وخلال هذه الفترة، أصبح البنزين بسبب المخاوف من التداعيات الاجتماعية سلعة سياسية ذات تابو، وكان من الضروري أن يشهد هذا المسار تحولا للحفاظ على الثروة الوطنية.
وأشارت إلى أنه مع بدء عمل الحكومة الحالية، كانت أمامها حلان لهذه المشكلة: زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات من جهة، وتحسين استهلاك البنزين من جهة أخرى، وللكسر هذا المأزق التاريخي، صممت الحكومة استراتيجية شاملة على جبهتين متزامنتين.
زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات

ذكرت الصحيفة أن لتأمين الموارد، تحتاج الحكومة إلى الاستثمارات الأجنبية والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وقد كانت العقوبات مؤثرة للغاية في هذا المجال.
وتابعت أنه مع ذلك، اتخذت الحكومة إجراءات لتحسين هذا المسار، أولها تحديد نحو 130 مليار دولار مشاريع في قطاع النفط والغاز الأعلى. وفي الوقت نفسه، تم تقليص العملية البيروقراطية لإبرام العقود إلى حوالي خمسة أشهر.
وأضافت أنه في حين أن العقود الثلاثية السنوات كانت تستغرق وقتا أطول، لتصبح نسبة الأرباح المضمونة للمستثمرين من 14-15% إلى 20-23% لتعويض مخاطر العقوبات، وتعزى هذه العملية إلى متابعة الرئيس شخصيا في الاجتماعات الأسبوعية (أيام الأربعاء بعد اجتماع الوزراء) لإزالة معوقات المشاريع.
تحسين استهلاك الوقود وتنويع مزيج الطاقة
كما أوضحت أنه في الحكومات السابقة، تم استثمار نحو ثلاثة مليارات دولار لتنفيذ آليات تعبئة الوقود بناء على الغاز المضغوط للسيارات (CNG)، إلا أن هذا المجال لم يكن ذا جدوى بسبب انخفاض أسعار البنزين، ولم يحظَ بإقبال كبير.
وأكدت أنه مع تعديل أسعار البنزين، سيفتح الطريق لموجة جديدة من تحويل السيارات من البنزين إلى الغاز.
وأشارت إلى أنه في هذا الإطار، تعمل الحكومة على تحويل السيارات إلى سيارات غازية مجانا لجميع الراغبين عبر منصة موحدة، وبذلك يتم تفعيل استثمار الثلاثة مليارات دولار السابق في بنية الغاز الطبيعي التحتية من خلال منح تراخيص للقطاع الخاص لبناء محطات CNG.
وتابعت أن الحكومة تولي اهتماما بالوقود السائل (LPG) ومنح تراخيص لإنشاء محطات ضمن نطاق 100 كيلومتر من المصافي.وأضافت أن الحكومة وضعت سياسات لاستيراد السيارات مع أولوية للسيارات الهجينة (تعرفة 15%) والكهربائية (تعرفة 4%) ومنخفضة الاستهلاك (تعرفة 120%)، كما تم تأمين الموارد لتجديد أسطول النقل العام (القطارات والعربات) من صندوق التنمية الوطنية.
المنطق الاقتصادي: من الدعم الخفي إلى الشفافية المالية
ذكرت الصحيفة أن الحسابات تشير إلى أن التكلفة الفعلية لكل لتر بنزين مستورد للحكومة تبلغ نحو 660 ألف ريال، وحتى مع إزالة دعم 50000 ريال من الحصة الثالثة لبعض السيارات، بما فيها سيارات المناطق الحرة والمستوردة، ما زالت الحكومة تدفع نحو 610 ألف ريال دعما خفيا لكل لتر.
وتؤكد الحكومة أن الإيرادات الناتجة عن زيادة السعر (حتى سقف 2000 تومان لكل لتر) ستعود بالكامل إلى الخزينة، وتُستخدم لدعم معيشة المواطنين، دون أن يُصرف أي ريال لتعويض عجز ميزانية الحكومة.
لماذا أصبح تعديل سعر البنزين أمرا حتميا؟
وتابعت أن تعديل سعر البنزين ليس خيارا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية، ويمكن تلخيص أسبابها في عدة محاور: أولا، وقف تبديد الموارد الوطنية، إذ أن استمرار الوضع الحالي يعني إهدار مليارات الدولارات سنويا لتأمين وقود رخيص يستفيد منه أغنياء ومالكو السيارات الخاصة، في حين يمكن استخدام هذه الموارد للصحة والتعليم والرفاه العام وتطوير البنية التحتية.
وأوضحت أن استمرار الوضع الحالي سيجبر الحكومة خلال خمس سنوات على إنفاق نحو 15 مليار دولار لاستيراد البنزين، وهو ما يصعب تحقيقه عمليا، وقد يؤدي إلى توقف الإمداد كما حدث مع الكهرباء في السنوات الأخيرة.
وتابعت أن المحور الثاني، تحقيق العدالة التوزيعية، إذ إن الدعم الخفي للبنزين يعيد توزيع الثروة لصالح الأثرياء، بينما يتيح تعديل السعر توجيه الدعم بشكل مستهدف نحو الفئات ذات الدخل المنخفض والمحرومة.
وأضافت أن المحور الثالث، هو حماية البيئة والصحة العامة، إذ يشجع انخفاض سعر البنزين على استخدام السيارات الخاصة ويسبب تلوث الهواء في المدن الكبرى، بينما ستخلق زيادة السعر نسبيا حافزا لتغيير نمط الاستهلاك والاتجاه نحو النقل العام والسيارات النظيفة.
وأشارت إلى أن المحور الأخير، هو تمهيد الطريق لتحول في صناعة الطاقة، ففقط عبر خلق ميزة سعرية للوقود النظيف مثل الغاز CNG وLPG، يمكن أن تؤتي الاستثمارات الكبرى في هذا القطاع ثمارها ويقل الاعتماد على البنزين.
وأكدت أنه على المدى القصير، سيتم توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة وتقليل العبء المالي على الميزانية، وعلى المدى المتوسط، تحسين جودة الهواء وصحة المجتمع، وعلى المدى الطويل، بناء بنية تحتية لاقتصاد أكثر كفاءة في الطاقة وأقل عرضة لفتاوى الوقود الرخيص. وتابعت أن تعديل سعر البنزين، رغم صعوبته، يشكل حجر الأساس الضروري للخروج من الدورة المعيبة الحالية والتحرك نحو نموذج تنموي مستدام.

