اشتباك سياسي جديد في إيران بعد تصريحات حادة حول الخطوط الحمراء

في لحظة سياسية فارقة تعيشها إيران، تتزاحم الأصوات وتتكاثر القراءات في محاولة لفهم مسار الأحداث واتجاه البوصلة، فالتوترات الإقليمية، والأزمات المعيشية، وتراجع الثقة العامة، تصنع جميعها مشهدا معقدا يدفع باتجاه نقاشات جريئة حول بنية القرار السياسي وحدود التغيير الممكن. وفي قلب هذا المشهد، تتباين الرؤى بين من يطالبون بإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، ومن يفسرون أي تعديل باعتباره تنازلا يمسّ الثوابت، ومع تضارب المواقف، يتكشف نقاش أعمق حول أولويات الدولة، وقدرتها على موازنة الداخل والخارج وسط عواصف إقليمية ودولية لا تهدأ.

إعادة النظر في السياسات ضرورة وطنية وليست تنازلا أمام الخارج

فقد وجه الرئيس الأسبق السيد محمد خاتمي جملة من الرسائل الواضحة إلى السلطات، محذرا من خطورة الاستمرار في النهج الحالي، وداعيا إلى مقاربة أكثر عقلانية وانفتاحا تعيد الثقة للشعب وتضمن استقرار الدولة، هذا وقد جاءت تصريحات خاتمي خلال لقائه أعضاء الجمعية العامة لجبهة الإصلاحات الإيرانية، الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 حيث استعرض الوضع الراهن، وعبر عن قلقه من حجم التهديدات التي تواجه البلاد داخليا وخارجيا.

Image

وخلال لقاءه، وصف خاتمي اللحظة الحالية التي تمر بها إيران بأنها أحد أخطر المراحل منذ انتصار ثورتها عام 1979، مشيرا إلى أن الأزمات المتراكمة، والتوترات السياسية، وتراجع الثقة الشعبية خلقت حالة غير مسبوقة من الاحتقان، مؤكدا أن تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتحقق دون تغيير واضح في طريقة الحكم، سواء في إدارة الداخل أو في كيفية التعاطي مع العالم، قائلا “إذا لم تتغير السياسات الحالية، فإن الخطر لن يهدد منظومة الحكم فقط، بل سيطول البلاد والشعب على حد سواء”.

وفي حديثه عن الأزمة المعيشية التي وصفها بالخانقة وتثقل كاهل الأغلبية الساحقة من الإيرانيين، شدد خاتمي على أن رفع الضغوط عن الناس بات ضرورة ملحة، وأن الخطوات الصغيرة، مثل معالجة مشكلة الإنترنت ورفع الحجب الالكتروني، يمكن أن يرسل رسائل إيجابية للشعب، مذكرا بأن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قد وعد سابقا بحل هذه المسألة، وأن تنفيذ الوعود في هذا الظرف يعد جزءا من إعادة بناء الثقة، موضحا “ليس المطلوب معجزات، لكن خطوات بسيطة تعني الكثير حين يشعر المواطن بأن الدولة تراه وتحترمه.”

هذا وقد كان أحد أبرز محاور خطاب خاتمي التأكيد على أن إعادة النظر في الخطوط الحمراء أمر ضروري، إذا تبين أن استمرارها يضر بمصلحة الشعب أو بأركان النظام، فيما شدد على أن ذلك لا يمثل ضعفا ولا خضوعا لإملاءات الأجانب، قائلا”إن التجديد والتصحيح جزء من الفطنة السياسية، وليس تنازلا أمام الجشع الخارجي”، وأوضح أن مواجهة العداء الخارجي لا يمكن أن تكون ذريعة لتجاهل الإصلاح الداخلي، بل يتطلب الأمر تعزيز العقلانية في الدبلوماسية، وتحسين العلاقات مع دول العالم بهدف حماية المصالح الوطنية.

وتوقف خاتمي عند الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما، مشيدا بوحدة الإيرانيين ووقوفهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وأكد أن الشعب، بمن فيهم الذين كانوا ينتقدون أداء النظام، نزلوا للدفاع عن البلاد عندما أحسوا أن كرامتها ووحدة ترابها مستهدفة، ومع ذلك، فقد أعرب عن أسفه لأن السلطة لم تظهر تقديرا كافيا لهذا الموقف الشعبي، بل على العكس، تصاعدت عمليات الاستدعاء والتحقيق بحق سياسيين وإعلاميين وأفراد من المجتمع المدني، وقال” كان المتوقع الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين، وتخفيف القيود والضغوط، لكن الذي حدث هو العكس، منتقدا فتح الملفات القضائية بحق عدد من قيادات جبهة الإصلاحات، ومعتبرا ذلك رسالة سلبية في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى لمّ الشمل.

Image

وفي رؤيته للمستقبل، شدد خاتمي على أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن بناء إيران قوية يتطلب تنمية سياسية وثقافية وعلمية متوازية، واعتبر أن تجارب دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين تظهر أن الإصلاح السياسي قد يأتي تدريجيا، لكن لا يمكن تجاهله، وأن الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد سيقود بطبيعته إلى تعزيز الحريات وترسيخ المشاركة الشعبية، وأضاف أن نحو 80% من الإيرانيين لا ينخرطون سياسيا بالمعنى الحزبي، فهم لا يهتمون كثيرا بمن يحكم بقدر اهتمامهم بقدرتهم على العيش بكرامة والشعور بالأمن ورؤية مستقبل واضح لأبنائهم.

وفي ختام حديثه، دعا خاتمي التيارات السياسية المختلفة، بما فيها من هم خارج جبهة الإصلاحات، إلى وضع مصلحة إيران فوق الاعتبارات الحزبية، والعمل بشكل مشترك للتغلب على الأخطار والتحديات، وترسيخ الحقوق الأساسية للمواطنين، وتعزيز مكانة البلاد دوليا، معربا عن أمله في أن يكون هذا التعاون بداية لمسار جديد يعيد الأمل ويضع إيران على طريق التنمية والاستقرار.

لهذا خسرتم في الفتنة وأعمال الشغب

وبطبيعة حال الداخل الإيراني المعقد، فلم تمر تصريحات أحد أكبر الرؤوس الإصلاحية في البلاد مرور الكرام، بل تبعها نقدا مباشر من المنبر الأصولي الأشهر، ففي تعليق لافت يعكس موقفا نقديا حادا، قالت كيهان في تقرير لها اليوم الخميس 20 نوفمبر/تشرين  الثاني 2025 أن ما طرحه خاتمي من مواقف حول طبيعة الشعب الإيراني ووعيه السياسي بعيد تماما عن الواقع، بل يتناقض مع التجربة التاريخية للثورة الإيرانية ومسارها الممتد لأكثر من أربعة عقود، مشيرة إلى أن خاتمي بتأكيده أن 80%من الإيرانيين غير مسيسين ولا يهمهم من يحكم، يقلل من دور الشعب، ويتجاهل حقيقة أنه كان دائما الضامن الرئيس لاستمرار الدولة وإفشال جميع المؤامرات منذ انتصار الثورة.

كذلك، فقد قالت كيهان أن الشعب الإيراني أثبت، في كل محطة حساسة، وعيا سياسيا متقدما وصلابة في مواجهة مشاريع الفتنة والاضطراب، بدءا من أحداث 1999، المظاهرات الطلابية العنيفة التي ضربت إيران بعد إغلاق صحيفة سلام الإصلاحية، وصولا إلى 2009 و2019 و2022، وتؤكد أن الشارع الإيراني هو الذي أسقط محاولات إسقاط النظام التي وقفت خلفها قوى خارجية، وأن صموده في الحرب الأخيرة الممتدة 12 يوما هو الذي أحبط المخطط الأكبر للولايات المتحدة وإسرائيل الساعي إلى زعزعة البلاد.

أيضا، ترى الصحيفة أن محاولة خاتمي تصوير المجتمع الإيراني كمجتمع بعيد عن السياسة تهدف، ولو بشكل غير مباشر، إلى تبرئة التيار الإصلاحي من مسؤولياته وإخفاء إخفاقاته في معالجة التحديات الاقتصادية والمعيشية، وهي تحديات تصاعدت، بحسب الصحيفة، في عهد الحكومات المحسوبة على الإصلاحيين، التي سجلت أسوأ معدلات التضخم.

Image

وتنتقد الصحيفة حديث خاتمي عن ضرورة إعادة النظر في الخطوط الحمراء، معتبرة أن طرحه يوحي بأن الأزمة ناجمة عن التشدد، بينما ترى أن التحديات الحالية تتطلب مزيدا من التمسك بالثوابت الوطنية لا المساومة عليها، مضيفة أن احترام الشعب وتخفيف الضغوط لا يكون عبر طرح شعارات إصلاحية عامة، بل عبر تقديم حلول واقعية، وهو ما تعتبر الصحيفة أن التيار الإصلاحي لم يقدمه على الإطلاق.

وفي ختام موقفها، تشدد كيهان على أن الشعب الإيراني ليس غافلا ولا غير مبال، بل هو القوة السياسية الأكبر في البلاد، وأن وعيه هو الذي حمى الدولة، لا الشعارات التي يرفعها الإصلاحيون، وترى أن تصريحات خاتمي الأخيرة لا تعبر عن حقيقة المجتمع الإيراني بقدر ما تعبر عن عجز سياسي لدى التيار الذي يمثله.

مراجعة أم استسلام؟

على الجانب الأخر، فقد تناول الكاتب محمد جواد روح، في مقاله في صحيفة هم ميهن الإصلاحية اليوم نفسه، تصريحات خاتمي ومقال السجين السياسي الإصلاحي مصطفى تاج ‌زاده، معتبرا أن ما طرحاه يكشف تعقيدات اللحظة السياسية التي تعيشها إيران، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابا ضروريا لنقاش جاد حول العلاقة الملتبسة بين المراجعة والاستسلام في سياق السياسة الخارجية والملف النووي.

Image

فخلال مقاله، قال روح أن جملة خاتمي عن ضرورة تغيير نهج الحكم وإعادة النظر حتى في الخطوط الحمراء إذا كان بقاء النظام ومصلحة الشعب في خطر تحمل أهمية خاصة، لأنها تعترف ضمنيا بوجود اختلال حاد في موقع إيران الدولي، يجعل التمسك بالخطوط القديمة غير ممكن ضمن الظروف الراهنة، لكن خاتمي يسارع إلى التأكيد أن المراجعة لا تعني الاستسلام، وهو، بحسب روح، محاولة لرسم خط فاصل دقيق بين الواقعية السياسية وبين الخضوع لضغوط الخارج، في وقت يصعب فيه الفصل بين المفهومين في نظر كثيرين.

وفي قراءة روح، فإن مقال تاج‌ زادة يعمق هذا الجدل، إذ يشير إلى أن ميزان القوى بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023 مال بشكل واضح ضد إيران، وأن التفاوض من موقع متكافئ لم يعد ممكنا دون إصلاحات وانفتاح سياسي، ويضيف تاج ‌زاده أن الأصوات الداعية إلى الخروج من معاهدة منع انتشار السلاح النووي أو التوجه نحو السلاح النووي عبر تغيير فتوى المرشد والعقيدة النووية تمثل منزلقا خطيرا قد يجر البلاد إلى حرب مدمرة، وبعضها، كما يلمح، يستفيد من وقوع مثل هذه المواجهة.

Image

من وجهة نظر روح، فإن ما يجمع بين كلام الرجلين هو الإقرار بوجود مأزق تفاوضي حقيقي، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه أعلى مسؤول في الدولة لوصف الوضع الراهن، يقصد تصريحات عراقجي الأخيرة في مؤتمر القانون الدولي تحت الهجوم، غير أن الكاتب يشدد على أن هذا المأزق لا يعني أن أي خطوة تتخذ هي استسلام، بل يرى أن هناك التباسا فكريا واسعا في الخلط بين المراجعة كإجراء وطني واقعي، وبين الاستسلام كخضوع لقوة خارجية.

ويذهب روح إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن بعض القضايا التي تحولت إلى خطوط حمراء خلال العقدين الأخيرين لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل باتت رموزا هوياتية، الأمر الذي يجعل أي نقاش حول تعديلها يقرأ تلقائيا كتنازل، لكن روح يصر على أن المراجعة، حين تكون نابعة من تقييم جديد لمعادلات القوة الإقليمية والدولية، ليست خضوعا، بل ضرورة سياسية.

وفي تحليله الختامي، يرى روح أن التحولات العميقة في النظام الدولي، وبخاصة بعد الحرب الباردة، وبعد 11 سبتمبر، وبعد أحداث 7 أكتوبر، تفرض على إيران أن تعيد التفكير في موقعها، وأن تسعى لدور فاعل داخل النظام العالمي القائم بدل الوقوف خارجه، وإذا كان يمكن وصف ذلك بالاستسلام، فهو، كما يقول، أن استسلام للواقع وليس للخصوم، واستسلام واع يقوم على إدراك حدود الممكن السياسي، وهو ما يميز الدولة العاقلة عن الدولة المغامِرة، ويؤكد أن السياسة في نهاية المطاف هي فن العمل داخل دائرة الممكن، وأن الممكن اليوم لم يعد كما كان، ولا يمكن التعامل معه بمنطق الشعارات، بل بمنطق حسابات دقيقة لا تفصل بين الكرامة الوطنية ومتطلبات البقاء.