اكتشاف صادم تحت قلب العاصمة… شبكة من الأنفاق أسفل سوق طهران الكبير

Image

لم يكن اكتشاف شبكة الأنفاق غير المرخصة أسفل بازار طهران الكبير مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث أو العمران، بل مثل لحظة صادمة كشفت عن واقع خطير ظل مخفيا لسنوات تحت أحد أكثر المواقع حيوية واكتظاظا في العاصمة الإيرانية، فالسوق الذي يعد القلب الاقتصادي لطهران، ويمثل مركزا تاريخيا للتجارة والحرف منذ قرون، وجد نفسه فجأة فوق فراغات محفورة بطول يقدر بنحو خمسة آلاف متر، أنشأها حفارون مجهولون عبر عمليات حفر ممنهجة امتدت لما يقارب عقدا من الزمن، من دون أن تكتشف أو توقف في حينها. الاكتشاف الذي أتى بعد متابعة ميدانية أجرتها بلدية المنطقة الثانية عشرة، بعدما بدأت أثار الأنفاق أن تظهر على المباني التاريخية المحيطة.

ما القصة؟

بحسب ما أفادت به وسائل الإعلام الإيرانية، فقد تم الكشف عن أعمال الحفر شملت أنفاقا واسعة وحفريات عميقة وإفراغا متعمدا للأساسات والركائز الحاملة، خصوصا في سرايات آزادي ونادري وزيبا، وهي من أقدم وأهم المجمعات التجارية داخل السوق، وتضم مئات المحال التي يعمل فيها آلاف التجار والعمال، فيما أظهرت التحقيقات الأولية أن هذه الحفريات لم تكن عشوائية أو محدودة، بل كانت تهدف إلى إنشاء طابق سفلي إضافي غير قانوني، استخدم في بعض الحالات كمخازن أو مساحات تجارية جرى بيع بعضها بالفعل.

Image

وحسب التقارير، فلم تكن الشائعات حول وجود أنفاق تحت السوق لم تكن جديدة، فقد تداول التجار ورواد السوق على مدى سنوات أحاديث غامضة عن فراغات أو ممرات تحت بعض السرايات، غير أن هذه الشائعات كانت تصنف دائما ضمن القصص الشعبية أو المبالغات، ولم تحظ بمتابعة جدية من الجهات المختصة، إلا أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي بلدية المنطقة الثانية عشرة، وعلى رأسهم العمدة محمد آييني، أكدت أن تلك الشائعات تحولت اليوم إلى واقع موثق، مدعوم بتقارير فنية رسمية ومعاينات ميدانية شاركت فيها جهات قضائية وأمنية وفنية.

Image

وخلال جولة تفقدية رسمية نفذت بحضور ممثلين عن النيابة العامة في طهران، ومنظمة إدارة الأزمات، والدفاع المدني، ومركز أبحاث وزارة الطرق والإسكان والتنمية الحضرية، تبين حجم الخطر الكامن تحت السوق، وأوضح العمدة أن هذه السرايات شيدت قبل الثورة الإيرانية في العام 1979، وتشكل مع غيرها مجتمعا مترابطا ومعقدا من الناحية المعمارية، ما يجعل أي عبث بأساساتها تهديدا مباشرا لاستقرار مساحات واسعة من السوق، فيما أكد آييني أن اكتشاف المخالفات يعود إلى الأشهر الأولى من توليه المنصب، أواخر العام 2024، حين رصد موظفو بلدية المنطقة الثالثة، وهي منطقة السوق، دلائل على وجود أعمال حفر غير مرخصة، ما دفع إلى فتح ملف التحقيق ومخاطبة الجهات القضائية المختصة.

Image

غير أن هذا الكشف قد أثار ما هو أبعد من التصريحات الرسمية، فحسب التقارير، تترد في الداخل الإيراني اليوم تساؤلات من قبيل كيف يمكن تنفيذ عمليات بهذا الحجم، وفي قلب أحد أكثر المواقع ازدحاما في البلاد، من دون أن تكتشف لسنوات؟ وكيف خرجت آلاف الأمتار المكعبة من الأتربة من السوق من دون أن تثير الانتباه؟ أسئلة لم تجد حتى الآن إجابات شافية، لكنها، ومن وجهة نظر الخبراء، تكشف عن خلل عميق في منظومة الرقابة الحضرية، وأعادت تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية في المواقع التاريخية إذا ما تركت عرضة للاستغلال غير القانوني.

تقارير فنية وتحذيرات رسمية… السوق فوق فراغ مهدد بالانهيار

ما إن كشف النقاب عن شبكة الأنفاق أسفل بازار طهران الكبير، حتى انتقل الملف سريعا من كونه قضية مخالفة بناء إلى حالة طوارئ إنشائية تهدد أرواح الآلاف، فقد أظهرت التقارير الصادرة عن مركز أبحاث وزارة الطرق والإسكان والتنمية الحضرية أن الأعمال المنفذة تحت السرايات القديمة أدت إلى فقدان جزء كبير من الاستقرار الإنشائي للمباني، وأن خطر الانهيار لم يعد افتراضا نظريا، بل احتمالا قائما في أي لحظة، وشدد آييني على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة التأهيل وتأمين السلامة، محذرا من أن استمرار الوضع القائم قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.

هذه المخاوف عززتها تحذيرات منظمة الإطفاء في طهران، حيث أوضح نائب مدير الوقاية، كامران عبدولي، أن الحفريات أثرت بشكل كامل على الهيكل الإنشائي، وأن بعض الأقسام باتت غير مستقرة تماما، مشيرا إلى أن المجمع التجاري يفتقر إلى أدنى متطلبات السلامة من الحرائق، وأن وجود نحو ألف محل تجاري يعمل فيها ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، إضافة إلى ما بين خمسة وستة آلاف زائر يوميا، يجعل أي حادث محتمل كارثة واسعة النطاق، وأكد أن القرارات الصادرة خلال الاجتماعات الميدانية شملت طرح خيار إغلاق بعض الأجزاء المتضررة مؤقتا، إلى حين حسم الوضع الإنشائي، لأن معالجة السلامة من الحرائق تصبح بلا معنى إذا كان المبنى نفسه مهدداً بالانهيار.

Image

من جهتهم، قدم خبراء مركز أبحاث وزارة الطرق والإسكان قراءة تقنية مفصلة للوضع، موضحين أن سوق طهران يتكون من عدة منشآت قديمة جرى ربطها تدريجيا عبر الزمن، وأن ظاهرة حفر السراديب أدت إلى إنشاء طابق سفلي ثان عبر أنفاق حفرت تحت المباني القائمة، مع إفراغ الأساسات الحاملة، كما بين أحد أساتذة المركز، أن هذه العمليات تسببت في تشوهات إنشائية كبيرة وغير متجانسة، ما رفع بشكل خطير احتمال حدوث انهيارات موضعية قد تتطور إلى انهيار كلي، خصوصاً في ظل قدم المباني وطبيعة تربتها.

أما رئيس منظمة إدارة الأزمات في طهران، على نصيري، فقد وصف الوضع بأنه بالغ الخطورة، مؤكدا أن السوق يعد من المواقع ذات الأهمية العالية جدا وفقا للائحة الزلازل سواء بسبب كثافة الحركة البشرية أو قيمته الاقتصادية، وأشار إلى أن من أخطر الظواهر التي تم رصدها ما يعرف بالاستيلاء على الجدران والاستيلاء على الأساسات، حيث استغل أشخاص يسعون لتحقيق مكاسب مالية ضعف الرقابة ونفذوا حفريات غير قانونية حتى من دون علم بعض المالكين الأصليين، وأكد أن آثار هذه الأعمال باتت واضحة في انحناء الأسقف وضعف الأعمدة، وأن السقف في بعض الأقسام بات على وشك الانهيار.

Image

هذه التحذيرات المتتالية رسمت صورة قاتمة للوضع، وجعلت ملف الأنفاق تحت السوق ينتقل من حيز التحقيق الإداري إلى خانة الطوارئ الوطنية، خصوصا مع إدراك حجم الخسائر البشرية المحتملة في حال وقوع انهيار مفاجئ في موقع يعج بالحركة التجارية والإنسانية على مدار ساعات اليوم.

القضاء والتجار والرأي العام… بين المحاسبة والخوف من الفاجعة

مع تصاعد التحذيرات الفنية، دخل القضاء على خط الأزمة بشكل مباشر، حيث أعلن نائب المدعي العام في طهران، ولي الله مهبودي، عن رصد عدد من أعمال البناء غير المرخصة داخل السوق الكبير، مؤكدا صدور أوامر فورية بإغلاق الأجزاء غير الآمنة ومنع الدخول إليها حفاظا على أرواح المواطنين، وأوضح أن تنظيم السوق سينفذ على مراحل لتقليل الخسائر الاقتصادية على التجار، مشددا على ضرورة تعاون هيئات الأمناء في تنفيذ إجراءات السلامة خلال فترة زمنية قصيرة، كما أكد أن جميع الجهات المعنية، بما فيها مؤسسات التراث الثقافي، مطالبة بالرد السريع على الاستفسارات المتعلقة بحقوق الملكية، حتى لا تطول الإجراءات وتستمر حالة الخطر.

Image

وفي موازاة المسار القضائي، برز صوت التجار بوصفهم الطرف الأكثر تضررا والأكثر قلقا في آن واحد، فقد عبر عدد منهم عن صدمتهم من حجم الحفريات التي أُنجزت تحت محالهم من دون علمهم، مؤكدين أن بعض الأشخاص الذين نفذوا هذه الأعمال قدموا أنفسهم على أنهم مالكون، واعتمدوا على ادعاءات واهية لفرض أمر واقع، فيما قال أحد التجار يدعى فيلي، إن الهدف الأساسي من هذه العمليات كان إنشاء مساحات تجارية غير قانونية لبيعها، وقد جرى بالفعل تسويق بعضها، ما ألحق أضراراً جسيمة بمصالح التجار وأمنهم.

Image

وأشار فيلي إلى أن حجم العمليات كان كبيرا إلى حد يسمح بإخفائها بسهولة داخل مجمع يضم نحو خمسة آلاف مساحة ونحو اثني عشر مخرجا، لافتا إلى أن الحفريات كانت تتم غالبا ليلاً بعد إغلاق السوق، مع إخراج الأتربة بطرق مختلفة، بعضها بواجهات تبدو قانونية وبعضها بوسائل غير مشروعة، وحذر التاجر العامل بسوق طهران الكبير من أن السوق يقف اليوم على حافة فاجعة حقيقية، مطالبا بتدخل قضائي صارم، ودور فاعل للبلدية يمكن التجار من إعادة تأهيل ممتلكاتهم بأنفسهم مع الحفاظ على حقوقهم وأرواحهم.

سوق تاريخي في قلب طهران

يعد سوق طهران الكبير، المعروف أيضا باسم سوق 15 خرداد، واحدا من أقدم وأهم المعالم التاريخية والاقتصادية في العاصمة الإيرانية، فهو ليس مجرد مكان للتجارة والبيع والشراء، بل فضاء حي تختلط فيه الذاكرة التاريخية بالحياة اليومية المعاصرة، فالدخول إلى هذا السوق يشبه السير في قلب التاريخ، حيث تتجاور الأزقة المسقوفة، والقباب الطوبية في مشهد يعكس قرونا من التطور العمراني والاجتماعي.

Image

نشأ سوق طهران الكبير بوصفه مركزا رئيسيا لتجارة السلع المحلية والبضائع المستوردة، لكنه سرعان ما تجاوز هذا الدور ليصبح محورا اقتصاديا يغذي معظم أسواق المدينة، إذ إن نسبة كبيرة من تجارة الجملة في طهران تنطلق منه، ومع مرور الزمن، تحول السوق إلى فضاء اجتماعي وسياسي مؤثر، وشهد أحداثا مفصلية في تاريخ إيران، مستفيدا من بنيته المعمارية المعقدة وأزقته المتداخلة التي منحته طابعاً خاصاً وصعب السيطرة.

Image

كما يتميز السوق بعمارة تقليدية فريدة، تعتمد على الأقواس والقباب وأنظمة التهوية الطبيعية، ما يمنحه جمالا بصريا ووظيفة عملية في آن واحد، كما تحيط به مساجد تاريخية، وحمّامات قديمة، وخانات وسرايات تجارية، جعلت منه نقطة جذب سياحي وثقافي إلى جانب دوره الاقتصادي، إلا أن الأحداث الأخيرة التي مر بها قد تؤثر على دوره الثقافي والتجاري.