الأحد أم الخميس؟ تضارب في مكان وتوقيت مفاوضات الجولة السادسة بين طهران وواشنطن

كتب: ربيع السعدني 

في عالم السياسة الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، تتجدد الآمال والتحديات حول ملف إيران النووي، وسط أجواء مشحونة بالترقب والتضارب، تتجه الأنظار نحو الجولة السادسة من المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة في محاولة لإحياء اتفاق نووي يعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة، بين تصريحات متضاربة حول موعد ومكان الاجتماع وتباين في الرؤى يبدو المشهد الدبلوماسي كرقصة ماريونيت معقدة، يحتاج فيها كل طرف إلى خطوات دقيقة لتجنب الاصطدام. 

لغز التوقيت والمكان الدبلوماسي

كعادة المفاوضات الدولية الحساسة، بدأت الجولة السادسة من المحادثات بين الوفد الإيراني بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، والوفد الأمريكي برئاسة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وسط ضبابية حول موعد انطلاقها. 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى لإعادة صياغة العلاقة مع إيران، أعلن في خطاب متفائل مساء الاثنين، أن الاجتماع سيُعقد يوم الخميس المقبل، عند سؤاله عن رد إيران على الاقتراح الأمريكي الأخير، قائلا: “سنلتقي مع الإيرانيين يوم الخميس.. إنهم يريدون الحفاظ على قدرتهم على تخصيب اليورانيوم، لكن طهران ليس لها الحق في تخصيب اليورانيوم، لكنهم لم يوافقوا على ذلك والمسار البديل خطير للغاية على إيران”، لكن مصدر مطلع لمح إلى تأجيل محتمل إلى الجمعة أو السبت، مضيفا طبقة أخرى من الغموض.

وبحسب موقع “إقتصاد أونلاين” نقلا عن وكالة “إيلنا” الإيرانية، زعم مراسل “أكسيوس” أن الجولة السادسة من المحادثات الإيرانية الأمريكية ستعقد في أوسلو أو مسقط.

وكتب باراك رافيد على منصة التواصل الاجتماعي “إكس”، أن الجولة المقبلة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران ستعقد إما الجمعة في أوسلو وإما الأحد في مسقط.

في المقابل، خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، ليؤكد أن الجولة السادسة من المحادثات الإيرانية الأمريكية ستُعقد يوم الأحد (15 يونيو/حزيران 2025) في العاصمة العمانية مسقط، التي لطالما كانت ملاذًا دبلوماسيًا لمثل هذه اللقاءات، جاء ذلك ردا على أسئلة الصحفيين خلال المؤتمر الصحفي يوم الإثنين 9 يونيو/حزيران 2025 حول الجولة المقبلة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

هذا التضارب في المواعيد والأماكن ليس مجرد تفصيل إداري، بل يعكس التحديات اللوجستية والسياسية التي تواجه الطرفين في محاولتهما للوصول إلى أرضية مشتركة واتفاق نووي جديد.

بارقة أمل أم مناورة جديدة؟

لم تكتفِ طهران بالإعلان عن موعد المفاوضات، بل لمحت إلى خطوة قد تغير قواعد اللعبة، أشار بقائي إلى أن إيران تستعد لتقديم مقترح جديد إلى الجانب الأمريكي عبر الوسيط العماني. 

وصفه بأنه “معقول ومنطقي ومتوازن”، وهي أوصاف لم تأتِ من فراغ، إذ تتردد أصداؤها في تصريحات ترامب السابقة التي روّج فيها لمقترحه الخاص.

في مكالمة هاتفية استمرت أربعين دقيقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول إيران والشرق الأوسط والحرب الدائرة في غزة كرر ترامب تأكيده أن مقترحه يمثل “حلا عادلا”، لكنه لم يكشف عن تفاصيله، هذا التشابه في الخطاب بين الطرفين يثير تساؤلات: هل نحن أمام تقارب حقيقي في الرؤى، أم أنها مجرد مناورات دبلوماسية لكسب الوقت وتحسين المواقف التفاوضية؟

خمس جولات ولا اتفاق.. رحلة شاقة نحو البديل

منذ الثاني عشر من أبريل/نيسان 2025، خاض الطرفان خمس جولات تفاوضية مكثفة، سعيا لإيجاد بديل لاتفاق 2015 النووي، الذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى، مما أثار موجة من التوترات والعقوبات. 

هذه الجولات، التي جرت برعاية عمانية، لم تفضِ بعد إلى اختراق ملموس، لكنها أبقت قنوات الحوار مفتوحة.

اليوم، يبدو أن الهدف هو صياغة اتفاق جديد يعالج مخاوف الطرفين، مع الحفاظ على توازن دقيق بين السيادة الإيرانية والضمانات الدولية، لكن الطريق إلى ذلك ليس مفروشا بالورود، إذ تتصادم الرؤى حول قضايا جوهرية، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم.

تخصيب اليورانيوم: العقدة التي تهدد كل شيء

تظل مسألة تخصيب اليورانيوم الشوكة الأبرز في خاصرة المفاوضات. 

إيران، التي ترى في برنامجها النووي رمزا لسيادتها الوطنية، تُصر على حقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، في المقابل، تعتبر إدارة ترامب هذا الحق “خطا أحمر” لا يمكن تجاوزه، خوفا من أن يمهد الطريق لتطوير قدرات نووية عسكرية.

عرض أمريكي مكتوب

ومن المقرر أن تعقد الجولة السادسة من المحادثات في الوقت الذي قدمت فيه الولايات المتحدة مقترحا مكتوبا لإيران. 

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا نشره موقع “تابناك” عن محتوى العرض الأمريكي لإيران، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة ستُسهّل بناء مفاعلات نووية لإيران، وستبدأ مفاوضات لبناء منشآت تخصيب تحت إدارة تحالف من دول المنطقة. وبمجرد استفادة إيران من كلٍّ من هذه الوعود، ستلتزم بوقف التخصيب على أراضيها، وبحسب الصحيفة، فإن الاقتراح الأمريكي سيسمح لإيران مؤقتا بتخصيب اليورانيوم بتركيزات منخفضة، في حين تعمل الولايات المتحدة، إلى جانب دول أخرى، على وضع خطة مفصلة من شأنها منع إيران من الحصول على سلاح نووي مع توفير الوقود اللازم لمحطات الطاقة الجديدة.

وفقا للتقرير، يُمثل هذا المقترح في الواقع جسرًا بين الوضع الراهن والهدف النهائي للولايات المتحدة المتمثل في الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم في إيران. ووفقًا لهذا المقترح، لن يُسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم بتركيزات منخفضة على أراضيها إلا في السنوات الأولى وحتى تشغيل منشأة التخصيب الجديدة، التي سيتم بناؤها بمشاركة دول عربية في المنطقة.

لكن طهران الأسبوع الماضي، أعربت عن استيائها من المقترح الأمريكي الذي تسلمته عبر سلطنة عمان، واصفةً إياه بأنه “مليء بالالتباسات” و”مبالغ فيه وغير معقول”، رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن المقترح لا يتضمن حتى رفع العقوبات الاقتصادية، وأنه لا يوجد منطق عقلاني يقبل اتفاقا مفروضًا دون رفع العقوبات، وهي نقطة محورية بالنسبة لإيران التي تعاني من وطأة العقوبات منذ سنوات.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة مع قناة روسيا اليوم: “لقد أظهرنا مرونة كافية للتفاوض بشأن برنامجنا النووي، ونحن على ثقة تامة بأنه يتوافق مع القانون الدولي، وأنه سلمي تماما، وفي الوقت نفسه، أعلنا استعدادنا لاتخاذ خطوات هامة فيما يتعلق بالسماح بمزيد من عمليات التفتيش، وفرض بعض القيود الزمنية التي تضمن بقاء برنامجنا النووي سلميا بالكامل”.

وأضاف: “النقطة الأساسية هي أنني أعتقد أنه إذا كانت نية الطرف الآخر ضمان عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية، فهذا أمر سهل التحقيق، أما إذا كانت نيتهم ​​حرمان إيران من حقوقها ومصالحها في الطاقة النووية السلمية، فأعتقد أن هذه نقطة خلاف تُشكل إشكاليات لعملية التفاوض، وفي إشارة إلى ضرورة رفع العقوبات غير القانونية المفروضة على إيران، قال بقائي: “النقطة الأخرى هي أن العقوبات التي فرضت بشكل غير قانوني على إيران، والتي نعتبرها كلها غير قانونية، يجب أن تتوقف بشكل فعال حتى نتمكن من إقامة علاقات مصرفية واقتصادية طبيعية مع أجزاء أخرى من العالم”.

الوكالة الدولية.. بين الإدانة والتحذير

في خضم هذه التطورات، تعقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية اجتماعات حاسمة هذا الأسبوع في فيينا لمناقشة أنشطة إيران النووية، من المتوقع أن يصدر عن هذه الاجتماعات قرار يدين إيران ويتهمها بعدم التعاون الكافي مع الوكالة.

هذا القرار، إن صدر، قد يُلقي بظلال ثقيلة على المفاوضات، إذ حذرت طهران من أنها قد تقلص تعاونها مع الوكالة إذا واجهت إدانة رسمية، هذا التصعيد المحتمل يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، حيث يبدو أن كل خطوة تقرب الطرفين من الاتفاق قد تكون مصحوبة بخطوة أخرى تدفعهما نحو الهاوية.

في المقابل أعلنت طهران احتجاجها رسميا على التقرير، واصفةً إياه بأنه “انحراف واضح عن مهمة الوكالة الفنية والمحايدة”، وفي مذكرة رسمية موجهة إلى الوكالة، نفت البعثة الدائمة لإيران في فيينا هذه المزاعم، مؤكدةً عدم وجود أنشطة نووية غير معلنة في إيران، وأن البرنامج النووي للبلاد شفاف تمامًا ويخضع لإشراف الوكالة.

هل ينجح الحوار في كسر الحلقة المفرغة؟

عقدت إيران والولايات المتحدة خمس جولات من المحادثات غير المباشرة بوساطة عُمانية في مسقط وروما. 

ومع اقتراب موعد الجولة السادسة، يبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن إيران والولايات المتحدة من تجاوز عقدة التخصيب وصيغة العقوبات للوصول إلى اتفاق جديد؟ أم أن التضارب في المواعيد والمواقف ليس سوى انعكاس لتباعد أعمق في الرؤى؟ في مسقط، حيث تتوسط عمان هذه المفاوضات بحيادها المعهود، يترقب العالم جولة قد تكون حاسمة، لكن في عالم الدبلوماسية، حيث الخطوات محسوبة والكلمات مدروسة، يبقى النجاح مرهونا بالقدرة على تحقيق توازن بين المصالح المتضاربة.