- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 11 Views
في خضم التصعيد الإقليمي المستمر، ومع دخول الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد سياسيا وأمنيا، تتجه إيران إلى إعادة ترتيب أدواتها السياسية والدبلوماسية بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية. فالتوتر القائم مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستمرار حالة وقف إطلاق النار الهش القابل للانفجار في أي لحظة، يدفعان طهران إلى تعزيز حضورها ضمن المحور الشرقي، والبحث عن صيغ أكثر عمقا لإدارة علاقاتها مع القوى الدولية الصاعدة. وفي هذا السياق، برزت التحركات الإيرانية الأخيرة باعتبارها مؤشرا على انتقال بعض الملفات الاستراتيجية من الإطار التقليدي إلى مستوى أكثر ارتباطا بالحسابات الجيوسياسية والأمنية المرتبطة بمستقبل المنطقة والنظام الدولي الجديد.
صلاحيات غير مسبوقة ورسائل سياسية متعددة
شكل تعيين محمد باقر قاليباف ممثلا خاصا للجمهورية الإيرانية في شؤون الصين تحولا لافتا في طريقة إدارة طهران لعلاقاتها مع بكين، ليس فقط بسبب الشخصية التي أسند إليها هذا الملف، وإنما أيضا بسبب طبيعة الظرف السياسي والإقليمي الذي جاء فيه هذا القرار، وحجم الصلاحيات التي يبدو أن النظام الإيراني قرر منحها لرئيس البرلمان الحالي. فالتعيين الذي أعلن عنه الأحد 17 مايو/ آيار 2026، والذي جاء باقتراح من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، عكس، وفق كثير من القراءات الإيرانية والصينية، توجها إيرانيا جديدا نحو رفع مستوى العلاقة مع الصين من إطار التعاون الاقتصادي التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ذات الطابع الأمني والجيوسياسي.

فيما جاء هذا التعيين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، في وقت تعاني فيه إيران من مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط حديث إيراني واسع عن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، وتحديدا فيما يتعلق بالعلاقات مع الشرق، وعلى رأسه الصين وروسيا. لذلك لم ينظر إلى تعيين قاليباف باعتباره إجراء بروتوكوليا أو إداريا عاديا، بل بوصفه خطوة تحمل رسائل داخلية وخارجية، تتصل بمستقبل التموضع الإيراني في النظام الدولي المتغير.
منذ الإعلان عن المنصب الجديد، ركزت وسائل الإعلام الإيرانية على نقطة أساسية تتمثل في أن قاليباف لا يشبه من سبقوه في إدارة الملف الصيني. فبحسب الروايات التي نقلتها وكالة تسنيم ومصادر سياسية مطلعة، فإن طبيعة تعيينه تختلف من حيث مستوى الصلاحيات والغطاء السياسي. ففي السابق كان، علي لاريجاني، أمين المحلس الأعلى للأمن القومي السابق، يتولى هذا الملف بوصفه ممثلا خاصا للمرشد الأعلى، بينما كان عبد الرضا رحماني فضلي ممثلا لرئيس الجمهورية في شؤون الصين، أما قاليباف فقد جرى تعيينه بترشيح من الرئيس وموافقة مباشرة من المرشد الأعلى، وهو ما منح منصبه طابعا مزدوجا يجمع بين الشرعية التنفيذية والسيادية في آن واحد.



هذا التفصيل لم يكن شكليا بالنسبة للمراقبين الإيرانيين، إذ اعتبر كثيرون أن الجمع بين دعم مؤسسة الرئاسة ومباركة المرشد الأعلى يعني عمليا منح قاليباف مساحة حركة أوسع من أسلافه، وتحويله إلى ما يشبه المنسق السيادي للعلاقة مع الصين، لا مجرد موفد دبلوماسي أو مسؤول تنفيذي. وقد عزز هذا الانطباع ما نقلته وسائل إعلام إيرانية عن أن رئيس البرلمان سيكون مسؤولا عن تنسيق مختلف قطاعات الدولة الإيرانية فيما يتعلق بالصين، بما يشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية.
وفي الداخل الإيراني، حمل التعيين أيضا أبعادا تتصل بإعادة توزيع مراكز النفوذ بعد الحرب الأخيرة، فقاليباف الذي قاد الفريق الإيراني في المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة بوساطة باكستان، ظهر خلال الأشهر الماضية بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي يعتمد عليها النظام الإيراني في الملفات الحساسة، خصوصا بعد مقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة، لذلك رأى مراقبون أن انتقاله من ملف التفاوض مع واشنطن إلى ملف العلاقة مع بكين لا يعني إبعاده عن الملفات الكبرى، بل على العكس يعكس توسيع دوره وتحويله إلى أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، اعتبرت بعض وسائل الإعلام الإيرانية أن إسناد الملف الصيني إلى شخصية مثل قاليباف يحمل رسالة مزدوجة، فمن جهة تريد طهران أن تقول للغرب إنها قادرة على إدارة التفاوض والمواجهة في الوقت نفسه، ومن جهة أخرى تسعى إلى طمأنة الصين بأن الطرف المسؤول عن إدارة العلاقات معها يتمتع بثقة أعلى مستويات النظام، وقادر على اتخاذ قرارات استراتيجية تتجاوز الحسابات البيروقراطية التقليدية.
كما أن طبيعة شخصية قاليباف نفسها لعبت دورا في تكريس هذا الانطباع، فالرجل الذي يمتلك خلفية عسكرية باعتباره أحد قادة الحرس الثوري خلال الحرب العراقية الإيرانية، وتولى لاحقا قيادة الشرطة الإيرانية ورئاسة بلدية طهران ثم رئاسة البرلمان، ينظر إليه داخل إيران باعتباره شخصية تنفيذية عملية وقادرة على إدارة الملفات المعقدة. كما أنه يعد من السياسيين القريبين من دوائر القرار العليا، ويحظى بعلاقة جيدة مع الرئيس بزشكيان، ما يجعله، وفق كثير من التحليلات، حلقة وصل مناسبة بين المؤسسات المختلفة داخل الدولة الإيرانية.

الصين في قلب الاستراتيجية الإيرانية الجديدة
لا يمكن فهم تعيين قاليباف بعيدا عن التحولات الكبرى التي تشهدها العلاقة بين طهران وبكين خلال السنوات الأخيرة، فالصين لم تعد بالنسبة لإيران مجرد شريك تجاري أو مشتر للنفط الإيراني، بل تحولت تدريجيا إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإيرانية لمواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية.
وخلال سنوات العقوبات، لعبت الصين دورا حيويا في إبقاء الاقتصاد الإيراني قادرا على التنفس، سواء عبر شراء النفط أو توفير السلع الأساسية والاستثمارات. كما أن اتفاقية التعاون الاستراتيجي الممتدة لـ 25 عاما بين البلدين منحت هذه العلاقة بعدا طويل المدى، يتجاوز الحسابات التجارية المباشرة إلى شراكة تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية، والنقل، والتكنولوجيا، والأمن.
وترى طهران أن الصين تمثل اليوم فرصة استراتيجية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، خصوصا مع تصاعد التنافس الأمريكي الصيني. لذلك لم يكن مستغربا أن تتحدث وسائل الإعلام الإيرانية عن عالم جديد يتشكل، وأن تستشهد بتصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ حول التحولات غير المسبوقة التي يشهدها العالم. وقد أعاد قاليباف نفسه نشر هذه الفكرة في رسالة باللغة الإنجليزية على منصة إكس، حين كتب أن العالم يقف على أعتاب نظام عالمي جديد، في إشارة فهمت على نطاق واسع باعتبارها تعبيرا عن انسجامه مع الرؤية الصينية للتحولات الدولية.

في المقابل، تبدو الصين أيضا معنية بتعميق علاقتها مع إيران لاعتبارات جيوسياسية واضحة. فإيران، بموقعها المطل على الخليج العربي وبحر عمان ومضيق هرمز، تمثل بالنسبة لبكين نقطة استراتيجية مهمة في مشروعها الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، وخاصة ما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق. كما أن الصين تنظر إلى طهران بوصفها شريكا قادرا على المساهمة في تأمين طرق الطاقة والتجارة في منطقة شديدة الحساسية.
وقد أشار سياسيون إيرانيون، بينهم أعضاء في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إلى أن احتياجات إيران والصين تكمل بعضها بعضا. فإيران تحتاج إلى الاستثمارات والأسواق والتكنولوجيا الصينية، بينما تحتاج بكين إلى الطاقة الإيرانية وإلى موطئ قدم استراتيجي في المنطقة. ولهذا السبب اعتبر كثير من المسؤولين الإيرانيين أن الصين أصبحت شريكا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لطهران.
كما تنظر إيران إلى الصين باعتبارها قوة دولية صاعدة قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي. وقد عكست التصريحات الإيرانية الأخيرة قناعة متزايدة بأن بكين تمتلك مقومات التحول إلى القوة الاقتصادية الأولى عالميا، وأن العالم يتجه تدريجيا نحو نظام متعدد الأقطاب، وهو ما يفسر الرهان الإيراني المتزايد على تطوير العلاقات مع الصين.
الحرب المعلقة… دور إقليمي أوسع لبكين وطهران
بالشأن نفسه، فإن التوقيت الذي جاء فيه تعيين قاليباف منح القرار بعدا إقليميا ودوليا إضافيا، فإيران لا تزال عمليا في حالة مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم وجود وقف إطلاق النار الحالي، غير أن هذا الهدوء يبقى هشا وقابلا للانهيار في أي لحظة، وسط مؤشرات متزايدة على احتمال عودة التصعيد العسكري مجددا، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية على طهران.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي واسعة، ما يدفع إيران إلى البحث عن شركاء دوليين قادرين على لعب أدوار تتجاوز الدعم الاقتصادي التقليدي. وفي هذا السياق، ترى طهران أن الصين يمكن أن تتحول إلى شريك سياسي واستراتيجي أكثر تأثيرا، يمتلك القدرة على التأثير في توازنات المنطقة ومسارات الصراع القائم.
وقد ركزت وسائل الإعلام الصينية التي تناولت تعيين قاليباف على هذه النقطة تحديدا، معتبرة أن اختيار رئيس البرلمان الإيراني لهذا المنصب يحمل رسالة واضحة بشأن رغبة طهران في رفع مستوى التنسيق مع بكين في ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، لتشمل ملفات الأمن الإقليمي وإدارة الأزمات والتحولات الدولية الجارية. كما تحدثت تقارير صينية عن أن قاليباف، بحكم موقعه السياسي وصلاته بمؤسسات الحكم المختلفة، سيكون قادرا على تسهيل أي خطوات تشريعية أو تنفيذية تتعلق بالعلاقة مع الصين، بما يسمح بتسريع تنفيذ الاتفاقات الاستراتيجية بين البلدين في مرحلة شديدة الحساسية.

وفي الوقت نفسه، رأت تحليلات إيرانية وصينية أن بكين قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى لاعب أكثر حضورا في ملفات الوساطة الإقليمية، خصوصا مع سعي العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى منع انهيار وقف إطلاق النار الحالي واحتواء احتمالات توسع الحرب. وبعد نجاح الصين سابقا في رعاية استئناف العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023، برزت مجددا تكهنات بشأن إمكانية أن تستفيد طهران من العلاقة الوثيقة مع بكين لتخفيف التوترات مع بعض دول الخليج، وللحصول على غطاء سياسي ودبلوماسي في أي مسارات تفاوضية أو ترتيبات أمنية محتملة خلال المرحلة المقبلة.
كما أن بعض التقارير لم تستبعد أن يلعب قاليباف دورا في تنسيق مشاورات سياسية مع الصين بشأن مستقبل المواجهة الإيرانية الأمريكية، خاصة أنه سبق أن ترأس الوفد الإيراني في المحادثات الأخيرة مع واشنطن، وفي ظل استمرار حالة الاشتباك غير المباشر بين الطرفين، واحتمال العودة إلى المواجهة العسكرية في أي وقت، يبدو أن الملف الصيني قد يتحول إلى إحدى البوابات الرئيسية التي تسعى طهران عبرها إلى إعادة صياغة جزء من سياستها الخارجية، سواء في إدارة التوازن مع الغرب أو في تعزيز تموضعها داخل المحور الشرقي.

في المجمل، يبدو أن تعيين محمد باقر قاليباف ممثلا خاصا لإيران في شؤون الصين يتجاوز كونه مجرد قرار إداري أو دبلوماسي، ليعكس توجها استراتيجيا إيرانيا أوسع نحو تعميق الارتباط بالمحور الشرقي، وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل النظام، والاستعداد لمرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، ترى طهران أن الصين ستكون أحد أبرز اللاعبين المؤثرين فيها، سواء على مستوى الاقتصاد أو الدبلوماسية أو إدارة التوازنات الأمنية في المنطقة.

