- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 533 Views
تشهد إيران مرحلة اقتصادية شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل السياسية والمالية والاجتماعية في مشهد تتسارع فيه التطورات وتتزايد فيه الضغوط. فالتضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع فجوة الثقة بين الحكومة والخبراء، وتفاقم البطالة بين الشباب، كلها عناصر تشكل لوحة أزمة متعددة الأبعاد. وبينما تتباين التفسيرات حول جذور الأزمة وسبل معالجتها، تكشف التقارير الصحافية الأخيرة عن ثلاث زوايا أساسية لفهم ما يجري، دعوات إصلاح العملة وانتقاد السياسات الحكومية، الخلاف البنيوي بين الرئيس والاقتصاديين، وأزمة الشباب الذين بات الملايين منهم خارج التعليم والعمل.
كيهان وإصلاح المسار النقدي… معركة الدفاع عن العملة الوطنية
ففي قراءة ناقدة وحادة، وضعت صحيفة كيهان الأصولية، في عددها الصادر اليوم السبت 21 فبراير/ شباط 2026، مسألة تراجع قيمة العملة الوطنية في صدارة النقاش الإقتصادي، معتبرة أن ما جرى لم يكن مجرد انعكاس طبيعي للضغوط الخارجية، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واقتصادية خاطئة، وأكدت الصحيفة أن انخفاض قيمة الريال بشكل غير منطقي أدى إلى تآكل سريع في القوة الشرائية، وأن استمرار هذا المسار يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء.

وخلال تقريرها، انتقدت كيهان قرار الحكومة الرابعة عشرة، حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلغاء سعر الصرف التفضيلي البالغ ٢٨٥٬٠٠٠ ريال للدولار والذي كان مخصصا لاستيراد السلع الأساسية، فرغم ان الحكومة كان بررت القرار بالحاجة إلى مكافحة الريع وتوحيد أسعار الصرف، إضافة إلى نقص الموارد الأجنبية، إلا أن الصحيفة ترى أن النتيجة جاءت عكس المعلن تماما، إذ لم تنخفض الأسعار، بل شهدت الأسواق موجة ارتفاعات حادة شملت معظم السلع، خصوصا المواد الغذائية.
وأشارت الصحيفة إلى أن معدلات التضخم بلغت مستويات قياسية، حيث تجاوز التضخم السنوي في بعض الفترات ٦٠٪، فيما اقترب تضخم المواد الغذائية من ٩٠٪، ما يعني أن الأسر ذات الدخل المحدود كانت الأكثر تضررا، وترى كيهان أن منح قسائم تموينية بقيمة 10 مليون ريال للفرد، أي ما يعادل بضع دولارات، لا يمكن أن يعوض الانخفاض الحاد في القدرة الشرائية، ولا يشكل سياسة مستدامة لمعالجة جذور المشكلة.
في الوقت نفسه، رأت الصحيفة أن استبدال السعر التفضيلي بسعر أعلى بلغ مليون و120 ألف ريال لم يؤد إلى تبسيط النظام النقدي، بل إلى تعقيده، حيث باتت السوق تعيش تعددا في أسعار الصرف بصورة أكبر من السابق، وتؤكد أن هذا التعدد يخلق بيئة خصبة للمضاربة والفساد ويضعف الثقة في السياسة النقدية.
وعلى صعيد الأسباب، لم تنف كيهان تأثير العقوبات الخارجية، مستشهدة بتصريحات لمسؤولين غربيين تحدثوا عن مساع لإضعاف الريال عبر تقليص تدفقات الدولار، لكنها شددت على أن التعويل المفرط على العامل الخارجي لا يعفي الحكومة من مسؤولية إصلاح الداخل، خصوصا ما يتعلق باستقلالية البنك المركزي ومنع الإفراط في خلق السيولة من قبل البنوك.
ومن بين المقترحات التي طرحتها الصحيفة، إعادة هيكلة آليات بيع النفط واستلام عائداته، وتقليل الاعتماد على الوسطاء الذين يتولون عمليات التحويل المالي مقابل عمولات مرتفعة، كما دعت إلى تعزيز استخدام أنظمة دفع بديلة مثل النظام الصيني CIPS، بما يقلل الاعتماد على الدولار والدرهم الإماراتي، ويمنح الاقتصاد هامشاً أوسع من الاستقلالية، وتخلص كيهان إلى أن تقوية العملة الوطنية ليست خيارا تقنيا فحسب، بل مسألة سيادية تتعلق بالأمن الاقتصادي، وترى أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على الريال، ويجعل الاقتصاد عرضة لصدمات متكررة يصعب احتواؤها مستقبلاً
بزشكيان والاقتصاديون… أزمة ثقة تتجاوز الخلافات التقنية
على الجانب الأخر، لم يعد الخلاف بين الرئيس الإيراني بزشكيان وعدد من الاقتصاديين المستقلين مجرد اختلاف في وجهات النظر حول سياسات محددة، بل تحول إلى ما يشبه فجوة مؤسسية عميقة بين منطق القرار السياسي ومنطق التحليل العلمي، فوفق ما أوردته صحيفة سازندجي، في عددها الصادر في اليوم نفسه بشأن الخلاف، فإن العلاقة بين الحكومة والاقتصاديين تتسم بقدر كبير من البرود والارتياب المتبادل، ما يحدّ من إمكانية الاستفادة من الخبرات المتخصصة في مرحلة دقيقة.

فقد كان بزشكيان قد عبر علنا من قبل عن استيائه من بعض الطروحات التي قدمها اقتصاديون، مشيرا إلى أنهم يوصون بإجراءات دون تقديم إجابات واضحة حول مصادر التمويل، غير أن اقتصاديين مستقلين اعتبروا أن هذا التصوير لا يعكس طبيعة مداخلاتهم، التي تركز عادة على ضبط العجز وتقليص الإنفاق غير المنتج، لا على توسيع المصروفات. هذا التباين في السرد يعكس اختلافا في زاوية النظر، فبينما ينظر السياسي إلى الضغوط الاجتماعية والبرلمانية التي تتطلب قرارات سريعة، ينظر الاقتصادي إلى القيود الهيكلية والآثار بعيدة المدى.
وتشير سازندجي إلى أن عددا من الأسماء البارزة في الحقل الاقتصادي لم يلتقوا بالرئيس أصلا، فيما أعرب آخرون عن ندمهم على حضور اجتماعات رسمية بعد أن نسبت إليهم مواقف لم يصرحوا بها، خصوصا في ملف إلغاء سعر الصرف التفضيلي. هذه التجارب عززت حالة الحذر لدى الخبراء، الذين باتوا يخشون أن تستخدم مشاركتهم لتبرير قرارات لم يكونوا شركاء حقيقيين في صياغتها.
من جهة أخرى، تبدو الحكومة وكأنها تبحث عن توصيات عملية سريعة النتائج، يمكن ترجمتها إلى قرارات ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة. غير أن طبيعة الاقتصاد الإيراني، المثقل بالعقوبات والعجز الهيكلي وتضخم السيولة، تجعل الحلول السريعة محفوفة بالمخاطر. فالكثير من توصيات الاقتصاديين تقوم على مبدأ الامتناع، الامتناع عن التوسع النقدي غير الممول، والامتناع عن تثبيت أسعار مصطنع، والامتناع عن تحميل البنك المركزي أعباء تمويل العجز. إلا أن هذه التوصيات، رغم وجاهتها من منظور اقتصادي، قد لا تلبي الحاجة السياسية إلى إظهار تحرك فوري.
وتحذر سازندجي أن خطورة هذا التباعد تكمن في أنه يضعف الثقة العامة في السياسات الاقتصادية، فعندما يشعر الرأي العام بأن هناك خلافا بين الخبراء والحكومة، تتعزز حالة عدم اليقين، ما ينعكس بدوره على سلوك المستثمرين والمستهلكين. وفي بيئة تعاني أصلا من توقعات تضخمية مرتفعة، يصبح عنصر الثقة عاملاً حاسما في استقرار السوق.
كما أن غياب آلية مؤسسية واضحة للحوار بين الحكومة والمجتمع الأكاديمي يفاقم المشكلة، فلا توجد منصة دائمة وشفافة تضمن عرض السياسات المقترحة للنقاش العام المنظم، ولا آلية لمساءلة علمية حول جدوى القرارات المتخذة. وبدلا من ذلك، يتحول النقاش إلى تبادل تصريحات متفرقة، ما يعمق الانطباع بوجود قطيعة بين السياسة والعلم.
١٢ مليون شاب خارج المعادلة… أزمة جيل بين البطالة وغلاء المعيشة
وإذا كانت الخلافات حول السياسات النقدية تمثل وجها من وجوه الأزمة، فإن انعكاساتها الاجتماعية تبدو أكثر حدة في حياة المواطنين، ولا سيما الشباب، فالأرقام الرسمية تشير إلى أن نسبة التشغيل بين السكان في سن العمل لا تتجاوز نحو ٣٧٪، ما يعني أن غالبية هذه الفئة إما خارج سوق العمل أو عاجزة عن إيجاد وظيفة مستقرة.
على أن الصورة تتضح بشكل أكثر إثارة للقلق في الفئة العمرية بين ١٨ و٣٥ عاما، فعدد الشباب في هذه الفئة يقارب ٢٣ مليونا، منهم نحو ١٤ مليونا خارج سوق العمل بالكامل. ومن بين الموجودين في السوق، هناك ما يقرب من ١٫٥ مليون عاطلين عن العمل. أما بطالة الشابات فتبلغ مستويات أعلى بكثير، لتصل إلى نحو ٢٨٪، ما يعكس فجوة جندرية واضحة في فرص العمل والمشاركة الاقتصادية.
الأكثر خطورة أن نحو ١٢ مليون شاب لا يعملون ولا يدرسون، أي أنهم خارج التعليم وخارج الإنتاج في آن واحد. هذه الفئة، المعروفة دوليا باسم NEE، تمثل تحديا هيكليا عميقا، فالشباب الذين يخرجون من التعليم دون أن يجدوا فرصة عمل يفقدون تدريجياً مهاراتهم وفرص اندماجهم في السوق، ما يزيد من احتمال تحول البطالة المؤقتة إلى بطالة دائمة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق الاقتصادي العام، فالتضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة جعلا تكاليف المعيشة ترتفع بصورة غير مسبوقة. إذ تلتهم نفقات السكن وحدها نحو نصف دخل الأسرة، فيما يذهب نحو ٢٠٪ من الدخل للغذاء. في مثل هذا الواقع، يجد الشباب أنفسهم أمام معادلة صعبة: حتى في حال الحصول على وظيفة، فإن الدخل قد لا يكفي لتغطية تكاليف الاستقلال المعيشي أو الزواج.
هذا الضغط الاقتصادي انعكس على قرارات الحياة الأساسية، فمعدلات الزواج شهدت تراجعا، ومتوسط سن الزواج ارتفع، فيما تزداد حالة عدم اليقين حول المستقبل المهني. وفي ظل غياب أفق واضح للنمو الاقتصادي القادر على خلق وظائف جديدة، يتزايد شعور الإحباط لدى شريحة واسعة من الشباب.

كما أن السياسات النقدية الهادفة إلى كبح التضخم، مثل تشديد السيولة أو رفع الفائدة، كان لها أثر جانبي يتمثل في تقليص الاستثمارات الجديدة، ما حد من قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل. ومع استمرار العقوبات وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الخارجية، يبقى النمو الاقتصادي ضعيفا وغير كاف لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وتتجاوز آثار هذه الأزمة الجانب الاقتصادي إلى البعد الاجتماعي. فارتفاع البطالة بين الشباب يرتبط عادة بزيادة معدلات الهجرة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتصاعد التوترات الاجتماعية، وفي مجتمع شاب نسبيا، يشكل استمرار هذا الوضع تحدياً للاستقرار على المدى المتوسط والبعيد.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية ليست مجرد مسألة سعر صرف أو معدل تضخم، بل شبكة مترابطة من التحديات النقدية والمؤسسية والاجتماعية. فالفجوة بين الحكومة والخبراء تعمق حالة عدم اليقين، وأزمة الشباب تعكس الكلفة الاجتماعية للاختلالات الاقتصادية. وبين هذين البعدين، يتحدد مسار الاقتصاد الإيراني في السنوات المقبلة، إما نحو إصلاح متدرج يعيد بناء الثقة ويعزز الاستقرار، أو نحو استمرار حلقة الركود التضخمي بكل ما تحمله من تداعيات.

