- زاد إيران - المحرر
- 317 Views
عند الانتقال من قراءة الأرقام القطاعية في موازنة 2026 إلى قراءة الخريطة الجغرافية للإنفاق، تتضح إحدى أكثر سمات هذه الموازنة حساسية وخطورة، وهي استمرار نموذج التنمية غير المتوازنة، حيث تعاد صياغة الأولويات ليس على أساس العدالة الإقليمية، بل وفق اعتبارات أمنية، وسياسية، وشؤون الطاقة، الأمر الذي يجعل من بعض المحافظات مناطق أولوية دائمة، بينما تبقى أخرى عالقة في الهامش، مهما تغيّر الخطاب الرسمي.
فتظهر بيانات منظمة التخطيط والموازنة أن التوزيع الإقليمي للاعتمادات في عام 2026 يشهد تفاوتا واسعا بين المحافظات، تفاوتا لا يمكن تفسيره بالمعايير السكانية وحده، فمحافظة خوزستان، على سبيل المثال، تستحوذ على 7.3% من إجمالي الاعتمادات الإقليمية، لتكون صاحبة الحصة الأكبر على مستوى البلاد، في المقابل، تحصل محافظتا قم وسمنان على 1.5% و1.3% فقط على التوالي، ما يضعهما في ذيل قائمة المستفيدين من الإنفاق الإقليمي.

هذا التفاوت لا يعد استثناء في السياسة المالية الإيرانية، بل هو امتداد لنمط مستقر منذ سنوات، فالمحافظات الحدودية، أو تلك التي تحتضن حقول النفط والغاز، أو التي تحمل ثقلا أمنيا أو رمزيا، تحظى دائما بحصة أعلى من الإنفاق، سواء في الموازنات الجارية أو في المشاريع العمرانية، وتبرر الدولة هذا الخيار بالحاجة إلى معالجة تكاليف خاصة، مثل تهالك البنية التحتية، أو آثار الحروب السابقة، أو التحديات البيئية والأمنية.
غير أن هذه التبريرات، رغم وجاهتها الجزئية، تخفي خلفها منطقا أعمق، يقوم على تركيز الاستثمار حيث ترى الدولة أن استقرارها الاستراتيجي مهدد، لا حيث تكون الفجوة التنموية أشد، فخوزستان، على سبيل المثال، تعد قلب الطاقة الإيرانية، ومركزا حساسا من حيث التركيبة السكانية والاحتجاجات الاجتماعية، ما يجعل ضخ الموارد فيها أولوية سياسية بقدر ما هو خيار تنموي.

في المقابل، تعاني محافظات أخرى، ذات اقتصاد خدمي أو زراعي محدود، من ضعف مزمن في الاستثمارات العامة، هذه المحافظات، رغم أنها أقل تكلفة أمنيا، تواجه مشكلات بنيوية في البطالة، وهجرة الشباب، وتراجع الخدمات، دون أن تجد انعكاسا حقيقيا لهذه التحديات في أرقام الموازنة.
أما على مستوى البنية التحتية الوطنية، فتظهر الموازنة تركيزا واضحا على مشاريع النقل والطاقة، لكن ضمن إطار مركزي صارم. فقد خصصت الحكومة ما يعادل 6 ملايين تريليون ريال للمشاريع العمرانية من الموازنة العامة، أي نحو 4.3 مليارات دولار، وهو رقم مماثل تقريبا للعام السابق من حيث القيمة الاسمية، غير أن الحكومة تعول على ما أسمته ابتكارات تمويلية لرفع هذا الرقم فعليا، من خلال تفعيل الأصول، وإعادة توجيه الإيرادات الخاصة.
أبرز هذه الابتكارات يتمثل في تخصيص ما يعادل مليون و300 ألف تريليون ريال، أي نحو 935 مليون دولار، من عائدات الأصول الحكومية، موزعة حسب الأجهزة، بهدف تمكينها من استكمال المشاريع نصف المنجزة، هذه السياسة تعكس اعترافا رسميا بفشل الدولة، خلال العقود الماضية، في إنهاء آلاف المشاريع العمرانية التي استنزفت الموارد دون أن تدخل حيز التشغيل.
غير أن هذه الآلية تثير إشكاليات جدية، فربط استكمال المشاريع بقدرة كل جهاز على بيع أو مقايضة أصوله، يعمق الفوارق بين الوزارات والمحافظات، فالوزارات المركزية، والمحافظات الغنية بالأراضي والعقارات، قادرة على تفعيل أصولها، في حين تبقى المحافظات الفقيرة، أو ذات الأصول غير القابلة للتسييل، عاجزة عن اللحاق بالركب.

وفي قطاع الطاقة، تعد موازنة 2026 امتدادا لسياسة ترى في الطاقة ليس فقط موردا اقتصاديا، بل أداة سيادة وأمن قومي، حيث أعلنت الحكومة تخصيص 2.1 مليار دولار من عائدات تصدير النفط مباشرة لمشاريع السكك الحديدية والممرات اللوجستية، في محاولة لربط الإنتاج بالطاقة التصديرية، وتعزيز موقع إيران في شبكات العبور الإقليمية.
كما أولت الموازنة اهتماما خاصا بمشاريع جمع الغازات المحترقة وتطوير الحقول النفطية والغازية، سواء عبر الموازنة العامة أو موازنات الشركات الحكومية، والهدف المعلن هو تحقيق أمن الطاقة ومنع انقطاع الغاز في الشتاء والكهرباء في الصيف، وهي أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر.

غير أن هذه الاستثمارات، رغم أهميتها الاستراتيجية، تدار بمنطق مركزي شديد، حيث تتركز المشاريع الكبرى في مناطق محددة، بينما تعاني مناطق أخرى من ضعف شبكات الكهرباء والمياه والطرق، ويؤدي هذا الخلل إلى إعادة إنتاج الفوارق الجغرافية، بدل تقليصها.
ويزداد هذا التناقض وضوحا عند النظر إلى مخصصات النقل العام والخدمات الحضرية، فالمشاريع الكبرى، مثل السكك الحديدية والموانئ، تحظى بأولوية واضحة، في حين تبقى مشكلات النقل داخل المدن الصغيرة، والطرق الريفية، والبنية التحتية المحلية، في مرتبة ثانوية، وهذا ما يفسر استمرار الفجوة بين العاصمة والمراكز الكبرى من جهة، وبقية البلاد من جهة أخرى.
أما فيما يخص العدالة الإقليمية، فتقر الحكومة ضمنيا بأن التوزيع الحالي لا يقوم على معيار السكان وحده، بل على الاحتياجات الخاصة، لكن هذا المفهوم الفضفاض يفتح الباب أمام اعتبارات سياسية غير معلنة، تتعلق بوزن المحافظة في معادلات الأمن والطاقة والنفوذ.
وتشير التجربة المتراكمة إلى أن هذا النموذج، رغم قدرته على منع الانفجارات في مناطق حساسة، فإنه ينتج توترات صامتة في مناطق أخرى، تشعر بأنها مستبعدة من خريطة الدولة، وهو شعور يغذي الهجرة الداخلية، ويفرغ المحافظات الطرفية من طاقاتها البشرية، ما يفاقم الاختلال التنموي على المدى الطويل.
في المحصلة، تكشف الموازنة أن إيران ما زالت دولة مركزية بامتياز، تدار فيها التنمية من الأعلى إلى الأسفل، وفق أولويات أمنية واستراتيجية، أكثر مما تدار وفق مقاربة شاملة للتوازن الإقليمي، فالبنية التحتية تبنى حيث ترى الدولة ضرورة سياسية، والطاقة تستثمر حيث تعد ورقة قوة، أما العدالة الجغرافية فتبقى هدفا مؤجلا، يستدعى في الخطاب، لكنه لا يتحقق في الأرقام.
هذا النمط قد يوفر للدولة قدرا من السيطرة والاستقرار في المدى القصير، لكنه يحمل في طياته مخاطر تراكمية، تتمثل في تعميق الفوارق بين المركز والأطراف، وتحويل التنمية إلى أداة إدارة سياسية، لا إلى مسار شامل يطال كل المواطنين.
قراءة شاملة لموازنة 2026 من الرابح، من الخاسر، وماذا تقول الأرقام عن مستقبل إيران؟
تكشف القراءة الشاملة لموازنة 2026 الإيرانية أنها ليست وثيقة مالية محايدة، بل تعبير واضح عن خيار سياسي في إدارة أزمة مركبة تعيشها الدولة، فالأرقام لا تعكس فقط كيفية توزيع الموارد، بل تروي سردية كاملة عن طبيعة النظام، وأولوياته، وأدوات بقائه، وحدود ما هو مستعد للتضحية به في علاقته مع المجتمع. إنها موازنة إدارة مخاطر أكثر منها موازنة نمو أو انتقال اقتصادي، حيث تسعى الدولة إلى تثبيت الاستقرار بأقل كلفة ممكنة على بنيتها الصلبة، حتى وإن جاء ذلك على حساب العقد الاجتماعي مع المواطن.
تظهر الأرقام الكلية هذا المنطق بوضوح. فإجمالي الموازنة البالغ نحو 103.8 مليارات دولار يتوزع بشكل غير متوازن بين موازنة عامة حكومية محدودة نسبيا، 42.8 مليار دولار، وموازنات ضخمة للشركات والبنوك والمؤسسات الحكومية، نحو 64 مليار دولار، هذا التوزيع يعكس اقتصادا لا يزال شديد المركزية، تعتمد فيه الدولة على دورها كمنتج وممول ومدير، لا كمنظم فقط، وهو ما يقيّد هامش المناورة في السياسات الاجتماعية والتنموية.
في هذا السياق، تبرز فئات رابحة بوضوح، في مقدمتها المنظومة العسكرية والأمنية، التي حافظت على موقعها كأولوية قصوى، مع إنفاق عسكري وأمني يقترب من 10 مليارات دولار، هذا الحجم لا يعكس فقط اعتبارات دفاعية، بل يعبر عن قناعة راسخة بأن الأمن، بمعناه الواسع، هو الضمانة الأساسية لبقاء الدولة في بيئة إقليمية ودولية ضاغطة.
الرابح الثاني هو المنظومة الأيديولوجية والإعلامية، حيث تستمر الدولة في ضخ موارد كبيرة في هيئة الإذاعة والتلفزيون والبرامج الثقافية والدينية، باعتبارها أدوات مركزية لضبط المجال الرمزي وتشكيل الوعي العام، حتى على حساب قطاعات اجتماعية حيوية، أما الرابح الثالث فهو الجهاز الإداري المركزي، الذي جرى تحصينه عبر الإبقاء على حجم الشركات الحكومية والاعتماد المتزايد على أدوات الدين، مثل السندات، التي بلغت نحو 6.76 مليارات دولار، ما يسمح بتمويل الدولة دون المساس بالإنفاق الاستراتيجي.
في المقابل، يظهر المواطن بوصفه الخاسر الأكبر، فعلى الرغم من الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية وتحسين المعيشة، تكشف الأرقام أن الإنفاق الاجتماعي الحقيقي يتراجع بفعل التضخم المرتفع، فالزيادات في الأجور لا تواكب ارتفاع الأسعار، والإعفاءات الضريبية تبقى محدودة الأثر. ويتجلى هذا الخلل بوضوح في قطاع الصحة، حيث يبدو الدعم المخصص للأمراض الخاصة ضئيلا للغاية مقارنة بحجم الحاجة، كما تستهلك الزيادات الاسمية لتعويض التضخم لا لتحسين الخدمات.
كما تخسر القطاعات المرتبطة بالاستثمار طويل الأمد في الإنسان، مثل التعليم والبحث العلمي، حيث تدار بعقلية الحد الأدنى لتفادي الانهيار، لا بعقلية بناء رأس مال بشري قادر على تغيير المسار الاقتصادي، ويضاف إلى ذلك الخلل في العدالة الإقليمية، مع استمرار تركيز الإنفاق والمشاريع الكبرى في مناطق ذات أهمية أمنية أو تتعلق بشئون الطاقة، ما يعمق الفجوة بين المركز والأطراف.
في المحصلة، تعكس الموازنة الإيرانية للعام القادم تحولا في فلسفة الحكم الاقتصادي، فالدولة لم تعد تعد بتحسين جذري في المعيشة، بل تطلب الصبر وتحميل المجتمع كلفة الاستقرار، إنها موازنة تختار الاستقرار المدار بدل التحول الشامل، وتحمي أدوات القوة قبل الاستثمار الواسع في الإنسان، هذا النموذج قد يمنع الانهيار على المدى القصير، لكنه يراكم مخاطر طويلة الأمد، ويبقي إيران على حبل مشدود بين الاستقرار الهش والانفجار المؤجل.

