- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 24 Views
كتب: الترجمان
لم تكن أصوات الانفجارات التي هزت أركان المدن الإيرانية مجرد دوي عابر ينتهي بأثر مادي على المباني، بل كانت إعلانا عن كارثة بيئية عابرة للحدود والجيل الحالي. فبينما كان العالم يحصي أعداد الضحايا وحجم الدمار في البنية التحتية، كانت الطبيعة الإيرانية تخوض حرباً خاسرة بمفردها.
من سماء طهران التي أمطرت “مطرا أسود” إلى مياه الخليج العربي التي تحولت لونه إلى الرمادي القاتم، تكشفت أبعاد جديدة للصراع المسلح، حيث تحول النظام البيئي من رئة تتنفس بها المنطقة إلى مخزن للسموم والكربون، وسط عجز دولي عن كبح جماح التجاوزات التي طالت محميات طبيعية وموائل بحرية نادرة، ليبقى السؤال الأهم: كيف سيواجه المستقبل فاتورة “الخسارة البيئية” التي لا يمكن تعويضها بالمال؟
صرخة المحميات.. 13 منطقة تحت مقصلة القصف
تعد المحميات الطبيعية في أي دولة إرثا بشريا مشتركا، إلا أن الحرب الأخيرة في إيران ضربت بهذا المفهوم عرض الحائط. ووفقا لشهادة الناشط البيئي محمد درويش، فإن 13 منطقة محمية تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة عمليات القصف الأمريكي-الإسرائيلي. هذه المناطق التي كانت تُعد ملاذا آمنا للتنوع البيولوجي، تحولت إلى ساحات تجارب للمواد المتفجرة والكيميائية.
وتوضح التقارير الواردة من منظمة حماية البيئة أن هذه الأضرار لم تقتصر على الغطاء النباتي، بل امتدت لتشمل البنية الإدارية والتعليمية للمنظمة، حيث تعرضت مراكز تعليمية في مناطق حساسة مثل محمية “كنو” في محافظة هرمزجان لتدمير وصلت نسبته إلى 70%.
هذا الاستهداف المباشر للمناطق المحمية يضع مستقبل التنوع الإحيائي في خطر محدق، خاصة وأن إعادة تأهيل هذه النظم تحتاج إلى عقود من الزمن وميزانيات تفوق قدرات المؤسسات المحلية في ظل ظروف الحرب.

المحيطات في خطر.. مياه الخليج وتسمم الموائل المرجانية
ينتقل مشهد الدمار من اليابسة إلى أعماق البحار، حيث يمثل الخليج العربي ومضيق هرمز وجزر مثل “هنكام” و”لارك” نقاطا ساخنة للتدهور البيئي الراهن. ويؤكد الخبراء أن الجزر المرجانية، التي تُعد من أثمن النظم الإيكولوجية في العالم، نالت نصيبا وافرا من التخريب.
إن غرق السفن التي كانت تحمل وقودا ومواد كيميائية ومتفجرات نتيجة العمليات العسكرية أدى إلى تسرب مواد ملوثة لا تزال آثارها غامضة لغياب تقارير الرصد الدقيقة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجمات التي استهدفت محطات تحلية المياه أدت إلى تدفق “المياه الرمادية” بكثافة نحو الخليج، مما يهدد الأحياء البحرية ويغير من كيميائية المياه بشكل قد يؤدي إلى هجرة واسعة للأسماك أو نفوق جماعي للشعاب المرجانية، وهو ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي وسبل عيش السكان المحليين في المناطق الساحلية الذين يعتمدون بشكل كلي على استدامة هذه الموارد البحرية.

انبعاثات قاتلة.. فاتورة الكربون وحرائق الوقود
خلف دخان الانفجارات تختبئ أرقام مفزعة تتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري، حيث تشير البيانات البحثية الصادرة عن مراكز علمية دولية مثل جامعة كوين ماري ولندن ولانكستر، إلى أن الأسبوعين الأولين فقط من الحرب شهدا انبعاث ما يقارب 5.6 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في أجواء إيران.
هذا الرقم الهائل يعادل الانبعاثات السنوية لدولة كاملة مثل أيسلندا، أو ما ينتجه 1.1 مليون سيارة بنزين في عام كامل. وتوضح التحليلات أن هذا “النبض الكربوني” لم يأتِ فقط من وقود الطائرات والمعدات العسكرية، بل كان الجزء الأكبر منه ناتجا عن تدمير المباني (2.4 مليون طن) وانفجار مخازن النفط (1.88 مليون طن).
إن استهداف منشآت الطاقة في طهران والبرز لم يلوث الهواء محليا فحسب، بل ساهم في رفع درجة حرارة الأرض بشكل مباشر، مما يجعل الحرب عاملاً معجلاً لأزمة المناخ العالمية التي يحاول العالم بأسره مواجهتها، ويضع مجهودات خفض الانبعاثات الدولية في مهب الريح.

الحياة البرية.. صدمات الصوت واختلال دورات التكاثر
بعيداً عن التلوث الكيميائي، تبرز “الضوضاء” كعدو خفي للحياة البرية خلال فترات النزاع. يشرح مدير عام حماية البيئة في محافظة أصفهان، داريوش كل علی زادة، كيف أن الانفجارات العالية تسببت في حالات “إجهاد سمعي” وتوتر حاد للحيوانات، خاصة وأن الحرب تزامنت مع مواسم التكاثر والولادة.
هذه الضوضاء التي تتجاوز قدرة تحمل الكائنات الحية (التي لا تتحمل أكثر من 60 ديسيبل) تسببت في هروب الحيوانات من مناطقها الآمنة وتعطيل غريزة التكاثر، مما يهدد بتناقص أعداد الأنواع النادرة في المستقبل القريب.
كما أشار المسؤولون إلى أن الغبار الكيميائي الناتج عن الانفجارات استقر على الغطاء النباتي، مما أثر على الحشرات الملقحة مثل النحل، وهو ما يهدد بانهيار كامل في السلسلة الغذائية داخل المحميات الطبيعية التي ظلت لسنوات بعيدة عن التدخل البشري، مما يعيد تشكيل خارطة التنوع الحيوي في المنطقة بشكل قسري.

المطر الأسود.. تلوث المياه والتربة في العاصمة
شهدت العاصمة طهران ظاهرة مناخية مرعبة عُرفت بـ “المطر الأسود” أو الأمطار الحمضية، وهي نتيجة مباشرة لانفجار مخازن النفط والوقود في شرق وجنوب المدينة. هذه الأمطار، التي سقطت عقب الانفجارات مباشرة، حملت معها ملايين الأطنان من ذرات الكربون والجسيمات الدقيقة (PM2.5) لتستقر في التربة ومصادر المياه السطحية.
ويبدي الخبراء قلقا بالغا من تسرب هذه الملوثات إلى خزانات السدود الحيوية مثل “ماملو” و”لتیان” و”أمیر كبیر”، حيث لم تصدر حتى الآن تقارير رسمية توضح مدى تضرر مياه الشرب أو جودة التربة الزراعية المحيطة بالعاصمة.
هذه الجسيمات الدقيقة لا تدمر البيئة فحسب، بل تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة مثل سرطان الدم لسكان المناطق المتضررة، مما يحول البيئة إلى ناقل للأمراض المزمنة التي ستستنزف النظام الصحي لسنوات طوال بعد توقف المدافع.
التداعيات الاجتماعية وآثار التلوث النفسي
لا تتوقف آثار الحرب البيئية عند حدود الطبيعة، بل تمتد لتصيب النسيج النفسي للمجتمع الإيراني. يشير الخبراء إلى ظهور ما يمكن تسميته “بالتلوث النفسي” المرتبط بالبيئة الحربية، حيث يعاني الكثير من المواطنين حاليا من صدمات نفسية تجعلهم يتوهمون وقوع هجمات بمجرد سماع رعد أو مرور مركبات ثقيلة.
هذا الارتباط الشرطي بين التدهور البيئي وبين الخوف الوجودي يحتاج إلى برامج علاجية مكثفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن فقدان المساحات الخضراء والمحميات التي كانت متنفساً للسكان يزيد من حدة العزلة والضغط النفسي.
إن الحرب دمرت “الأمان البيئي” الذي هو جزء لا يتجزأ من الصحة النفسية العامة، مما يجعل عملية الشفاء من آثار الحرب تتطلب إعادة بناء الثقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وهو أمر لا يقل أهمية عن إعادة بناء الجسور والمصانع.

المجتمع الدولي.. بيانات باهتة ومسؤولية غائبة
أمام هذا الحجم من الدمار، عبّرت رئيسة هیئة حماية البيئة، شینا انصاري، عن استيائها من ضعف رد الفعل الدولي. فرغم المكاتبات الرسمية الموجهة للأمين العام للأمم المتحدة وبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة (UNEP) قبل وأثناء الحرب، إلا أن النتائج اقتصرت على إصدار بيانات عامة تعبر عن القلق دون تحديد “المعتدي” أو وضع أطر إلزامية لوقف التدهور البيئي.
وتطالب طهران بضرورة معاملة الجرائم البيئية في الحروب بنفس مستوى الجدية الذي تُعامل به الجرائم ضد المواقع التاريخية المسجلة في اليونسكو. إن غياب المحاسبة الدولية للدول التي تنتهك حقوق البيئة تحت ذريعة العمليات العسكرية يشجع على تكرار هذه الكوارث، مما يجعل من الضروري وجود “بروتوكولات حرب” تحمي المناطق ذات التنوع البيولوجي الحساس (Hot Zones) باعتبارها ميراثا مشتركا للبشرية جمعاء، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة التي تحمي القوى الكبرى.

المسؤولية المؤسسية.. غياب الرقابة على الإشعاع
تثير قضية الرقابة البيئية تساؤلات حول صلاحيات الأجهزة المسؤولية في إيران؛ فبينما تمتلك منظمة حماية البيئة سلطة كاملة بموجب المادة 50 من الدستور لمراقبة التلوث، إلا أن هناك تقارير تشير إلى منعها من مراقبة الإشعاعات النووية الناتجة عن الهجمات المحتملة، وإسناد المهمة لمنظمة الطاقة الذرية.
هذا التشتت في الصلاحيات قد يؤدي إلى غياب الشفافية في عرض الحقائق البيئية أمام الرأي العام العالمي. إن استقلالية الرصد البيئي هي الضمانة الوحيدة لتوثيق الجرائم البيئية بشكل قانوني متقن، وهو ما تسعى إليه الحكومة حالياً عبر تدريب كوادرها في المحافظات المتضررة على “توثيق الخسائر” بمعايير دولية، لتقديم ملفات قانونية متكاملة أمام المحاكم الدولية للمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالهواء والتربة والمياه الإيرانية.
التعافي المستقبلي.. بين تحدي الترميم وفرصة الاستدامة
ختاما، يرى الخبراء أن عملية إعادة الإعمار بعد الحرب ستحمل في طياتها تحديا بيئيا جديدا، حيث تتطلب صناعة الإسمنت والصلب اللازمة للبناء كميات ضخمة من الطاقة وتنتج انبعاثات كربونية عالية تزيد من وطأة الاحتباس الحراري.
ومع ذلك، يقترح المسؤولون تحويل هذا التهديد إلى فرصة عبر اتباع معايير “التنمية المستدامة” في إعادة بناء المنشآت الصناعية، مثل معامل الفولاذ والبتروكيماويات، من خلال تحسين كفاءة استهلاك المياه والطاقة وتطبيق تقنيات “الإنتاج الأخضر”.
إن تعافي البيئة الإيرانية يحتاج إلى جهد مضاعف يتجاوز حدود الدولة، من خلال الاستعانة بخبراء دوليين مستقلين لتوثيق الأضرار وتقديم تقارير دقيقة للمحاكم الدولية، لضمان الحصول على تعويضات بيئية تساهم في إعادة الحياة إلى الغابات المحترقة والشعاب المرجانية المحطمة. فالحرب قد تنتهي بتوقيع معاهدة، لكن الطبيعة لا تبرم المعاهدات، بل تظل تئن بصمت حتى يتم إنصافها وإعادتها إلى توازنها المفقود.

