- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 24 Views
السفن في مضيق هرمز لا تنقل النفط فقط؛ بل تحمل توازنا دقيقا من القوة والقانون والمصالح العالمية، وفي نقطة حساسة كهذه، يمكن لأي قرار أن يُحدث موجة تتجاوز مياه الخليج العربي، والآن في طهران، قرر عدد من أعضاء البرلمان تغيير قواعد اللعبة في هرمز، عبر مشروع يهدف إلى تحويل هذا المضيق من ممر دولي إلى مسار خاضع لسيطرة كاملة لإيران؛ مشروع يحمل ادعاءات كبيرة، لكنه يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تنفيذه.
ويعد مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي عادي؛ إنه العمود الفقري لأمن الطاقة العالمي، وأي اضطراب في أمنه يؤثر مباشرة على حياة مليارات البشر في جميع أنحاء العالم، ويشهد هذا الممر الاستراتيجي، الذي يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي، مرور حوالي 21 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية يوميا، وهو ما يعادل حوالي 20 إلى 30% من إجمالي استهلاك النفط العالمي وأكثر من ثلث التجارة البحرية للنفط.
وتتمثل أهمية هذا الممر في كونه المسار الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال من أكبر منتجي العالم مثل قطر، ويلعب دورا مهما في تأمين الطاقة للمحطات الصناعية في أوروبا وآسيا.
وفي خضم الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أصبحت مسألة تقييد المرور في مضيق هرمز من قبل إيران نقطة محورية في الحرب، فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى دفع إيران للخلف باستخدام التهديدات والأدوات العسكرية، وفي الوقت نفسه، تؤكد على ضمان تدفق التجارة الحرة وحرية الملاحة، وتعتبر أي محاولة لإغلاق هذا المضيق انتهاكا للقانون الدولي، ومن جهة أخرى، تعتبر إيران، باعتبارها القوة الساحلية الكبرى، أن أمن هذا الممر المائي مرتبط بشكل مباشر بالأمن الوطني، والحياة الاقتصادية، والقدرة الردعية لها، فهل يمكن لإيران الحفاظ على سيطرتها الحالية على مضيق هرمز؟
بحسب تقرير “اقتصاد نيوز”، قامت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بدراسة عدة مقترحات، بإقرار نسخة مكونة من 12 مادة تحت عنوان “تثبيت سيادة إيران في مضيق هرمز” وإرسالها إلى هيئة رئاسة البرلمان، وتتضمن هذه الخطة مجموعة من الإجراءات، منها: تغيير كامل للنظام القانوني للمضيق، إلزام السفن بالمرور عبر المياه الإيرانية، فرض رسوم مقابل خدمات مثل الإرشاد وتأمين الحماية، فرض قيود على سفن بعض الدول، وحتى تحديد عملة غير الدولار للمعاملات.

خطة إيران لإدارة مضيق هرمز
تعتبر المياه الدولية شريان الحياة لتراكم رأس المال، وتبادل السلع، وتطوير الاقتصاد العالمي، والمحيطات والبحار المفتوحة، كونها فضاء مشتركا بين الدول، لا تسهم فقط في التجارة والتبادل الاقتصادي بين الدول، بل تمثل أيضا ساحة للتنافس والنزاع بين الدول، ومن منظور القانون الدولي، فإن المرور عبر المضائق الدولية المزدحمة يتبع النظام القانوني “لعبور العبور”، وهو قاعدة تضمن حق الملاحة السريعة والمستمرة دون عوائق لجميع السفن والغواصات، سواء كانت تجارية أو عسكرية، ولكن التعقيد القانوني في مضيق هرمز يكمن في أن عرضه في أضيق نقطة يجعل جميع المسارات البحرية الممكنة ضمن المياه الإقليمية لإيران وعمان (مسافة 12 ميلا من الساحل).
وفي ظل تباين التحليلات والتفسيرات بشأن وضع مضيق هرمز وخطة إيران لإدارة هذا الممر المائي الدولي المهم، قدّم أحد أعضاء هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، في 6 أبريل/ نيسان 2026، توضيحات حول آخر مستجدات دراسة مشروع “تطبيق الحقوق السيادية لإيران في مضيق هرمز”.
وبحسب نائب رئيس البرلمان الإيراني، حميد رضا حاجي، فقد تم تسجيل هذه المشاريع في نظام البرلمان، وفي حال إقرارها نهائيا، ستكون الحكومة ملزمة بتقديم خدمات الملاحة، والتفتيش، وتطبيق المعايير البيئية، إضافة إلى تحصيل رسوم بالريال الإيراني من السفن العابرة، كما صرّح عباس كودرزي، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، أن هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز أمن مضيق هرمز، ومن بين بنودها فرض رسوم بالعملة المحلية على السفن.
ويتضمن النص الأولي للمشروع 4 محاور رئيسية: أمن الملاحة، فرض رسوم على التلوث، تحصيل تكاليف النقل، وإنشاء صندوق لدعم التنمية والتقدم في إيران والمنطقة، وأوضح محمد رضا رضائي، رئيس لجنة الإعمار في البرلمان، أن المشروع لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يشمل أيضا أبعادا أمنية وسياسية وقانونية، معتبرا أنه يمثل نقطة تحول في النظام العالمي الجديد وأداة لترسيخ السيادة الوطنية.
وفي شرح آخر تطورات المشروع، قال علي رضا سليمي، عضو هيئة رئاسة البرلمان، إن 3 مشاريع بشأن إدارة مضيق هرمز أُحيلت إلى هيئة الرئاسة، والتي بدورها أحالتها إلى لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية كلجنة رئيسية، وإلى لجان الاقتصاد والإعمار والقانون كلجان فرعية لدراستها.
وبالتوازي، شدد نائب رئيس لجنة الإعمار على أن الرسوم المذكورة في المشروع تُفرض فقط مقابل الخدمات المقدمة، وليس على مجرد عبور السفن، وأوضح عباس صوفي، عضو البرلمان عن همدان، أن العمل على هذا المشروع بدأ منذ شهر مارس/ آذار 2026 عبر دراسات متخصصة، بمشاركة نحو 15 أستاذا في القانون الدولي و20 مركزا بحثيا، مشيرا إلى أن المشروع يتناول كيفية عبور سفن الدول المعادية من مضيق هرمز، ويشمل أبعادا متعددة مثل إدارة المضيق في زمن الحرب وبعدها، وتقديم الخدمات، وضمان الأمن، وآلية التعامل مع السفن التابعة لدول معادية.
وأكد نائب رئيس لجنة الإعمار أن من أهم أهداف المشروع تحويل مضيق هرمز إلى مركز للخدمات البحرية، بحيث تلعب إيران دورا أكثر فاعلية في تقديم خدمات الملاحة استنادا إلى موقعها الجيوسياسي، مضيفا أن المشروع يستند إلى قواعد القانون الدولي، خاصة اتفاقية عام 1958 المتعلقة بـ”المرور البريء للسفن”، والتي تسمح للدولة الساحلية بممارسة سيادتها إذا تسبب مرور السفن في ضرر أو تهديد.
ونوه صوفي إلى أن من أهداف المشروع أيضا تنظيم إدارة مضيق هرمز ضمن إطار قانوني واضح، مشيرا إلى أن المشروع صُمم في أربعة أبعاد: سياسية، أمنية، اقتصادية وقانونية، ومن بين أهدافه الاقتصادية تقليل الاعتماد على الدولار وتقديم حوافز للتجارة باستخدام عملات بديلة.
وأضاف أن من البنود المهمة أيضا فحص وثائق السفن العابرة، بحيث يمكن منع عبور السفن التي تستخدم تسميات غير رسمية للخليج العربي، مؤكدا أن تطبيق السيادة على الممرات البحرية أمر معمول به في العديد من القنوات الدولية استنادا إلى الاتفاقيات الدولية، لافتا إلى أن المشروع اجتاز مراحل الدراسة الفنية، ويمكن أن يسهم في تعزيز السيادة وتحسين إدارة هذا الممر الاستراتيجي بشكل أكثر فعالية.

من تغيير النظام القانوني إلى إلغاء الدولار
تناول كل من كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق في الأمم المتحدة، وعلي بيكدلي، الخبير في السياسة الخارجية والمحلل في العلاقات الدولية، في حوار صحفي مشروع البرلمان الجديد بشأن تثبيت سيادة إيران في مضيق هرمز.
ويرى علي بيكدلي، الخبير في السياسة الخارجية، أن هذا المشروع غير قابل للتنفيذ إطلاقا، مشيرا إلى الفروق الأساسية بين مضيق هرمز وممرات مثل قناة السويس، قائلا: “مضيق هرمز من المضائق التي تقع ضمن الحدود الإقليمية للدول، لكن وضعه يختلف عن حالات مثل قناة السويس”.
أما كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق في الأمم المتحدة، فيعتبر أن هذا المشروع خارج إطار القانون الدولي، ويرى أنه يحمل طابعا سياسيا أكثر، خاصة في ظل ظروف الحرب الحالية ووضع وقف إطلاق النار الهش، قائلا: “في هذه المرحلة، وبالنظر إلى محتوى هذا المشروع، يمكن تحليله في إطار الجدل والخطاب السياسي”.
وتابع: “إذا كان الهدف هو التوصل إلى تفاهم، فيجب طرح هذا الموضوع على المستوى العالمي، وإجراء مفاوضات واجتماعات واسعة، كما استغرق إعداد وإقرار اتفاقية عام 1982 نحو ست سنوات، لأن مثل هذا التغيير يؤثر على النظام القانوني الدولي للمضائق بأكمله”، مضيفا: “ومن جهة أخرى، حتى لو كان الهدف تقليل الاعتماد على الدولار، فإن فرض مثل هذا الشرط على السفن العابرة، دون دعم اقتصادي قوي أو اتفاقيات دولية، يبدو أقرب إلى شعار منه إلى سياسة عملية”.
وأشار كوروش أحمدي إلى أن ذلك يعد نوعا من الإشارات السياسية، أي رسالة إلى الأطراف الخارجية حول القدرات المحتملة لإيران، أو أداة لتعزيز الموقف الداخلي، وليس خطة قابلة للتنفيذ المستدام.
وتسلط خطة إيران لتثبيت سيادتها في مضيق هرمز، والتي تتضمن تغييرات قانونية جذرية وفرض رسوم على السفن العابرة، الضوء على الدور الاستراتيجي الحيوي لهذا الممر المائي في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، ورغم الطموحات الكبيرة التي تحملها الخطة، فإن تنفيذها يواجه تحديات قانونية ودولية جسيمة، حيث تتداخل السيادة الوطنية مع حقوق الملاحة العالمية، ورغم أن المشروع يهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز السيادة الإيرانية، إلا أنه سيتعين على إيران التوازن بين تعزيز قوتها في المنطقة وبين الالتزام بالقوانين الدولية التي تضمن حرية الملاحة في مضائق البحر.

