الخلافات داخل إيران في زمن الحرب… بين ضغوط البرلمان وتحديات الحكومة وتباين التيارات

في أوقات الأزمات الكبرى، تتبدى ملامح المشهد السياسي بصورة أكثر وضوحا، حيث تنكشف التباينات الكامنة بين مراكز القرار، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية في صياغة مسار المرحلة. وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه اللحظة محملة بتحديات متعددة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتشمل إدارة الشأن الداخلي، وتوازن العلاقة بين مؤسسات الحكم، وقدرة النظام على احتواء التباينات دون أن تتحول إلى تصدعات أعمق. ومع تصاعد وتيرة النقاشات السياسية والإعلامية، يبرز مشهد داخلي متحرك، تتنازع فيه رؤى مختلفة حول كيفية التعامل مع الواقع الراهن، وما يفرضه من خيارات معقدة تمس حاضر البلاد ومستقبلها.

جعفري آذر يهاجم أداء الحكومة… لا للاختباء خلف جدار الحرب

في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد تمر بها إيران، برزت الخلافات الداخلية إلى السطح خصوصا بين البرلمان والحكومة، في ظل تداعيات الحرب وما خلفته من ضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات علي جعفري آذر، نائب رئيس اللجنة الاجتماعية في البرلمان، لتكشف بوضوح حجم التوتر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولتعكس رؤية نقدية حادة لأداء الحكومة خلال هذه المرحلة الحساسة.

Image

جعفري آذر لم يكتف بتقديم ملاحظات عامة، بل أطلق انتقادات مباشرة وصريحة، تمحورت حول فكرة أساسية مفادها أن الاختباء خلف جدار الحرب غير مقبول، هذه العبارة تحولت إلى عنوان رئيسي لخطابه السياسي، حيث اعتبر أن بعض المسؤولين يستخدمون الظروف الاستثنائية كذريعة لتبرير القصور أو التهرب من المساءلة. وأكد أن الحرب، رغم خطورتها، لا تعفي الحكومة من مسؤولياتها، بل تفرض عليها مضاعفة الجهود وتحسين الأداء.

وفي تحليله للوضع الاقتصادي، ركز جعفري آذر على مسألة الأسعار والقدرة الشرائية، مشيرا إلى أن المشكلة لم تعد في توفر السلع، بل في إمكانية حصول المواطنين عليها. وقال بوضوح “إن وجود السلع بأسعار خيالية لا يختلف عن عدم وجودها”، في إشارة إلى أن السياسات الاقتصادية الحالية فشلت في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، ما أدى إلى تفاقم معاناة المواطنين.

كما انتقد بشدة ما وصفه باستخدام الحرب كدرع من قبل بعض المسؤولين، موضحا أن أي تساؤل يطرح عليهم يقابل برد جاهز، وهو أننا في حالة حرب، معتبرا أن هذا الخطاب لا يعكس فقط ضعفا في الإدارة، بل يساهم أيضا في تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، حيث يشعر المواطنون بأن مشكلاتهم لا تجد حلولا حقيقية.

Image

ولم يغفل جعفري آذر الإشارة إلى التجارب التاريخية، حيث قارن بين الوضع الحالي وفترة الحرب العراقية الإيرانية، مؤكدا أن تلك المرحلة شهدت رقابة أشد وإدارة أكثر فاعلية، وهو ما يفتقده الوضع الراهن. وأوضح أن الأزمات يجب أن تكون دافعا لتحسين الأداء، لا مبررا لتراجعه.

وفي جانب آخر، أثار قضية التعيينات الإدارية، مشيرا إلى وجود تعيينات غير مدروسة تمت خلال فترة الحرب على حد وصفه، مستغلة ضعف الرقابة. وحذر من أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى انتشار الفساد والمحسوبية، مؤكدا أن البرلمان لن يتهاون في هذا الملف، وأنه قد يلجأ إلى أدواته الرقابية، بما في ذلك الاستجوابات، إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

كما تطرق إلى الضغوط المعيشية، خاصة فيما يتعلق بزيادة أقساط التأمين، التي قال إنها ارتفعت بأكثر من 100% خلال فترة قصيرة، وهو ما يشكل عبئا كبيرا على المواطنين، خصوصا الطبقات المتوسطة والضعيفة. وأكد أن هذه الزيادات غير مبررة، وأن البرلمان سيتابعها مع الجهات المعنية.

Image

وفي ختام تصريحاته، وجه رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشعب الإيراني، رغم كل الصعوبات، يقف إلى جانب الدولة، لكنه يتوقع بالمقابل أداء مسؤولا وشفافا من المسؤولين. وحذر من أن أي تقصير أو محاولة للاختباء خلف ظروف الحرب سيؤدي إلى تآكل الثقة العامة، وهو ما قد تكون له تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي.

تصريحات جعفري آذر، في مجملها، تعكس تحولا في الخطاب البرلماني، حيث لم يعد النقد مقتصرا على قضايا جزئية، بل أصبح يشمل تقييما شاملا لأداء الحكومة، ويعكس أيضا تصاعد الضغط السياسي على السلطة التنفيذية في ظل ظروف معقدة تتطلب توافقا داخليا أكبر.

صراعات متعددة داخل إيران… من المفاوضات إلى الإنترنت وتباين التيارات

إذا كانت تصريحات جعفري آذر تمثل أحد أوجه الخلاف بين البرلمان والحكومة، فإن المشهد السياسي الإيراني الأوسع يكشف عن حالة من التشظي والتباين بين التيارات المختلفة، حيث تتقاطع عدة ملفات حساسة، أبرزها المفاوضات ووقف إطلاق النار، ودور الإعلام، والخلافات داخل مؤسسات الدولة، وملف الإنترنت، الذي تحول بدوره إلى ساحة صراع سياسي.

يأتي ملف المفاوضات في مقدمة هذه القضايا، حيث يشهد انقساما واضحا بين التيارات السياسية، ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن التفاوض يمثل أداة ضرورية لإدارة الأزمة وتخفيف الضغوط، يعتبره آخرون تنازلا أو حتى فخا استراتيجيا يهدف إلى إضعاف إيران. هذا التباين يعكس اختلافا عميقا في الرؤية الاستراتيجية، بين من يفضل الواقعية السياسية، ومن يتمسك بخطاب المواجهة.

هذا الانقسام تجلى بوضوح في السجال الإعلامي، خاصة في الانتقادات التي وجهتها صحيفة اطلاعات للتيار الأصولي، حيث اتهمته بإعادة إنتاج نفس السياسات التي أعقبت حرب الاثني عشر يوما، محذرة من محاولات إعادة طرح مشاريع تقييدية مثل مشروع الصيانة، مشروع لتنظيم الإنترنت وفرض قيود على استخدامه. الصحيفة استخدمت لغة حادة، داعية إلى عدم استغلال مرحلة ما بعد الحرب لفرض قيود جديدة على المجتمع، ومؤكدة أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات بدلا من حلها.

Image

في المقابل، يبرز تيار أصولي متشدد يرى أن أي انفتاح أو تفاوض قد يؤدي إلى إضعاف الموقف الإيراني، ويعتبر أن وقف إطلاق النار قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تستغلها الأطراف الأخرى لإعادة ترتيب صفوفها. هذا التيار يفضل الاستمرار في سياسة الضغط والمواجهة، ويشكك في جدوى المفاوضات.

Image

إلى جانب ذلك، يظهر الخلاف داخل مؤسسات الدولة نفسها، كما في التصريحات التي أدلى بها إحسان صالحي، عضو مجلس الإعلام الحكومي، والتي هاجم فيها النائب أمير حسين ثابتي. صالحي انتقد الخطاب الذي يروج لفكرة أن قرارات التفاوض أو وقف إطلاق النار تفرض على القيادة، معتبرا أن هذا النوع من التصريحات يضر بثقة المواطنين في النظام السياسي.

Image

وأكد أن تصوير الدولة وكأنها خاضعة لضغوط خارجية أو داخلية في اتخاذ قراراتها يمثل جفى بحق النظام، ويؤدي إلى إضعاف الثقة العامة. هذا السجال يعكس بوضوح حجم التوتر بين الحكومة وبعض التيارات داخل البرلمان، حيث يسعى كل طرف إلى فرض روايته للأحداث.

أما ملف الإنترنت، فقد أصبح واحدا من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث نقل على ‌أصغر شفيعیان أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، يؤيد بشكل كامل إعادة فتح الإنترنت العالمي، معتبرا أن قطع الإنترنت الدولي يمثل خطأ استراتيجيا. هذا الموقف يعكس تحولا داخل الحكومة نحو الانفتاح الرقمي، خاصة في ظل الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي تسبب بها الانقطاع الطويل.

Image

شفیعیان أشار إلى أن الوضع الحالي لا يمكن وصفه بأنه إنترنت حقيقي، بل هو شبكة داخلية محدودة، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يدفع البلاد نحو نموذج مغلق. كما انتقد فكرة أن بعض المنصات المحلية قد تستفيد من الحجب، معتبرا أن غياب المنافسة يمنعها من التطور ويضر بالمصلحة الوطنية.

في المقابل، لا يزال هناك تيار داخل النظام يدعم القيود على الإنترنت، إما لأسباب أمنية أو للحفاظ على السيطرة على تدفق المعلومات، وهو ما يعكس صراعا بين منطق الأمن ومنطق التنمية. كما أثار موضوع الإنترنت الطبقي جدلا واسعا، حيث يحصل بعض الفئات على خدمات أفضل، بينما يعاني عامة المواطنين من القيود، ما يعمق الشعور بعدم العدالة.

ولا يمكن فهم هذه الصراعات بمعزل عن السياق العام، حيث تعيش إيران مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها التحديات الداخلية والخارجية. فوقف إطلاق النار، الذي يفترض أن يكون فرصة لإعادة ترتيب الداخل، تحول إلى موضوع خلافي بحد ذاته، حيث يراه البعض فرصة للإصلاح، بينما يعتبره آخرون مجرد هدنة مؤقتة قد تستغلها الأطراف الأخرى.

كما أن هناك أصواتا متشددة تدعو إلى التصعيد، معتبرة أن أي تراجع سيؤدي إلى إضعاف إيران، في حين تدعو أصوات أخرى إلى الواقعية السياسية والتفاوض كوسيلة لتقليل الخسائر. هذا التباين يعكس غياب رؤية موحدة داخل النظام، ويطرح تساؤلات حول قدرة البلاد على إدارة المرحلة المقبلة.

في النهاية، يمكن القول إن إيران تعيش حالة من تعدد الروايات، حيث تتداخل المواقف السياسية والإعلامية، وتتقاطع المصالح والتوجهات. وبين ضغوط البرلمان، وتحديات الحكومة، وصراعات التيارات المختلفة، تبدو البلاد أمام مفترق طرق حاسم، حيث سيتحدد مستقبلها بناء على قدرتها على إدارة هذه الخلافات وتحويلها إلى مسار توافقي يخدم الاستقرار الداخلي والمصلحة الوطنية.

كلمات مفتاحية: