خطوط الأصوليين الحمراء… بين شروط التفاوض وسيناريوهات التصعيد المحتملة

في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، تتزايد أهمية المسار الدبلوماسي كأحد أبرز أدوات إدارة الأزمات بين القوى المتنازعة، خصوصا عندما تتداخل فيه اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية على مستويات متعددة. وبينما تتسارع التحركات خلف الكواليس وتكثف الاتصالات بين العواصم المعنية، يظل مستقبل هذا المسار مرهونا بجملة من العوامل المتشابكة، تتراوح بين حسابات الداخل وضغوط الخارج، وصولا إلى طبيعة التوازنات القائمة في المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز الجدل الداخلي في إيران كعنصر مؤثر في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة، حيث تتقاطع الرؤى بين تيارات مختلفة تسعى كل منها إلى فرض مقاربتها الخاصة، بما يعكس حجم الرهانات المطروحة وحساسية اللحظة السياسية الراهنة

شروط التيار الأصولي في إيران… مصادرها وحدودها في ضوء مفاوضات مرتقبة

في ظل مؤشرات متزايدة على إمكانية استئناف جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام القليلة المقبلة، تتجه الأنظار إلى مواقف التيار الأصولي داخل إيران، الذي يسعى إلى رسم حدود واضحة وصارمة لما يمكن قبوله أو رفضه على طاولة التفاوض. هذه الحدود، التي يشار إليها عادة بالخطوط الحمراء، لا تطرح بوصفها مجرد مواقف سياسية عابرة، بل كإطار ملزم لفريق التفاوض، يستمد من مرجعيات عليا داخل النظام السياسي الإيراني.

Image

المعطيات الواردة في التصريحات والتقارير المختلفة تشير إلى أن هذه الخطوط الحمراء لا تنبع، حسب زعم ممثلو التيار الأصولي، من اجتهادات فردية لنواب أو محللين محسوبين على التيار الأصولي، بل يؤكد هذا التيار أنها صادرة من مستويات عليا في النظام، وعلى رأسها المؤسسات السيادية مثل المجلس الأعلى للأمن القومي. ويذهب بعض النواب إلى التأكيد بأن فريق التفاوض والحكومة لا يملكان صلاحية تعديل هذه الخطوط، بل إن دورهما يقتصر على تنفيذها، فيما تتخذ القرارات الجوهرية في طهران وليس في مواقع التفاوض الخارجية مثل مسقط أو إسلام آباد.

Image

أحد أبرز هذه الشروط يتمثل في التمسك بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعد حجر الزاوية في الموقف التفاوضي الأصولي. فوفقا للتقارير والتصريحات، ترفض إيران بشكل قاطع أي مقترحات تتعلق بالتخلي عن التخصيب أو نقل مخزوناتها من اليورانيوم إلى الخارج. وينظر إلى هذا الملف باعتباره مسألة سيادية لا يمكن التنازل عنها، حتى في إطار تسويات مرحلية. وفي هذا السياق، يبرز تناقض واضح داخل التيار الأصولي نفسه، حيث يذهب بعض المتشددين إلى حد المطالبة بإخراج الملف النووي بالكامل من جدول المفاوضات، معتبرين أن استمرار التفاوض بشأنه لم يحقق أي مكاسب، بل جلب تهديدات وهجمات مباشرة على الأراضي الإيرانية.

Image

إلى جانب الملف النووي، يضع التيار الأصولي مجموعة من القضايا الأخرى التي يعتبرها أولويات في أي مفاوضات محتملة. من بين هذه القضايا مسألة التعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران جراء الهجمات العسكرية، وكذلك رفع العقوبات الاقتصادية وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. كما يبرز مطلب تثبيت سيادة إيران على مضيق هرمز، سواء من خلال الاعتراف الدولي أو عبر ترتيبات قانونية جديدة، وهو ما يعكس محاولة لتحويل أوراق القوة الجغرافية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية.

ولا تقتصر هذه الشروط على الجوانب الفنية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى الأبعاد الأمنية والاستراتيجية، فتشير التغطيات إلى طرح فكرة التزام متبادل بعدم القيام بأي عمل عسكري بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، إلى جانب إنشاء آلية لتعويض الأضرار في حال اندلاع نزاع. ومع ذلك، يظل هذا الطرح محل جدل حتى داخل الأوساط الأصولية، حيث يشكك البعض في جدوى أي التزامات أمريكية في ظل سجل طويل من «نقض العهود»، كما يصفونه.

Image

مصادر هذه الشروط تعود، بحسب الخطاب الأصولي، إلى مزيج من التوجيهات العليا والتجارب التاريخية. فهناك استناد واضح إلى مواقف سابقة لقيادة الثورة الإيرانية، التي حذرت مرارا من الثقة بالولايات المتحدة، إضافة إلى استدعاء تجارب العقود الماضية، حيث يقال إن واشنطن لم تلتزم بتعهداتها في أكثر من مناسبة. كما تلعب التطورات الميدانية الأخيرة دورا مهما في تعزيز هذه المواقف، خاصة في ظل الحديث عن هجمات عسكرية استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، وهو ما يستخدم كدليل على عدم جدوى الحوار مع واشنطن.

في هذا السياق، يلاحظ أن التيار الأصولي لا يرفض المفاوضات من حيث المبدأ بشكل مطلق، بل يسعى إلى تقييدها ضمن إطار محدد يخدم رؤيته. فبعض ممثليه يرون أن المفاوضات يمكن أن تستخدم كأداة لإثبات حسن نية إيران أمام الرأي العام الدولي، أو لكشف ما يعتبرونه «تعنتا أمريكيا»، لكنهم يشددون في الوقت نفسه على ضرورة عدم تقديم أي تنازلات تمس الثوابت. ومن هنا، يظهر التباين بين من يدعو إلى استمرار التفاوض بشروط صارمة، ومن يطالب بوقفه بالكامل، خاصة في الملف النووي.

كما أن اختيار الوسطاء، مثل باكستان، يعكس بدوره جزءا من هذه الاستراتيجية، حيث تسعى إيران إلى الاعتماد على أطراف تعتبرها موثوقة وتتمتع بعلاقات متوازنة مع الجانبين، وتشير التصريحات إلى أن قنوات الاتصال مع إسلام آباد لا تزال مفتوحة، وأن هناك تفاؤلا حذرا بإمكانية تحقيق تقدم في التحضيرات للمفاوضات، وهو ما يضفي طابعا ديناميكيا على المشهد رغم تشدد الخطاب الأصولي.

سيناريوهات التصعيد… من تهديدات الحرب إلى لغة الاغتيالات

في حال عدم التوصل إلى توافق بين الشروط الإيرانية ونظيرتها الأمريكية، تلوح في الأفق مجموعة من السيناريوهات التصعيدية التي تتراوح بين العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة، وتصاعد الخطاب العدائي إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك التهديدات بالاغتيال.

أحد أبرز هذه السيناريوهات يتمثل في إمكانية استئناف العمليات العسكرية، وهو ما يرتبط بتصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لوح بإمكانية توجيه ضربات واسعة للبنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك الجسور ومحطات الطاقة. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت في مرحلة سابقة، فإن هذا التهديد لا يزال قائما، خاصة في ظل غياب اتفاق شامل يعالج جذور الخلافات بين الطرفين.

Image

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن إيران قد ترد على أي تصعيد عسكري بشكل واسع، مستهدفة مصالح أمريكية أو حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق النزاع ليشمل دولا عدة في الخليج. هذا السيناريو يعكس طبيعة الصراع المركب، حيث لا يقتصر على المواجهة الثنائية، بل يمتد إلى شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية.

إلى جانب التهديدات العسكرية، برزت مؤخرا لغة أكثر حدة في الخطاب السياسي والإعلامي، تمثلت في الدعوات الصريحة إلى اغتيال معارضي الاتفاق داخل إيران. فقد أثارت تصريحات مارك تيسن، التي دعت إلى قتل المعارضين للاتفاق، جدلا واسعا، خاصة بعد إعادة نشرها من قبل ترامب. ورغم أن هذه التصريحات لا تعكس بالضرورة سياسة رسمية، فإنها تعكس مستوى التوتر والتصعيد في الخطاب، وتفتح الباب أمام مخاوف من انتقال الصراع إلى أشكال أكثر خطورة.

Image

هذه التهديدات تستخدم بدورها داخل إيران لتعزيز موقف التيار الأصولي، الذي يرى فيها دليلا إضافيا على عدائية الولايات المتحدة وعدم إمكانية الوثوق بها. فالدعوة إلى الاغتيال، حتى وإن جاءت في سياق إعلامي، تفسر على أنها مؤشر على استعداد الطرف الآخر لتجاوز كل الخطوط، وهو ما يبرر، من وجهة نظر هذا التيار، التشدد في المفاوضات أو حتى رفضها.

في الوقت نفسه، تطرح هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل المسار الدبلوماسي. فالتصعيد اللفظي والعسكري قد يقوض فرص التوصل إلى اتفاق، أو يدفع الأطراف إلى تبني مواقف أكثر تصلبا. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو استمرار المفاوضات رغم هذه التوترات، خاصة إذا ما اعتبرت وسيلة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

كما أن دور الوسطاء، مثل باكستان، قد يصبح أكثر أهمية في هذه المرحلة، حيث يمكن أن يسهم في تخفيف حدة التوتر وفتح قنوات للحوار. لكن نجاح هذه الجهود يظل مرهونا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، وهو أمر يبدو صعبا في ظل الخطوط الحمراء الصارمة التي يضعها التيار الأصولي، والتصعيد المستمر في الخطاب الأمريكي.

في المحصلة، يقف المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة عند مفترق طرق حاسم، حيث تتداخل الشروط الصارمة مع التهديدات المتبادلة، ما يجعل أي تقدم محتمل هشا وقابلا للانتكاس. وبينما يسعى التيار الأصولي إلى فرض رؤيته كإطار حاكم للمفاوضات، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، سواء في شكل مواجهة عسكرية أو في استمرار الحرب الكلامية التي قد تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.