- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 4 Views
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التحولات السياسية والأمنية، وتداخل مسارات التفاوض مع مؤشرات التصعيد العسكري، بما يعكس حجم التعقيد الذي بات يطبع المشهد الإقليمي والدولي. وفي وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية والرسائل المتبادلة بين القوى الفاعلة، تبدو المنطقة وكأنها تقف عند مفترق طرق قد يقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات القائمة منذ سنوات. وبين رهانات التهدئة واحتمالات المواجهة، تتسارع التطورات بصورة لافتة، وسط ترقب دولي واسع لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث في واحدة من أكثر الأزمات تأثيرا على الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي ومسارات الطاقة الدولية.
الرد الإيراني… مقاربة تفاوضية بشروط سياسية وأمنية جديدة
دخلت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة أكثر تعقيدا بعد أن سلمت طهران، الأحد 10 مايو/ آيار 2026، ردها الرسمي على المقترح الأمريكي المتعلق بإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي شامل، في وقت بدت فيه واشنطن غير مستعدة لتقبل الشروط الإيرانية التي تجاوزت الملف النووي نحو مقاربة أوسع ترتبط بالأمن الإقليمي، ورفع العقوبات، وضمانات إنهاء الحرب، وإعادة رسم قواعد التعامل في الخليج ومضيق هرمز. الرد الإيراني، الذي نقل عبر الوسيط الباكستاني، لم يكن مجرد جواب تقني على بنود تفاوضية، بل بدا أشبه بوثيقة سياسية، أمنية متكاملة تحاول من خلالها طهران تثبيت معادلات جديدة في المنطقة بعد أشهر من التصعيد العسكري والاشتباك المباشر وغير المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبحسب المعطيات التي كشفتها وسائل إعلام إيرانية ودولية، فإن الوثيقة الإيرانية تضمنت بنودا تتعلق بإنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع العقوبات الأمريكية بصورة كاملة، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري، فضلا عن الاعتراف بحق إيران في التخصيب النووي واستمرار برنامجها النووي السلمي. كما اقترحت طهران نموذجا جديدا لإدارة الملاحة في مضيق هرمز يقوم على ما سمته الإدارة الإيرانية للمضيق، بحيث تمر السفن التجارية ضمن ترتيبات أمنية وسياسية تضمن، وفق الرؤية الإيرانية، أمن الملاحة وإنهاء الضغوط العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وتشير التسريبات إلى أن الرد الإيراني بني على ثلاث مراحل أساسية، المرحلة الأولى تتعلق بإجراءات بناء الثقة، وتشمل إعلان إنهاء الحرب، ورفع الحصار البحري، وتحرير الأصول المجمدة، ومنح إعفاءات مرتبطة بالعقوبات النفطية. أما المرحلة الثانية فتقوم على مبدأ الخطوات المتبادلة، بحيث يقابل كل إجراء من أحد الطرفين خطوة مقابلة من الطرف الآخر. في حين ركزت المرحلة الثالثة على ضمانات الاتفاق، بما في ذلك تشكيل لجنة رقابة وصدور قرار من مجلس الأمن الدولي يمنع تكرار أي مواجهة عسكرية مستقبلية.

هذا الطرح الإيراني يعكس بوضوح، حسب خبراء، حجم انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، خصوصا بعد الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران خلال مراحل سابقة من التفاوض، وهو ما دفعها إلى المطالبة بضمانات دولية ملزمة تحول دون انهيار أي اتفاق جديد. كما تكشف الوثيقة الإيرانية عن محاولة واضحة للانتقال من موقع الدفاع إلى فرض شروط سياسية تتجاوز مجرد الملف النووي، عبر ربط أي اتفاق شامل بمستقبل التوازنات الإقليمية والحرب في لبنان وأمن الخليج.
في المقابل، لم تخف الإدارة الأمريكية انزعاجها من مضمون الرد الإيراني، فقد سارع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى وصف الرد بأنه غير مقبول إطلاقا، مؤكدا أنه لا يحب ما ورد فيه، كما شدد على أن ملف التفاوض مع إيران يقع بالكامل ضمن مسؤوليته الشخصية، في رسالة فهم منها مراقبون أنها تعكس رغبة ترامب في احتكار القرار السياسي وعدم السماح لأي طرف آخر، بما في ذلك إسرائيل، بتحديد مسار الأزمة بصورة كاملة.

غير أن الموقف الإيراني لم يتراجع أمام التصريحات الأمريكية، فقد رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على انتقادات ترامب بالقول إن المقترحات الإيرانية كانت سخية ومسؤولة، ليس فقط لحماية المصالح الإيرانية، بل لضمان أمن المنطقة والعالم. واعتبر أن المطالبة بإنهاء القرصنة البحرية ضد السفن الإيرانية، والإفراج عن الأموال الإيرانية، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، ليست مطالب متعجرفة أو مبالغا فيها، بل حقوق سيادية مشروعة.

نتنياهو والتصعيد المفتوح… محاولة لإفشال التفاهمات وإبقاء الحرب قائمة
هذا وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن وطهران إبقاء الباب مفتوحا أمام احتمالات التفاوض، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدفع نحو مسار تصعيدي أكثر حدة، يقوم على فكرة أن الحرب مع إيران لم تنته بعد، وأن أي تسوية لا تتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل ستكون خطرا استراتيجيا على إسرائيل.
فخلال مقابلة صحافية، رفع نتنياهو سقف تهديداته بصورة غير مسبوقة، معلنا أن الحرب لم تنته، وأن اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب يجب إخراجه من إيران، بل ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث صراحة عن إمكانية الدخول إلى إيران وإخراج اليورانيوم منها. هذه التصريحات لم تفهم فقط كجزء من الحرب النفسية، بل كإشارة واضحة إلى رغبة إسرائيل في إبقاء الخيار العسكري مطروحا حتى في ظل وجود مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن.

كما كرر نتنياهو مطالبته بتفكيك منشآت التخصيب الإيرانية بالكامل، معتبرا أن ما تحقق حتى الآن من ضربات ضد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية غير كاف، وأن هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به. وفي الوقت نفسه، حاول تصوير إيران باعتبارها خطرا عالميا لا يهدد إسرائيل وحدها، عبر الحديث عن علاقاتها مع الصين، واتهام بكين بتزويد طهران بمكونات مرتبطة ببرنامجها الصاروخي.
التصعيد الإسرائيلي لم يقتصر على الملف النووي، بل شمل أيضا رفضا واضحا لأي تفاهم يتضمن وقف إطلاق النار في لبنان، فقد أعلن نتنياهو أن إسرائيل لن توافق على وقف الحرب في لبنان كجزء من أي اتفاق أمريكي إيراني، في مؤشر على أن تل أبيب تخشى من أن يؤدي أي اتفاق شامل إلى تعزيز مكانة محور المقاومة في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، بدأت تتسرب معلومات عن ضغوط إسرائيلية متزايدة على واشنطن لإعادة خيار الحرب إلى الواجهة، فقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن رسائل مباشرة أرسلتها تل أبيب إلى الإدارة الأمريكية تحذر فيها من أن أي اتفاق مع إيران سيكون على حساب إسرائيل، كما كشفت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل رفعت حالة التأهب القصوى بعد التصعيد الأخير في مضيق هرمز، بالتزامن مع تكثيف الضغوط السياسية على واشنطن.

لكن اللافت في تصريحات نتنياهو الأخيرة لم يكن فقط مستوى التهديد، بل أيضا اعترافه غير المسبوق، حسب محللين، بفشل إسرائيل في الحرب الإعلامية، فقد أقر بأن إسرائيل تواجه حصارا إعلاميا ودعائيا عالميا، وأنها لم تنجح في التأثير على الرأي العام الغربي، خصوصا بين الشباب الأمريكي، في ظل تصاعد موجة الغضب من الحرب على غزة. وهذا الاعتراف يكشف حجم القلق الإسرائيلي من التحولات السياسية والإعلامية التي بدأت تؤثر حتى على صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة نفسها.
في المقابل، بدا ترامب حريصا على عدم منح نتنياهو تفويضا كاملا بالتصعيد، فيشير خبراء أنه وعلى الرغم من وصفه الرد الإيراني بأنه غير مقبول، لكنه لم يعلن إغلاق باب التفاوض، بل أكد أن الملف الإيراني يبقى ضمن إدارته الشخصية. كما أن بعض التقارير الأمريكية أشارت إلى أن ترامب ما زال يفضل خفض التصعيد وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، رغم استمرار الضغوط الإسرائيلية.
هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب يعكس اختلافا في الأولويات؛ فبينما تسعى إسرائيل إلى استثمار اللحظة الحالية لتوجيه ضربة حاسمة للمشروع النووي الإيراني، تبدو الولايات المتحدة أكثر حذرا من الدخول في حرب طويلة ومكلفة قد تهدد أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي، خصوصا مع استمرار التوتر في مضيق هرمز.
السيناريوهات المحتملة… بين الدبلوماسية الحذرة والانفجار العسكري
أمام هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها احتمالات التفاوض مع مخاطر الانفجار العسكري. فرفض ترامب للمقترح الإيراني لم يغلق باب الدبلوماسية نهائيا، لكنه في المقابل أعاد رفع منسوب التوتر وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، بعضها قد يقود إلى مواجهة إقليمية واسعة.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار المسار التفاوضي بصورة غير مباشرة، عبر الوسطاء، مع بقاء التصعيد الإعلامي والسياسي قائما. هذا السيناريو يستند إلى حقيقة أن الطرفين، رغم لهجتهما المتشددة، لا يبدوان راغبين فعليا في الانزلاق إلى حرب شاملة. فإيران تدرك حجم التحديات الاقتصادية والعسكرية التي قد تفرضها أي مواجهة مفتوحة، بينما تعرف واشنطن أن الحرب مع إيران لن تكون عملية عسكرية محدودة، بل صراعا إقليميا واسعا قد يمتد إلى الخليج والعراق ولبنان والبحر الأحمر.

وفي هذا السياق، برز الحديث عن دور صيني محتمل في المرحلة المقبلة، خصوصا مع زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين. بعض التقارير الغربية أشارت إلى أن واشنطن قد تسعى للحصول على دعم صيني للمساعدة في الضغط على إيران أو تسهيل الوصول إلى تسوية سياسية، في حين تحاول طهران استثمار علاقتها مع الصين كورقة توازن في مواجهة الضغوط الأمريكية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على زيادة الضغوط العسكرية دون الوصول إلى حرب شاملة، وتحدثت تقارير عن خطة أمريكية تعرف باسم الحرية بلس تتضمن توسيع الوجود العسكري حول مضيق هرمز وتشديد الحصار البحري على إيران. وقد يترافق ذلك مع عمليات أمنية محدودة أو ضربات دقيقة تستهدف منشآت أو مواقع إيرانية بهدف الضغط السياسي والنفسي.
لكن أخطر السيناريوهات يبقى احتمال توجيه ضربات مباشرة للبنية التحتية الإيرانية، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل. مثل هذا الخيار قد يشمل استهداف منشآت الطاقة أو المواقع العسكرية أو البنى المرتبطة بالبرنامج النووي. غير أن محللين يحذرون من أن أي هجوم بهذا الحجم قد يدفع إيران إلى رد واسع يشمل استهداف القواعد الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز وضرب المصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، ما يعني دخول الشرق الأوسط في حرب مفتوحة ذات تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية.

وفي ظل هذه الاحتمالات، تواصل إيران رفع مستوى استعدادها العسكري، بالتوازي مع استمرار الخطاب الدبلوماسي. فقد أعلنت القوات الإيرانية خلال الأيام الماضية إسقاط طائرة مسيرة معادية في جنوب غرب البلاد، في رسالة واضحة بأن طهران لا تفصل بين التفاوض والاستعداد العسكري.
كما أن الخطاب الإيراني الداخلي يركز بصورة متزايدة على فكرة الصمود ورفض التفاوض تحت الضغط. وبرزت في هذا الإطار تصريحات دبلوماسيين ومسؤولين إيرانيين أكدوا أن “تكلفة المقاومة أقل من تكلفة الاستسلام”، وأن إيران لن تتراجع عن مطالبها الأساسية مهما تصاعدت الضغوط.
في المقابل، تبدو واشنطن حريصة على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، دون اتخاذ قرار نهائي بالحرب أو التسوية. لذلك يتوقع مراقبون أن تدخل الأزمة خلال المرحلة المقبلة في حالة “ترقب حذر”، تستمر فيها الاتصالات غير المباشرة والوساطات، بالتزامن مع استخدام أدوات الضغط العسكري والسياسي.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بالملف النووي الإيراني، بل بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط كله. فالمواجهة الحالية تكشف صراعا أوسع حول النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، ومستقبل التحالفات الدولية، ودور القوى الكبرى في المنطقة. وبينما تحاول إيران تثبيت نفسها كقوة إقليمية قادرة على فرض شروطها، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع تحول هذا النفوذ إلى واقع دائم، وهو ما يجعل المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة قد تحمل تسوية تاريخية أو انفجارا غير مسبوق.

