- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 4 Views
في لحظات التحولات الكبرى والحروب الممتدة، لا تقاس قوة الدول فقط بحجم ترساناتها العسكرية أو قدرتها على الصمود الميداني، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على تماسك مركز القرار وإدارة الأزمات في أكثر الظروف تعقيدا. وفي خضم التصعيد الإقليمي والدولي المتسارع، برزت في إيران معادلة جديدة تجمع بين الأمن والسياسة والحرب والدبلوماسية، وسط محاولات داخلية وخارجية لفهم طبيعة القيادة التي تدير المشهد الإيراني في هذه المرحلة الحساسة. وبين الروايات الرسمية والتقارير الاستخباراتية والتسريبات الإعلامية، تتشكل صورة متكاملة عن كيفية إدارة طهران لمعركتها المفتوحة، وعن طبيعة التحولات التي تشهدها بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية.
لقاء قائد مقر خاتم الأنبياء… رسائل الداخل الإيراني وإعادة تثبيت مركز القيادة
هذا وقد شكل اللقاء الذي جمع قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، علي عبد اللهي، ومجتبى خامنئي، المرشد الإيراني، محطة سياسية وعسكرية مفصلية في سياق الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ليس فقط بسبب توقيته الحساس، بل أيضا بسبب الرسائل المتعددة التي حملها على المستويين الداخلي والخارجي. فوفق قراءة تحليلية، اختارت المؤسسة العسكرية الإيرانية أن تعلن بشكل واضح ومباشر أن مركز القرار السياسي والعسكري في البلاد لا يزال متماسكا، وأن القيادة العليا تدير المعركة بصورة مباشرة رغم كل ما أثير خلال الأسابيع الماضية عن تعرض مجتبى خامنئي لإصابات جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

البيان الصادر عقب اللقاء لم يكن بروتوكوليا بالمعنى التقليدي، بل بدا أشبه بإعلان تعبئة سياسية وعسكرية شاملة، حيث قدم قائد مقر خاتم الأنبياء، الذي يعد أعلى هيئة تنسيق عملياتي بين الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية، خلال اللقاء تقريرا تفصيليا عن جاهزية القوات المسلحة الإيرانية، بما يشمل الجيش النظامي والحرس الثوري وقوات الأمن وحرس الحدود ووزارة الدفاع وقوات التعبئة الشعبية. هذا الاستعراض الواسع للقوة العسكرية الإيرانية حمل دلالة واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية بكل تشكيلاتها تعمل تحت قيادة مركزية موحدة، وأن تلك القيادة يمثلها الآن مجتبى خامنئي بصورة مباشرة.

الأهمية الرمزية للقاء لا تنفصل عن طبيعة التوقيت. فإيران كانت تواجه خلال تلك المرحلة ضغوطا عسكرية واستخباراتية هائلة، وسط محاولات أمريكية وإسرائيلية لإظهار أن الضربات الجوية والصاروخية قد أضعفت منظومة القيادة والسيطرة داخل الجمهورية الإسلامية. غير أن الإعلان عن اللقاء جاء بمثابة رد عملي على هذه الرواية، خصوصا أن اللواء عبد اللهي شدد خلال حديثه على أن القوات الإيرانية تتمتع بجاهزية دفاعية وهجومية عالية، وأنها تمتلك الخطط الاستراتيجية والأسلحة الكفيلة بالرد على أي خطأ استراتيجي من قبل الأعداء الأمريكيين الصهاينة.
كما أن مضمون الرسائل التي نقلها عبد اللهي عن القوات المسلحة الإيرانية بدا شديد الوضوح من حيث الولاء السياسي والعقائدي للقيادة الجديدة. فقد أكد أن جميع مجاهدي الإسلام مستعدون للدفاع عن إيران وعن مبادئ الثورة الإسلامية حتى آخر نفس على حد قوله، في صياغة تستعيد الخطاب التعبوي الذي طبع مرحلة الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، وتعيد إنتاجه في سياق الحرب الحالية. هذا الخطاب لم يكن موجها فقط إلى الداخل الإيراني، بل إلى الخصوم الإقليميين والدوليين أيضا، من أجل إظهار أن الضغوط العسكرية لم تؤد إلى تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية.

في المقابل، فإن ما صدر عن مجتبى خامنئي خلال اللقاء يعكس طبيعة الدور الذي بات يمارسه داخل هرم السلطة، فبحسب الرواية الإيرانية الرسمية، لم يكتف خامنئي بالإشادة بالقوات المسلحة، بل أصدر توجيهات جديدة لمواصلة العمليات ومواجهة الأعداء بصورة قوية، هذا التعبير يكشف أن الرجل لا يؤدي دورا رمزيا أو دينيا فحسب، وإنما يشارك بشكل مباشر في إدارة المعركة وتحديد الخطوط الاستراتيجية للحرب.
وتتضح أهمية اللقاء أيضا إذا ما قورن بالتقارير الأمريكية التي تحدثت عن وجود خامنئي في قلب المعركة، حيث نقلت شبكة CNN الأمريكية عن مصادر استخباراتية أمريكية أن المرشد الإيراني الجديد يقود الحرب والمفاوضات في آن واحد، ويتواصل مع كبار المسؤولين بوسائل بدائية نسبيا، عبر اللقاءات المباشرة والرسائل الورقية، تجنبا لأي اختراق إلكتروني. هذه الصورة التي تقدمها التقارير الغربية تتقاطع بصورة لافتة مع المشهد الذي حاولت طهران إبرازه من خلال لقاء عبد اللهي، أي صورة القائد الذي يدير الدولة من خلف الستار، بعيدا عن الظهور الإعلامي المكثف، لكنه حاضر في قلب القرار العسكري والسياسي.

ومن زاوية أخرى، فإن اللقاء يعكس أيضا تطور موقع مجتبى خامنئي داخل بنية النظام الإيراني. فالرجل الذي كان ينظر إليه لسنوات طويلة باعتباره شخصية مؤثرة داخل الدائرة الضيقة المحيطة بوالده، بات اليوم يتصدر المشهد بوصفه القائد الذي ترفع إليه تقارير الحرب، والذي يصدر التوجيهات العسكرية العليا، والذي يعاد تشكيل الاصطفاف السياسي والعسكري حوله. ولهذا فإن اللقاء مع قائد مقر خاتم الأنبياء لم يكن مجرد اجتماع عسكري، بل إعلانا سياسيا عن انتقال مركز الثقل القيادي في الجمهورية الإسلامية إلى مرحلة جديدة.
القيادة من تحت الركام… كيف واصل مجتبى خامنئي إدارة الحرب رغم الإصابة؟
من أكثر الجوانب التي أثارت اهتمام الإعلام الإيراني والغربي خلال الأسابيع الأخيرة كانت مسألة إصابة آية الله مجتبى خامنئي خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع حساسة داخل إيران. فالروايات المتداولة حول نجاته، وحول طبيعة الإصابات التي تعرض لها، تحولت إلى جزء من السردية السياسية والإعلامية للحرب، خاصة مع إصرار المسؤولين الإيرانيين على تقديمه بوصفه قائدا يواصل إدارة البلاد والمعركة رغم الاستهداف المباشر.
الرواية الأكثر تفصيلا جاءت على لسان مظاهر حسيني، مسؤول اللقاءات في مكتب علي خامنئي، الذي تحدث عن تعرض المكان الذي كان مجتبى خامنئي يدرس فيه للقصف الكامل، مشيرا إلى أن الموقع “سوي بالأرض” لكنه لم يكن موجودا هناك لحظة الاستهداف. كما كشف أن منزل خامنئي تعرض بدوره لهجوم أدى إلى مقتل زوجته زهرا حداد عادل، إضافة إلى مقتل مصباح باقري كني، صهر علي خامنئي. هذه التفاصيل لم تكن مجرد معلومات أمنية، بل حملت بعدا دراميا وإنسانيا واضحا، سعت من خلاله الرواية الإيرانية إلى تقديم خامنئي بوصفه قائدا دفع ثمن الحرب شخصيا وعائليا.

أما عن إصابته، فقد تحدث حسيني عن سقوطه أثناء صعوده الدرج نتيجة موجة انفجار ناجمة عن هجوم صاروخي، ما أدى إلى إصابة ركبته وأسفل ظهره، مع وجود خدش خلف الأذن. ورغم أن المسؤول الإيراني أكد أن حالته الصحية باتت مستقرة، وأنه يتمتع بصحة كاملة، فإن أهمية هذه الرواية لا تكمن في الجانب الطبي بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية المصاحبة لها. فإيران أرادت أن تقول إن قائدها الجديد تعرض للاستهداف المباشر لكنه بقي حيا، وواصل إدارة الحرب دون أن يؤدي ذلك إلى شلل في منظومة القرار.
هذا المعنى ظهر أيضا في تصريحات محسن رضائي، القائد السابق في الحرس الثوري والسياسي الأصولي، الذي برر غياب خامنئي عن الظهور العلني أمام الجماهير بوجود خطة أمنية وحماية، موضحا أن إسرائيل تسعى لتنفيذ عمليات اغتيال داخل إيران. حديث رضائي حمل دلالات مهمة، لأنه وضع مسألة غياب خامنئي في إطار أمني وليس سياسيا أو صحيا، مؤكدا أن القيادة الإيرانية تتعامل مع احتمال الاستهداف المباشر باعتباره تهديدا جديا ومستمرا.

في الوقت نفسه، فإن التقارير الأمريكية عززت صورة القائد الذي يعمل من الظل، فقد ذكرت شبكة CNN أن خامنئي يتواصل مع كبار المسؤولين الإيرانيين عبر اللقاءات المباشرة والرسائل التي ينقلها الوسطاء، بعيدا عن الأجهزة الإلكترونية. هذه الطريقة في العمل تعكس مستوى القلق الأمني داخل القيادة الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته تعيد إنتاج صورة القيادة الثورية السرية التي تتجنب الاختراقات الاستخباراتية والتقنية.

اللافت أن هذه الصورة لم تستخدم فقط لتعزيز مكانة خامنئي داخل إيران، بل أيضا لإظهار فشل الرهانات الأمريكية والإسرائيلية على تفكيك القيادة الإيرانية عبر الاغتيالات والضربات الجوية. فتقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية نفسها، وفق ما نشرته وسائل إعلام إيرانية، أشارت إلى أن الهجمات الأمريكية لم تؤد إلى انهيار منظومة القيادة داخل الحرس الثوري، بل ساهمت في رفع الدافع العملياتي لدى القوات الإيرانية.
وبهذا تحولت إصابة مجتبى خامنئي ونجاته إلى عنصر تعبوي وسياسي في آن واحد. فمن جهة، قدم بوصفه قائدا مستهدفا لكنه صامد، ومن جهة أخرى استخدمت الرواية لتأكيد أن الحرب لم تنجح في كسر إرادة القيادة الإيرانية أو تعطيل قدرتها على إدارة الدولة والمعركة.
بين الحرب والمفاوضات… خامنئي الابن يرسم معادلة الصمود الإيراني
تكشف المعطيات المتراكمة من التصريحات الإيرانية والتقارير الغربية أن مجتبى خامنئي لا يدير الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فقط، بل بوصفها معركة مركبة تجمع بين الميدان العسكري والتفاوض السياسي. وهذه النقطة تحديدا تبدو جوهرية لفهم طبيعة الدور الذي يمارسه داخل النظام الإيراني في المرحلة الحالية.
فوفق التقارير المنسوبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فإن خامنئي أصدر تعليمات واضحة لفريق التفاوض الإيراني بعدم تقديم أي تنازل يتعلق بالقدرات الدفاعية الإيرانية، والتركيز حصريا على ملف مضيق هرمز. هذه التعليمات تكشف عن رؤية استراتيجية تقوم على الفصل بين الملفات القابلة للنقاش والملفات التي تعتبرها طهران جزءا من الأمن القومي غير القابل للتفاوض.

وفي السياق ذاته، تحدثت التقارير عن أوامر مباشرة أصدرها خامنئي للحفاظ على 70% من المخزون الصاروخي الإيراني و75% من منصات الإطلاق، بهدف منع استنزاف القدرات العسكرية خلال الحرب الطويلة. هذا القرار يحمل دلالات استراتيجية مهمة، لأنه يعكس إدراك القيادة الإيرانية لاحتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يفسر حرصها على إدارة الموارد العسكرية بحسابات دقيقة.
كما تشير التقارير الأمريكية إلى أن خامنئي يشرف بصورة مباشرة على تنسيق الهجمات الإقليمية، وأن القرارات النهائية المتعلقة بالعمليات العسكرية تصدر بعد موافقته الشخصية. وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تعني أن الرجل لا يدير فقط السياسة العليا للدولة، بل يتدخل أيضا في التفاصيل العملياتية للحرب، وهو ما يعزز صورته كقائد حرب فعلي.
في المقابل، فإن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول لقائه بخامنئي الابن قبلها بأيام أضافت بعدا مختلفا إلى صورة القيادة الإيرانية، فبزشكيان تحدث عن تواضع خامنئي وقدرته على خلق أجواء من الثقة والحوار المباشر. هذا الوصف بدا محاولة لتقديم صورة مزدوجة للرجل: قائد حازم في الحرب، لكنه في الوقت نفسه هادئ ومتزن في إدارة العلاقات الداخلية.

كما أن استحضار محسن رضائي لتجربة الحرب العراقية الإيرانية يحمل دلالة إضافية، فهو أكد أن إيران اليوم تستفيد من خبرة الثمانينيات، حين كانت القيادة السياسية والعسكرية تعمل وفق توزيع واضح للأدوار بين الدبلوماسية والميدان العسكري. ومن خلال هذا التشبيه، تحاول النخبة الإيرانية القول إن خامنئي يدير المعركة الحالية وفق نموذج “الحرب الطويلة” التي تتطلب توازنا دائما بين القوة العسكرية والمرونة السياسية.
وفي المجمل، فإن الصورة التي تتشكل تدريجيا حول مجتبى خامنئي هي صورة قائد يحاول ترسيخ شرعيته في لحظة حرب كبرى، مستفيدا من خطاب الصمود والمواجهة، ومن تماسك المؤسسة العسكرية، ومن رواية النجاة من الاستهداف التي تضيف بعدا رمزيا لشخصيته. ولهذا فإن لقاءه بقائد مقر خاتم الأنبياء لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل جزءا من عملية أوسع لإعادة تعريف القيادة الإيرانية في زمن الحرب، وإظهار أن مركز القرار في الجمهورية الإسلامية ما يزال قادرا على إدارة المعركة، مهما بلغت شدة الضغوط والهجمات.
