الصحف الإيرانية تتصدى للزناد الأوروبي.. تفعيل الآلية بين التحذير والاستعداد للرد

عاصفة من الإحباط تضرب العاصمة الإيرانية بعد بدء تفعيل أوروبا آلية العقوبات، فعلى الرغم من رؤية طهران لتلك العاصفة آتية في الأفق، فإن الواقع يصدمها بقوة، لترجع إلى الوراء بعد ما يقرب من العقد بعد الاتفاق النووي، رجوع جعل الجميع ينتقد، وفي مقدمتهم الصحف الأصولية، التي رأت وجوب الرد المباشر على خيانة الأقزام الأوروبيين، والخروج من معاهدة انتشار السلاح النووي، على الجانب الآخر، فهناك أصوات إصلاحية تقول، على استحياء، بوجوب الاستمرار في التفاوض، واستغلال فترة الثلاثين يوما لمحاولة كبح جماح العقوبات المنتظرة.

خيانة الأقزام

فتعليقا على ذلك، كتبت صحيفة جام جم في عددها الصادر السبت 30 أغسطس/آب 2025، تقول: “أرسلت الترويكا الأوروبية، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، رسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الخميس 28 أغسطس/آب 2025، طالبت فيها رسميا بتفعيل آلية الزناد وفق القرار 2231، بزعم أن إيران لم تلتزم بالاتفاق النووي، وتهدف هذه الآلية إلى إعادة فرض العقوبات السابقة لعام 2015، أيضا ربطت الترويكا هذه الخطوة بمنع انتهاء بعض بنود الاتفاق النووي في أكتوبر 2025، معتبرة إياها وسيلة للحفاظ على الضغط الدبلوماسي، واصفة الخطوة بأنها إجراء وقائي لمواصلة المفاوضات، رغم سجل أوروبا الطويل في خرق التعهدات، ما يقلل مصداقية هذه التبريرات”.

Image

وتتابع الصحيفة: “من جانبه ردت إيران ردت بسرعة وحزم على هذا التحرك العدائي. وزير الخارجية، سيد عباس عراقجي، وصف الخطوة بأنها (غير قانونية ولا أساس لها)، مشيرا إلى أن الأوروبيين فقدوا أي صلاحية قانونية لتفعيل الآلية بسبب انتهاكاتهم المتكررة للاتفاق. وحذر من أن أي عودة للعقوبات ستواجه بردود إيرانية تشمل تقليص الالتزامات النووية أو إعادة النظر في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كذلك رد البرلمان الإيراني حيث أعلن اقتراح الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) كإجراء مضاد قوي، والنواب أكدوا فشل المفاوضات مع الترويكا حتى الآن، مشيرين إلى الهجمات العدائية التي رافقتها، وأشاروا إلى سجل أوروبا منذ توقيع الاتفاق عام 2015، بما في ذلك إخفاق آلية إنستكس، آلية أوروبية مقترحة للالتفاف على العقوبات، التي لم تحقق التجارة الفعلية”.

وتحلل: “إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018 كشف عن عجز أوروبا، فبدلا من اتخاذ موقف حازم ضد هذا الانتهاك الجسيم، اكتفت الدول الأوروبية بإصدار بيانات إدانة دون خطوات عملية لحماية إيران من العقوبات الجديدة، وتشير المعطيات إلى أن هذا الموقف أحدث شرخا في الروابط عبر الأطلسي، لكن أوروبا عمليا، بسكوتها وعدم تحركها، ساعدت في إنجاح حملة الضغط الأقصى الأمريكية، فبعد الانسحاب الأمريكي، انسحبت شركات أوروبية كبرى مثل توتال وسيمنس من مشاريعها في إيران؛ خوفا من العقوبات، ما أضاع فرصا اقتصادية كان يفترض أن تعوض إيران عن تراجعها النووي، كما أن فرض عقوبات أوروبية جديدة ضد مؤسسات إيرانية بذريعة الصواريخ وحقوق الإنسان شكل انتهاكا مباشرا لالتزامات الاتفاق النووي بعدم اتخاذ إجراءات تضر بالمكاسب الاقتصادية لإيران”.

وتختتم بقولها: “ورغم الضجة المثارة في الرأي العام، فإن تأثير آلية الزناد على إيران يبالغ فيه، فإيران سبق في العام 2015 وتجاوزت العقوبات المتعددة الطبقات عبر الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتعزيز العلاقات مع حلفاء مثل روسيا والصين، وتطبيق استراتيجيات المقاومة. وتشير التقديرات إلى أن عودة عقوبات الأمم المتحدة لن تضيف ضغطا ملموسا فوق العقوبات الحالية الأمريكية والأوروبية، لأنها لا تشكل سوى جزء من منظومة العقوبات القائمة أصلا. الحقيقة أن قوة آلية الزناد تكمن في بعدها النفسي، إذ تهدف إلى إضعاف معنويات الشعب الإيراني ودفعه للقبول بشروط غربية غير عادلة في الملف النووي”.

تدمير الدبلوماسية ووجوب الخروج من NPT

بهذا الشأن، كتبت صحيفة كيهان الأصولية: “قامت أوروبا، وفي تحدٍّ صارخ ووقح، بتفعيل آلية الزناد لتوجيه الضربة الأخيرة للاتفاق النووي الإيراني، متجاهلة أن رد إيران سيكون واضحا ومباشرا وهو بالخروج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، هذا القرار يمثل صفعة قوية ستغير ليس فقط حسابات أمريكا وأوروبا، بل أيضا ميزان القوى الإقليمي بالكامل”.

Image

وتتابع: “مرت عشر سنوات على توقيع اتفاق كان يسمى إنجازا دبلوماسيا ومعجزة القرن، وكان الهدف منه رفع العقوبات وفتح آفاق اقتصادية وإضفاء الطابع الطبيعي على الملف النووي الإيراني، لكن وبعد عقد من الزمن، أصبح الاتفاق النووي جسدا بلا روح، وآلية الزناد هي الأداة الوحيدة المتبقية التي تُستخدم ضد إيران، فأوروبا، متجاهلة إخفاقاتها السابقة وصمتها أمام خروج الولايات المتحدة دون عقاب، أطلقت آخر صاروخ في إطار القرار 2231، محولة ما كان من المفترض أن يرفع العقوبات إلى أداة ضغط وتهديد ضد الشعب الإيراني”.

وتضيف: “منذ اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق، حاولت إيران الحفاظ على نافذة الدبلوماسية بالاعتماد على القانون الدولي وحسن النية، متراجعة جزئيا عن بعض الأنشطة النووية، وقبولها لعمليات تفتيش صارمة، وصابرة على خيبات الوعود المتكررة. إلا أن أوروبا لم تتخذ أي خطوة لإجبار أمريكا على العودة لالتزاماتها، وكانت آلية إنستكس مجرد واجهة بلا جدوى”.

وتردف: “في مايو/أيار 2019، حذر حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، الأطراف الباقية في الاتفاق من أن أي تفعيل لآلية الزناد سيقابل بخروج إيران من NPT، وهو ما أكدته الحكومة الحالية مرارا، موضحة أن هذه الخطوة هي الرد الحاسم على أي استغلال للغرب لهذه الآلية، إلا أن بعض التيارات الموالية للغرب والتي وصفت الاتفاق سابقا بالمعجزة الإلهية، تحاول اليوم تشويه الصورة وتحميل الحكومة السابقة مسؤولية الفشل، متجاهلين التاريخ الحقيقي للملف النووي الإيراني وإنجازات إيران في صادرات النفط حتى في ظل العقوبات، إن التهديد الحقيقي للغرب لا يأتي من العقوبات نفسها، بل من التأثير النفسي والترويج الإعلامي، بينما أظهر الشعب الإيراني مرونة وصمودا أمام الضغوط”.

وتختت بقول: “لقد التزمت إيران وطوال 55 عاما، لكنها لم تحقق أي فائدة، حيث استخدمت المعاهدة أداة ضغط للحد من قدرتها النووية، بينما لم تجبر القوى النووية على نزع أسلحتها أو منع إسرائيل من التسلح، إن استمرار إيران في NPT بعد كل هذه التجارب يمثل إهانة للشعب واستسلاما للهيمنة الغربية، والخروج يعني استعادة السيادة النووية وإرسال رسالة واضحة للغرب لا تنازل عن العزة والاستقلال. هذا القرار، الذي دعم بمشروع عاجل في البرلمان، يعكس استراتيجية إيران القائمة على الرد الفعال لا الانفعال، ويحد من حسابات العدو إلى خيارين، إما احترام استقلال إيران النووي وإما مواجهة إيران قوية وراسخة”.

آلية للعقوبات وللتفرقة في آن واحد

كذلك، كتبت صحيفة جوان الأصولية، لتقدم قراءة جديدة وتقول: “إن الولايات المتحدة وأوروبا لم تفاوضا إيران يوما بهدف رفع العقوبات، وهذه حقيقة تجاهلها كثير من السياسيين والنشطاء في إيران، لأن قبولها كان سينهي النزاع السياسي الداخلي الذي يحتاجه بعض الفاعلين للوصول إلى السلطة، إن القوة الحقيقية لإيران تكمن في تجاوز هذه الخلافات والاتحاد حول الحقائق، مثل إدراك أن الغرب يدير المفاوضات بمهارة ليشغلنا بالنزاع الداخلي ولن يرفع أي عقوبات”.

Image

وتتابع: “جاء خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وبقاء أوروبا وفق هذا الهدف القديم منذ البداية، أي زيادة العقوبات والضغط على إيران، فالولايات المتحدة، التي غالبا ما تصطحب أوروبا معها، لم تكن تصر على خروج أوروبا من الاتفاق لأنها أرادت الاحتفاظ بإمكانات استمرار العقوبات وزيادتها، بينما كان يجب أن تبقى أوروبا في الاتفاق لتتمكن من استخدام آليات داخله مثل آلية الزناد”.

وتضيف: “إذا تجاهل صانعو القرار الإيرانيون هذه الحقيقة، فهذا لا يقلل من أهميتها، لأن هؤلاء غالبا ما يقيمون كل قضية وفق مصالحهم الحزبية، الواقع أن الغالبية العظمى مما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي لا يذكر أن المشكلة الأساسية كانت من الولايات المتحدة وليس إيران، وهذه الحقيقة تمثل سببا رئيسيا للتأزم السياسي الداخلي، لقد رأى الغرب نفسه متفوقا على إيران، معتقدا أنه من خلال استمرار الضغط الاقتصادي يمكنه إضعاف أساسات القوة الإيرانية في المنطقة وإثارة عدم الرضا الداخلي لإحداث انهيار محتمل. لهذا السبب، ومنذ نحو عقدين، بدأ الغرب المفاوضات مع إيران مدفوعا برغبة الحفاظ على استمرار العقوبات حتى بعد توقيع برجام”.

وتردف: “في إيران، انقسم السياسيون حول الاتفاق النووي وآلية الزناد إلى جبهتين، الأولى ترى أن إيران نجحت في الحصول على الاتفاق بتدبيرها، وأن الطرف المقابل عمل على حرمانها منه، والجبهة الثانية تنتقد الاتفاق بالكامل لكنها لم تقدم أي بديل عملي، وفي حال ادعت أن البديل هو الاعتماد على الداخل والشعب، فإن هذا يعكس تناقضا في موقفها ويضعف حجتها، واليوم، أصبحت آلية الزناد أداة تفرقة حقيقية، حيث يعمل العديد من النشطاء وكتاب وسائل التواصل الاجتماعي في إيران، بتأثير من مرشديهم الفكريين، كذراع تنفيذية لأوروبا والولايات المتحدة في هذه اللعبة، ما يعكس نجاح الغرب في تحويل الاتفاق إلى أداة لإثارة النزاعات الداخلية في إيران”.

إيران مستعدة للتفاوض

على الجانب الآخر، كتبت صحيفة سازندجي الإصلاحية، معربة عن استعداد إيران لاستمرار التفاوض حتى تحت الظروف الحالية، فقالت: “انتقد عراقجي، وزير خارجية إيران، في رده على تفعيل آلية الزناد، الأطراف الأوروبية مؤكدا أن إيران ملتزمة بالدبلوماسية ومستعدة لاستئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي، وأكد مرة أخرى استعداد إيران لاستئناف المفاوضات الدبلوماسية العادلة والمتوازنة بشرط أن يظهر الطرف الآخر الجدية وحسن النية، وأن يتجنب الإجراءات المدمرة التي تقلل فرص نجاح المفاوضات”.

Image

وتتابع: “أشار عراقجي، في مقابلة مع صحيفة فايننشيال تايمز، إلى الضغوط الداخلية ضد المفاوضات، موضحا أن المشاعر المعادية لأمريكا والمفاوضات قوية جدا، وأن المواطنين ينقلون له رسائل بضرورة عدم إضاعة الوقت، وأضاف أن أي استعداد أمريكي للتفاوض غالبا ما يكون ستارا لأهداف أخرى، مشيرا إلى صعوبة إقناع الجميع بأن المفاوضات قد تؤدي إلى نتائج ملموسة، كما شدد على ضرورة أن توضح واشنطن سبب هجومها على إيران خلال المفاوضات السابقة وتقدم ضمانات بعدم تكرار ذلك، مطالبا بتعويض الخسائر الناجمة عن الإجراءات الأمريكية”.

وأشارت الصحيفة إلى ردود الفعل الخارجية، فذكرت: “رحب ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، بالخطوة الأوروبية مؤكدا استعداد واشنطن للتفاوض المباشر مع إيران لحل سلمي ومستدام للملف النووي، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة جميع الأطراف لمواصلة المفاوضات وتجنب التصعيد، واتهمت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، إيران بعدم الالتزام بالاتفاق ودعت إلى استغلال مدة الـ30 يوما لإيجاد حلول دبلوماسية، بينما اتهم وزير الخارجية الألماني، يوهان وادهفول، إيران بعدم الالتزام منذ 2019 وزيادة تخصيب اليورانيوم ومنع الرقابة الدولية، ووصف رافائيل غروسي، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، القرار الأوروبي بسياسي مؤكدا ضرورة الوصول لجميع المواقع، واعتبر الناطق الصيني جو جياكون الخطوة غير بناءة، فيما وصفت الخارجية الروسية الإجراء بغير قانوني ودعت أوروبا لمراجعة قراراتها ودعم خطة روسية صينية لتأجيل تنفيذ القرار 2231 ستة أشهر”.

وتختم الصحيفة بقولها: “في هذا السياق، تحتاج إيران إلى استراتيجية متعددة المستويات تحمي حقوقها الوطنية وتعزز شرعيتها الدولية، تشمل تنظيم الأنشطة النووية لتقليل الذرائع، وتسليط الضوء على خروقات أوروبا، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الصين وروسيا، وكذلك بناء سرد إعلامي لكشف ازدواجية الغرب في التعامل مع الملف النووي”.