العفو عن السجناء في إيران.. دعوات سياسية وحقوقية لإطلاق سراح المعتقلين

مسعود بزشكيان

مع تصاعد الدعوات إلى التهدئة الداخلية وتعزيز التماسك الوطني في إيران، طرحت من جديدٍ مسألة العفو عن السجناء، لا سيما السياسيين منهم، كأداة ممكنة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فيما تزامنت هذه الدعوات مع تداعيات الهجوم الإسرائيلي الأخير على سجن إيفين، والذي أسفر عن إصابات بين المدنيين وزوار السجناء، ما أثار موجة قلق واسعة في الأوساط الحقوقية والاجتماعية. في هذا السياق، برزت مطالبات من شخصيات دينية وسياسية بارزة دعت إلى إصدار عفو عام، معتبرةً أن هذه الخطوة قد تسهم في تخفيف الاحتقان وتعزيز حالة الوفاق الوطني في ظرف إقليمي دقيق.

دعوة الخميني إلى إصدار عفو عام

فخلال لقاء مع موقع جماران الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، دعا مسعود الخميني، رجل الدين المعروف، المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، إلى إصدار عفو عام عن السجناء، خاصةً السجناء السياسيين، وذلك في أعقاب الانتصار العسكري الذي أعلنته إيران بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة.

A person sitting in a chair

AI-generated content may be incorrect.

وقال الخميني: “إن 99% من الإيرانيين يقبلون بالحوار العقلاني، وقد آن الأوان لأن يظهر النظام عفوا عاما عن السجناء السياسيين”، وأضاف: “أنا، كطالب علم صغير، أناشد قائد الثورة أن يعلن العفو العام، لا سيما بعد النصر الذي تحقق”، مشيرا إلى أن “مثل هذا القرار سيكون له تأثير معنوي وسيظهر رحمة النظام واستجابته للحاجات الاجتماعية والسياسية”.

كما ذكر الخميني بتصريحات سابقة للمرشد الأعلى، الذي أشار إلى أهمية العفو في تعزيز الوحدة الوطنية، مؤكدا أن العديد من السجناء السياسيين بعثوا برسائل دعم للمقاومة ضد العدوان الإسرائيلي من داخل السجون، داعيا إلى أن يتم اغتنام اللحظة لتعزيز التماسك الداخلي من خلال خطوة رمزية كبرى تتمثل في العفو.

بيت الأحزاب يدعو بزشكيان للعفو العام

وعلى الصعيد الحزبي، وجه حسين كمالي، رئيس بيت الأحزاب في إيران، الخميس 3 يوليو/تموز 2025، رسالة إلى الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، يطالبه فيها برفع مقترح إلى قائد الثورة لإصدار عفو عام عن السجناء السياسيين.

 نامه رئیس خانه احزاب به پزشکیان: درخواست عفو عمومی برای زندانیان سیاسی

وفي رسالته، شكر كمالي الحكومة على جهودها في حفظ الأمن والاستقرار، وأدان الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، مؤكدا أن “تجاوز العدو على أرض الوطن أدى إلى تعزيز وحدة الشعب الإيراني، ما يحتم اتخاذ خطوات تعمق هذه الوحدة، وفي مقدمتها العفو عن المعتقلين السياسيين”.

وأشار كمالي إلى أن الظروف الحالية تستدعي النظر في العفو، استنادا إلى البند 11 من المادة 110 من الدستور الإيراني، التي تمنح المرشد الأعلى صلاحية إصدار عفو عام، كما دعا كمالي إلى اعتبار هذه الخطوة جزءا من الاستجابة للحاجات الاجتماعية والتهديدات الإقليمية، ومظهرا من مظاهر الديمقراطية في الجمهورية الإيرانية.

بين تصريحات السلطة القضائية وبطء الإجراءات

في سياق متصل، ألقى رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، الضوء على الصعوبات التي تعترض تنفيذ قرارات الإفراج أو العفو، رغم صدور توجيهات بهذا الشأن، خاصة بعد الهجمات التي طالت سجن إيفين، والذي كان يضم في وقت الهجوم عددا من الزوار المدنيين وأهالي السجناء.

۲۱ دستور ویژه «محسنی اژه‌ای» به مقامات قضایی پس از تجاوز اسرائیل

وأوضح إيجئي أن السلطة القضائية اتخذت خطوات للسماح بالإفراج المؤقت أو بالعفو عن السجناء الذين لا تشملهم أحكام القصاص، وقال: “بصفتي خادما من خدام هذا الشعب الثوري والعزيز، أطلب من جميع أصحاب الحق والمدعين الخاصين، الذين يسجن البعض بسبب شكاواهم، أن يتنازلوا، إن أمكن وبما يرونه مناسبا، عن شكاواهم، لإتاحة فرصة عودة هؤلاء السجناء إلى أحضان عائلاتهم في هذه الظروف الراهنة”.

وتابع: “لا شك في أن هؤلاء أصحاب الحقوق، من خلال هذا العمل، سيكسبون لأنفسهم أجرا وثوابا عظيمين، ويُدخلون الفرحة إلى قلوب أسر المسجونين. وبلا شك، فإن هؤلاء السجناء، بعد الإفراج عنهم، يجب أن يبذلوا أقصى جهد ممكن لتعويض ما فاتهم تجاه أصحاب الحقوق وسداد ديونهم”.

رغم تلك التصريحات، فقد أشار بعض الحقوقيين إلى أن النظام القضائي في إيران يعاني من بطء شديد بسبب تراكم القضايا وتعقيد الملفات في المحاكم، وهو ما يعوق تنفيذ أوامر رئيس السلطة القضائية بالسرعة المطلوبة، فخلال تقرير نشرته صحيفة آرمان امروز، قال أحد الحقوقيين، الذي فضل عدم ذكر اسمه: “أعتقد أن السيد إيجئي سبق أن أطلق نفس الدعوة إلى المدعين العام الماضي، لكن مدة الحرب لم تكن كافية كي يتخذ القضاة قرارات بالإفراج عن السجناء، إن إجراءاتنا القضائية، وبسبب تراكم آلاف الملفات في كل محكمة، تسير ببطء شديد، لدرجة أن القضاة يجدون صعوبة في إصدار قرارات سريعة بالإفراج أو منح الإجازات. لدينا حالات مرت سنة كاملة على تقديم طلب استئناف ولم يبت فيها بعد”.

A long shot of a hallway

AI-generated content may be incorrect.

ويعتقد هذا الحقوقي: “إن المدعين ليس لديهم معرفة كافية بثقافة الصلح والتسامح، وهذا يقيد يد السلطة القضائية في منح الإجازات أو الإفراج، ويجعل أبواب بعض السجون، مثل إيفين، مغلقة في فترة الحرب، مما يؤدي إلى مقتل عشرات السجناء، وأفراد أسرهم، والعاملين، والجنود المظلومين في الوطن”.

آليات العفو وتخفيف العقوبة في القانون الإيراني

ينص الدستور الإيراني، في البند الحادي عشر من المادة 110، على أن من صلاحيات القائد الأعلى إصدار العفو العام أو تخفيف العقوبات، بناء على اقتراح من رئيس السلطة القضائية. وفي هذا السياق، أقرت لائحة تنفيذية مفصلة تتضمن تشكيل لجان مركزية وإقليمية لتقييم الطلبات وفقا لضوابط صارمة.

A close up of a logo

AI-generated content may be incorrect.

تتكون اللجنة المركزية من خمسة قضاة ذوي خبرة، يعينون لمدة خمس سنوات، وتعقد اجتماعاتها بحضور ثلاثة أعضاء على الأقل، فيما تشكل اللجان الإقليمية من كبار مسؤولي القضاء في المحافظات، ويجوز لأي من رئيس العدلية، المدعي العام، القاضي المشرف على السجن، مدير السجن، أو المحكوم عليه وعائلته تقديم طلب العفو بموجب القانون.

تشمل المستندات المطلوبة لطلب العفو تفاصيل دقيقة عن هوية المحكوم، مدة العقوبة، سوابقه، الحالة الاجتماعية والأخلاقية، مدى تسوية حقوق المتضررين، إضافة إلى الحكم الصادر والمستندات القضائية، ويشترط في بعض الحالات مرور فترة زمنية من العقوبة حتى يُنظر في العفو، كأن يكون المحكوم بالإعدام قد حُوّلت عقوبته إلى السجن المؤبد وقضى عشر سنوات منه.

على أن هناك جرائم تستثنى من العفو، كالقصاص، والتجسس، والإرهاب، والاغتصاب، وتهريب السلاح، والاختلاس، حيث تعد لجنة العفو غير مخولة بالنظر في هذه القضايا إلا بموافقة خاصة من رئيس السلطة القضائية.

ومن المناسبات التي يُعلن فيها العفو الجماعي المناسبات الدينية والوطنية مثل عيد الفطر، عيد الأضحى، ذكرى مولد النبي وذكرى مولد الأمام علي، وذكرى الثورة، كما يجوز إصدار العفو في حالات استثنائية بموافقة المرشد الأعلى.

إن تصاعد الدعوات لإصدار عفو عام في إيران يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في السياسة القضائية تجاه السجناء، وخاصة السياسيين منهم. وبين الدعوات والتصريحات من مختلف التيارات، تبدو الأرضية القانونية والاجتماعية مهيأة لاتخاذ خطوة بهذا الحجم، غير أن العقبات البيروقراطية، ونقص ثقافة التسامح المدني، ما زالت تعرقل تنفيذ هذه المطالب. ومع استمرار النقاش العام والضغوط السياسية، يظل قرار العفو الشامل مرهونا بإرادة القيادة العليا وتوازناتها الاستراتيجية والاجتماعية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد.