الفصل المكاني للمهاجرين الأفغان في المدن الكبرى بإيران

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأحد 7 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن نور الدين فراش، الباحث والأستاذ الجامعي في علم السكان، تناول في جلسة علمية متخصصة ضمن مركز دراسات إيران التابع لمعهد صدر موضوع (الفصل المكاني للمهاجرين الأفغان في المدن الكبرى المختارة في إيران) ضمن محور الهجرة وسياسات استقبال المهاجرين في إيران. 

وأضافت الصحيفة أن فراش قدّم تقريرا حول توزيع المواطنين الأفغان في إيران، وخصائصهم السكانية والاجتماعية، وأنماط سكنهم، مشيرا إلى أن الفصل المكاني للمهاجرين الأفغان في المدن الكبرى الإيرانية هو نتيجة مركبة من عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى القيود القانونية.

وتابعت أنه خلال نصف القرن الأخير، أصبحت الهجرة الدولية موضوعا محوريا في الدراسات العالمية نظرا لتزايد حجمها وتأثيراتها العميقة على البنى السكانية والاجتماعية والمكانية للمجتمعات، وقد أشار باحثون مثل كليمن عام (2006) تحت عنوان الانتقال الديمغرافي الثالث إلى دور الهجرة في تغيير البنية السكانية للدول وخلق تحديات اجتماعية-مكانية. 

وأردفت أنه في إيران، خاصة في المدن الكبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان وقم، أدت كثافة المهاجرين الأفغان إلى تشكيل أنماط من الفصل المكاني، وتركز الدراسة الحالية على دراسة أبعاد وأنماط وعوامل تحديد الفصل المكاني للمهاجرين الأفغان في هذه المدن الكبرى، وتحليل تداعياته على التماسك الاجتماعي والتنمية الحضرية المستدامة.


أهمية الموضوع، عولمة الهجرة

أوضحت الصحيفة أن الهجرة الدولية أصبحت منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين محور اهتمام عالمي بسبب ديناميتها واتساعها والتحديات المرتبطة بها، وغالبا ما يأتي المهاجرون من دول تختلف ثقافيا ودينيا واقتصاديا عن المجتمعات المضيفة، وبسبب الفروقات اللغوية والمظهرية والثقافية، يتركزون في الوظائف منخفضة الدخل والمناطق الحضرية المهمشة. 

وأكَّدت أن هذا التركيز يؤدي إلى الفصل المكاني، وتحول أحياء المهاجرين إلى فضاءات لإعادة إنتاج ثقافات وأنماط حياة خاصة.

وضع المهاجرين في إيران

أفادت الصحيفة بأنه خلال أربعة عقود، كانت إيران واحدة من الوجهات الرئيسية للمهاجرين القسريين من أفغانستان، ووفقا لتعداد السكان لعام 2016، كان هناك نحو 1.65 مليون أجنبي (95.7% منهم أفغان) في إيران، وزاد هذا العدد إلى نحو 5 ملايين بعد عودة طالبان في عام 2023 (المنظمة الوطنية للهجرة، 2023). 

وأبلغت أن هؤلاء المهاجرين يتركزون بشكل أساسي في محافظات طهران (31.7%)، وخراسان رضوي (14.1%)، وأصفهان (11.3%) وقم (7.3%)، وقد دفعت القيود القانونية والاجتماعية والاقتصادية المهاجرين إلى العمل في وظائف منخفضة الدخل والإقامة في مناطق محرومة، مما ساهم في تعزيز الفصل المكاني.

نتائج الفصل المكاني

ذكرت الصحيفة أن الفصل المكاني يؤدي إلى تركيز المهاجرين في أحياء معينة، وتقليل الاندماج الاجتماعي، وزيادة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وهذه الظاهرة تغير البنية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية للمدن، وتؤدي إلى ظهور أحياء مغلقة (غيتوهات) وتفاقم الفجوات الاجتماعية، ودراسة هذه الأنماط ضرورية لفهم تحديات وفرص التعايش الثقافي وتحسين أوضاع المجتمع المضيف.

منهجية البحث

أوردت الصحيفة أن تنفيذ البحث تم بأسلوب مختلط (كمّي ونوعي) وبطريقة متسلسلة-تفسيرية:

  • البعد الكمّي: تحليل بيانات التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2016 باستخدام مؤشرات مكانية مثل LISA (الارتباط المكاني المحلي)، وإحصاءات غيتيس البقع الساخنة والباردة، ومؤشر الفصل الثنائي لدراسة التوزيع المكاني وأنماط الفصل المكاني.
  • البعد النوعي: إجراء مقابلات شبه منظمة مع 20 مهاجرا أفغانيا بشكل هادف؛ لفهم معنى الفصل المكاني وأسبابه، حيث تم تحليل البيانات باستخدام الترميز المفتوح والمغلق والمحوري وفقا للنظرية الميدانية.

نتائج البحث، والتوزيع المكاني للمهاجرين

  • طهران: يتركز المهاجرون بشكل رئيسي في الجنوب (المناطق المحرومة) والشمال (كبوابين أو حراس)، وتحولت أحياء مثل هرندي إلى مراكز سكنية للمهاجرين.
  • مشهد: يتركز المهاجرون في شرق المدينة (المناطق 4 و5، مثل كلشهر وقلعة ساختمان) بسبب انخفاض تكاليف السكن وشبكات الأقارب.
  • أصفهان: يقطن المهاجرون شمال شرق المدينة (المناطق 7 و8) وشمال غربها (المناطق 2،و9 و11)، وهي مناطق منخفضة الموارد بشكل رئيسي.
  • قم: يتركز المهاجرون في مركز المدينة (المناطق 1 و2، مثل مدينة قائم والمناطق المحيطة بالحرم) وفي الضواحي الجنوبية الشرقية ذات البنية العمرانية المتدهورة.

الخصائص السكانية والاجتماعية

  • التركيب العمري: 70 إلى 75% من المهاجرين في الفئة العمرية 15–64 سنة، الأطفال (0–14 سنة) يتركزون في المناطق المحرومة ذات معدلات خصوبة مرتفعة، وكبار السن فوق 65 سنة (أقل من 4%) يقطنون المناطق المركزية.
  • التعليم والقراءة والكتابة: معدل الأمية أعلى بين المهاجرين مقارنة بالإيرانيين (أقل من 70% متعلمين)، أكثر من 20% يحملون تعليم ابتدائي، ومع ارتفاع المستوى التعليمي يتجه السكن نحو المناطق الأكثر تطورا (مثل شمال طهران).
  • العمل: يتركز المهاجرون في وظائف منخفضة المستوى (عمالة، زراعة، خدمات) أكثر من 20% في المناطق المحرومة، وأقل من 10% في وظائف متوسطة أو عليا (مثل فنيين أو مدراء) في طهران، ويعمل المهاجرون في الجنوب بالبناء، وفي الشمال كحراس.


أنماط الفصل المكاني

  • عدم المساواة المكانية: يتركز المهاجرون في مناطق محرومة ضمن تجمعات مكانية (بقع ساخنة)، ففي طهران يشكل جنوب المدينة بقعا ساخنة والشمال بقعا باردة.
  • المجموعات الخاصة: النساء، الأطفال (0–14 سنة)، الجيل الأول من المهاجرين، الأميين، والعاملين في وظائف منخفضة المستوى يختبرون فصلا مكانيا أكبر، بينما الجيل الثاني وأصحاب التعليم الأعلى لديهم فصل أقل.
  • النتائج النوعية: تم استخراج أربع فئات رئيسية:
    1. الفصل البيولوجي: المهاجرون ينفصلون عن المجتمع المضيف بسبب الفروق الثقافية والقانونية.
    2. فقدان الانتماء المكاني: التمييز وعدم القبول يقللان شعور الانتماء ويؤديان إلى العزلة الاجتماعية.
    3. التفريق اللفظي والمكاني: الفروقات اللغوية والثقافية تحد من التفاعل مع المجتمع المضيف.
    4. الفجوة المكانية-الاجتماعية: الفجوات الاجتماعية والاقتصادية تدفع المهاجرين نحو المناطق الهامشية.

البحث، عوامل الفصل المكاني

  • الاقتصادية: القيود القانونية والاجتماعية توجه المهاجرين إلى وظائف منخفضة الدخل ومناطق رخيصة، ونظرية سوق العمل المزدوج تشير إلى تركيز المهاجرين في القطاع الثانوي (وظائف منخفضة المهارة).
  • الاجتماعية والثقافية: التمييز، والحواجز اللغوية، والفروقات الثقافية تدفع المهاجرين إلى الهامش وتقلل من اندماجهم الاجتماعي، ونظرية بارك (1981) تصف هذا الوضع بأنه تعليق اجتماعي-ثقافي.
  • المكانية: وفق نظرية الإنتاج الاجتماعي للمكان (ليفور)، تؤثر علاقات القوة وعدم المساواة الاقتصادية في توجيه المهاجرين نحو المناطق منخفضة الموارد.
  • الجندرية: الهجرة الأفغانية تحمل بعدا جنسيا، حيث تعاني النساء من فصل أكبر، نتيجة التمييز المزدوج (الجنس والهجرة).

الآثار

  • عدم المساواة الاجتماعية: يساهم الفصل المكاني في إعادة إنتاج الفوارق وتقليل التماسك الاجتماعي.
  • الأحياء المغلقة (غيتوهات): تركيز المهاجرين في أحياء معينة (مثل كلشهر في مشهد) يؤدي إلى ظهور غيتوهات وتقليل التفاعل مع المجتمع المضيف.
  • التنمية الحضرية: التوزيع غير المتساوي للموارد والفرص يهدد التنمية الحضرية المستدامة.

التوصيات السياسية
1- سياسات شاملة: وضع برامج طويلة المدى لتنظيم توزيع المهاجرين على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية.

2- تعزيز الاندماج الاجتماعي: توفير فرص اقتصادية واجتماعية متساوية لتقليل تركيز المهاجرين في المناطق المحرومة.

3- الوصول إلى التعليم: تسهيل الوصول للتعليم العالي لرفع رأس المال البشري وتقليل الفصل المكاني.

4- التحرك المهني: إزالة العقبات القانونية والاجتماعية للوصول إلى الوظائف المتخصصة.

5- إدارة توزيع السكان: مراقبة تنفيذ قوانين تنظيم تواجد الأجانب ومتابعة نتائجها بشكل مستمر.

6- تعزيز التفاعل الثقافي: دعم مشاركة المهاجرين الثقافية عبر برامج تعليمية واجتماعية.

الخلاصة
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن الفصل المكاني للمهاجرين الأفغان في المدن الكبرى الإيرانية نتيجة مركبة من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيود القانونية، ويؤدي هذا إلى تركيز المهاجرين في المناطق المحرومة، وتقليل الاندماج الاجتماعي، وظهور غيتوهات حضرية. 

وفي الختام أكَّدت الصحيفة أنه بالنظر إلى دور المهاجرين في ديناميات المدن، يمكن أن تساعد السياسات الشاملة لتحسين الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات الحضرية في تقليل الفصل المكاني وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتوفر هذه الدراسة أدلة كمية ونوعية تؤكد أهمية النظر في الأبعاد المكانية والاجتماعية للهجرة وتقدم إطارا لتوجيه السياسات المستقبلية.