- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 110 Views
في لحظة مفصلية من مسار الأزمة، تتشابك خيوط السياسة مع حسابات القوة، لتنتج واقعا معقدا لا يمكن قراءته بمعادلات تقليدية. فالتطورات المتلاحقة لا تعكس مجرد تصعيد أو تهدئة، بل تكشف عن إعادة صياغة أعمق لقواعد التفاعل بين الأطراف، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة. وبين خطاب متشدد وحراك دبلوماسي نشط، تتشكل ملامح مرحلة انتقالية تفتح المجال أمام احتمالات متباينة، حيث يظل المشهد مفتوحا على مسارات متعددة، تتراوح بين احتواء الأزمة وإعادة إنتاجها بصيغ جديدة.
تفاصيل المقترح الإيراني الجديد… أهم التفاصيل والاختلافات عن المقترح السابق
منذ اللحظة التي كشفت فيها طهران عن مقترحها التفاوضي الجديد عبر قنوات الوساطة، الجمعة الأول من مايو/ آيار 2026، بدا أن إيران لا تقدم مجرد عرض تفاوضي تقليدي، بل تحاول إعادة هندسة مسار التفاوض نفسه، من حيث التوقيت، وتسلسل القضايا، وآليات التنفيذ. فالمقترح الجديد المؤلف من 14 بندا لا يكتفي بتحديد مطالب أو تنازلات، بل يؤسس لإطار تفاوضي جديد قائم على التدرج المرحلي وفصل المسارات، وهو ما يمثل تطورا لافتا مقارنة بالعروض السابقة التي كانت تميل، ولو جزئيا، إلى مقاربة أكثر مباشرة وشمولا.

فحسب التغطيات الصحفية، يعكس المقترح الجديد انتقالا من منطق الصفقة الكبرى إلى منطق الصفقات المتتابعة، فخلال التجارب السابقة، سواء في الاتفاق النووي أو في المحاولات اللاحقة لإحيائه، كان التركيز على التوصل إلى اتفاق شامل يتناول القضايا الأساسية دفعة واحدة. إلا أن إيران، وفق ما يظهر في المقترح الجديد، باتت ترى أن هذا النموذج لم يعد عمليا في ظل تصاعد انعدام الثقة، ولذلك تطرح بديلا يقوم على تفكيك الأزمة إلى مراحل يمكن إدارتها بشكل منفصل.
المرحلة الأولى، كما صيغت في المقترح، تركز بشكل واضح على خفض التصعيد الميداني وإعادة ضبط التوازنات الأمنية. وهنا لا تقتصر المسألة على وقف العمليات العسكرية، بل تشمل أيضا معالجة تداعياتها المباشرة، وعلى رأسها وضع مضيق هرمز، الذي تحول إلى نقطة ارتكاز في الصراع. فإيران لا تعرض فقط إعادة فتح المضيق، بل تطرح ذلك ضمن حزمة متبادلة تشمل رفع الحصار البحري، وهو ما يعني أن المضيق يستخدم كورقة تفاوضية ضمن معادلة تبادل مصالح، وليس كملف منفصل.

كما أن هذه المرحلة تتضمن عنصرا مهما يتمثل في الضمانات، حيث تصر طهران على الحصول على التزامات واضحة بعدم استئناف الهجمات. وهذا البند يعكس تطورا في التفكير التفاوضي الإيراني، إذ لم يعد الاكتفاء بوقف إطلاق النار كافيا، بل بات مطلوبا تثبيت هذا الوقف ضمن إطار سياسي وأمني يحد من احتمالات الانزلاق مجددا إلى المواجهة.
أما المرحلة الثانية، فهي تمثل في الواقع الاختبار الحقيقي لأي مسار تفاوضي، لكنها في الوقت ذاته مؤجلة عمدا. فبدلا من الدخول المباشر في تفاصيل البرنامج النووي والعقوبات، يتم ترحيل هذه الملفات إلى مرحلة لاحقة، يفترض أن تكون أكثر استقرارا من الناحية السياسية والأمنية. هذا التأجيل ليس مجرد تكتيك، بل يعكس قناعة إيرانية بأن التفاوض حول القضايا الاستراتيجية يتطلب بيئة مختلفة عن تلك التي تفرضها أجواء الحرب أو الضغط المباشر.
ومن حيث المضمون، لا يحمل المقترح في شقه النووي تغييرات جوهرية مقارنة بالمواقف الإيرانية السابقة، إذ يستمر التأكيد على حق التخصيب لأغراض سلمية، مع غياب أي التزام مسبق بتقليص هذا النشاط. غير أن الجديد هنا ليس في الموقف، بل في توقيت طرحه، حيث يتم إبعاده عن المرحلة الأولى، في محاولة لعزل القضايا الخلافية الأكثر تعقيدا عن مسار التهدئة.

ومن الزاوية الإجرائية، يبرز عنصر الوساطة كجزء أساسي من المقترح، حيث تم تقديمه عبر أطراف إقليمية، مع استعداد لعقد المفاوضات خارج الأطر التقليدية. وهذا يعكس توجها نحو تدويل الوساطة بشكل مختلف، بحيث لا تقتصر على القوى الكبرى أو المؤسسات الدولية، بل تشمل أيضا دولا إقليمية قادرة على لعب دور توازني بين الطرفين.
كما يمكن ملاحظة أن المقترح الجديد يتسم، حسب خبراء، بدرجة من المرونة التكتيكية دون أن يصل إلى حد التنازل الاستراتيجي. فهو يقدم خطوات يمكن تفسيرها على أنها انفتاح، مثل القبول بإعادة فتح المضيق أو الدخول في مسار تفاوضي مرحلي، لكنه في الوقت ذاته يحافظ على الثوابت الأساسية، خاصة فيما يتعلق بالسيادة والبرنامج النووي.
وبالمقارنة مع المقترحات السابقة، فإن أبرز اختلاف يتمثل في هذا التحول من التفاوض على النتائج إلى التفاوض على المسار. ففي السابق، كان التركيز على ما سيتم التوصل إليه في نهاية العملية، أما الآن فهناك تركيز أكبر على كيفية الوصول إلى تلك النهاية، عبر مراحل محددة ومترابطة، لكنها غير مشروطة بالكامل ببعضها البعض.
في المجمل، يمكن قراءة المقترح الإيراني الجديد باعتباره محاولة لإعادة ضبط إيقاع التفاوض، بحيث يتم نقل الصراع من حالة المواجهة المباشرة إلى حالة الإدارة التدريجية للأزمة، وهو مسار يحمل في طياته فرصا للتهدئة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة، خاصة في ظل غياب توافق واضح حول ترتيب الأولويات بين الأطراف المعنية.
الموقف الأمريكي… بين الرفض والتشدد الاستراتيجي
هذا فيما لم يلق المقترح الإيراني الجديد قبولا في واشنطن، حيث عبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشكل صريح عن عدم رضاه عن العرض الإيراني، مؤكدا أن طهران تطلب أشياء لا يمكن قبولها، هذا الرفض لا يعكس فقط موقفا تفاوضيا متشددا، بل يعكس أيضا اختلافا جذريا في الرؤية بين الطرفين حول أولويات الحل.
تتمثل نقطة الخلاف الأساسية في ترتيب الملفات، إذ ترى الولايات المتحدة أن الملف النووي يجب أن يكون في صلب أي اتفاق، وليس مؤجلا إلى مرحلة لاحقة، فبالنسبة لواشنطن، كان الهدف المعلن من الحرب والضغوط هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وبالتالي فإن أي اتفاق لا يتضمن قيودا فورية وواضحة على البرنامج النووي يعد غير كاف.

وقد عزز هذا الموقف تصريحات وزير الخارجية، ماركو روبيو، الذي شدد على ضرورة أن يضمن أي اتفاق منع إيران بشكل قاطع من تطوير سلاح نووي، معتبرا أن تأجيل هذا الملف يفتح الباب أمام طهران لكسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.
إلى جانب ذلك، ترفض الولايات المتحدة ربط رفع الحصار البحري أو تخفيف الضغوط الاقتصادية بتنازلات غير نووية، إذ تعتبر أن هذه الإجراءات تمثل أوراق ضغط أساسية لا يمكن التخلي عنها دون مقابل جوهري. وقد أشار ترامب في تصريحات سابقة إلى أن رفع الحصار قد يؤدي إلى فقدان أهم أدوات الضغط على إيران، خاصة فيما يتعلق بإجبارها على التخلي عن مخزوناتها من اليورانيوم المخصب.
كما يبرز خلاف آخر حول مضيق هرمز، حيث ترفض واشنطن أي صيغة قد تفهم على أنها اعتراف بسيطرة إيران على هذا الممر الدولي، مؤكدة أنه ممر مفتوح لا يمكن إخضاعه لشروط دولة واحدة. وهذا الموقف يعكس أبعادا استراتيجية تتجاوز الأزمة الحالية، وتتعلق بحرية الملاحة والنظام الدولي.

من ناحية أخرى، يبدو أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المقترح الإيراني كجزء من استراتيجية كسب الوقت، حيث تسعى طهران، من وجهة نظر واشنطن، إلى تخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات حقيقية في الملفات الجوهرية. وقد أشار محللون، مثل ريتشارد نفيو، إلى أن المقترح قد يكون محاولة لتأجيل القضايا الأكثر صعوبة بدل حلها.
وفي السياق الداخلي، يواجه ترامب ضغوطا سياسية واقتصادية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب الانتخابات، ما يجعله أقل استعدادا لتقديم تنازلات قد تفسر على أنها ضعف. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع تصعيد الحرب بسهولة بسبب تكلفتها العالية، ما يضعه في موقف معقد بين خيارين صعبين، أما التصعيد أو التراجع.
سيناريوهات إنهاء الحرب بين الواقع والاحتمالات
مع إعلان ترامب في رسالته للكونجرس أن العمليات العسكرية قد توقفت فعليا، تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران طورا جديدا يتجاوز منطق الحرب التقليدية إلى ما يمكن وصفه بإدارة الصراع بدل حسمه، فالتوقف الميداني، وإن استمر، لا يعني نهاية الحرب، بل يعكس انتقالها إلى مستويات أخرى أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الأدوات الاقتصادية والضغوط السياسية مع الحسابات العسكرية غير المباشرة. في هذه المرحلة، يصبح السؤال ليس متى تنتهي الحرب، بل كيف يمكن تفكيكها دون أن يخسر أي طرف موقعه أو صورته أمام الداخل والخارج.
في هذا السياق، يبرز توصيف يوسف بزشكيان، ابن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان واحد مستشاريه، لحالة اللايقين الاستراتيجي باعتباره المدخل الأنسب لفهم المشهد. فالأطراف المعنية لا تتفق حتى على توصيف ما جرى: كل طرف يعلن النصر بطريقته، وكل طرف يقرأ موازين القوى بما يخدم روايته. هذه الازدواجية في السرد لا تعني فقط تضاربا إعلاميا، بل تعكس غياب نقطة ارتكاز مشتركة يمكن البناء عليها لإنهاء الصراع. وعندما تغيب هذه النقطة، يصبح أي مسار للحل هشا بطبيعته، ومعرضا للانهيار عند أول اختبار.

أما على المستوى التحليلي، فإن قراءة غلام رضا كريمي، الأكاديمي الإيراني، تقدم إطارا أكثر تركيبا، حيث يتم توصيف الوضع الراهن باعتباره حالة لا حرب ولا سلام، وهي حالة معروفة في العلاقات الدولية، لكنها في هذا السياق تحمل خصوصية عالية بسبب حساسية الجغرافيا وتشابك المصالح. هذا الوضع لا يعني الجمود، بل يعني حركة بطيئة ومستمرة بين التصعيد والتهدئة، حيث لا يصل أي منهما إلى نهايته الكاملة.

السيناريو الأول الذي يقدمه كريمي ويمكن اعتباره الأكثر ترجيحا على المدى القريب، يتمثل في استمرار هذا الوضع الهجين، حيث تبقى أدوات الضغط قائمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا الإطار، تستمر القيود على الملاحة، وتظل الأسواق العالمية تحت تأثير التوتر، بينما تبقى قنوات التفاوض مفتوحة بشكل غير مباشر. هذا السيناريو لا يحل الأزمة، لكنه يديرها، ويؤجل الانفجار أو التسوية إلى لحظة لاحقة.
السيناريو الثاني يتجه نحو تصعيد تدريجي، لكن ليس بالضرورة عسكريا مباشرا، بل عبر توسيع نطاق الضغوط الاقتصادية والمالية. في هذا المسار، تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعميق كلفة الصمود على إيران، بينما تحاول طهران امتصاص هذه الضغوط عبر أدوات بديلة. هذا السيناريو يعتمد على عامل الزمن، وعلى قدرة كل طرف على تحمل الكلفة أكثر من قدرته على تحقيق اختراق سريع.
في المقابل، يبقى السيناريو الثالث، رغم مخاطره العالية، قائما في خلفية المشهد، ويتمثل في احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب. في بيئة مشحونة مثل الخليج، حيث تتقارب القوات وتتشابك المصالح، يكفي حدث محدود لإعادة إشعال الصراع بشكل كامل. هذا السيناريو لا يبدو مرغوبا لأي طرف، لكنه يظل ممكنا بسبب طبيعة التوتر القائم.

أما السيناريو الرابع، فهو يقوم على فكرة التآكل التدريجي للإرادة السياسية، حيث لا يحسم الصراع في الميدان، بل في الداخل السياسي لكل طرف. هنا تراهن إيران على أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة ستنعكس على الداخل الأمريكي، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الحصار سيؤدي إلى ضغوط داخلية في إيران. في هذا السيناريو، لا يكون الانتصار عسكريا، بل سياسيا، عبر إجبار الطرف الآخر على تعديل موقفه.
في ظل هذه السيناريوهات، تبدو خيارات ترامب محدودة ومعقدة في آن واحد. فهو يواجه معادلة صعبة حيث أي تصعيد جديد يحمل كلفة عالية وغير مضمونة النتائج، وأي تراجع واضح قد يفسر كفشل سياسي. لذلك، يبرز خيار الحل الوسطي كمسار محتمل، يتمثل في البحث عن اتفاق مرحلي أو صيغة تهدئة يمكن تقديمها للرأي العام على أنها إنجاز، دون أن تصل إلى مستوى التنازل الكامل.
العامل الداخلي يلعب هنا دورا حاسما، إذ إن الضغوط الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بأسعار الطاقة، قد تفرض إيقاعها على القرار السياسي. كما أن الحسابات الانتخابية تجعل من الصعب الاستمرار في صراع مفتوح دون أفق واضح. في المقابل، تستفيد إيران من خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، ومن قدرتها على التكيف مع الضغوط، ما يمنحها هامشا زمنيا أوسع.
في النهاية، لا يبدو أن أيا من السيناريوهات قادر بمفرده على إنهاء الحرب بشكل حاسم، بل إن المسار الأكثر واقعية قد يكون مزيجا منها، حيث تتداخل التهدئة مع الضغط، والتفاوض مع التهديد. وفي هذا المشهد المركب، يبقى الحل النهائي رهينا بقدرة الطرفين على الانتقال من منطق كسر الإرادة إلى منطق إدارة المصالح، وهو انتقال لم تتوافر شروطه بعد بشكل كامل.

